×
×

مرايانا في مملكة الرحل المغاربة… مشاهد “حصرية” من التقسيم الجندري للفضاء والعمل! 3\3

قوة نساء الرحل “غير الرسمية” في النّطاق الأسري، تعطل إمكانيتها في المعارضة وتؤثّر بشكل كبير على صُنع القرار في الحياة اليومية…

في الجزأين الأول والثاني، رصدنا معاناة الرحل مع الجفاف وبعض المشاكل القاهرة التي قد تنذر بنهاية الترحال، ثم عرجنا بالحديث عن الخصوصية السوسيوثقافية للترحال وجهود المجتمع المدني للحفاظ على هذه الخصوصية.

في هذا الجزء الثالث، نعاين العلاقة بين الجنسين في مجتمعات الرحل الصغيرة، بحكم انعزالها عن مختلف أشكال “الحضارة” والتمدن.

سنعتمدُ في هذا الجزء، بشكل أساسي، على أطروحة دكتوراه أحمد السكونتي، الأستاذ الباحث بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، المعنونة بـ“الدم والتراب”. (صدرت هذه الأطروحة، التي تعالج ترحال قبيلة آيت مرغاد، في كتاب من طرف المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2012).

وفق مُخلصات السكونتي، فيما يتّصل بالإشكالات الجندرية لدى الرحل، فإن الخيمة، بالأساس، هي الفضاء المشكل لعوالم المرأة والرجل من الذين يمارسون الترحال. والخيمة، بشكل أدق، هي الوحدة الاجتماعية والاقتصادية المحلية الأساسية لهذا المجتمع الصغير، الذي هو الأسرة.

تاخامت، بهذا المعنى، تغدو فضاءً أنثوياً بامتياز، اعتماداً على معيار التقسيم الجنسي/الجندري للعمل. يقع كل العمل المتعلق بالخيمة على عاتق المَرأة، التي تقضي وقتاً أطول من الرجل داخلها.

إنها تحافظ على الخيمة، وتدبّر الاحتياطيات، وتؤدي المهام اليومية، على غرار الغزل والنّسيج والطحن، إلخ.

تحتل المرأة بهذا المعنى، أي داخل الخيمة، مكانة دونية.

خارج الخيمة، تبدأ مساحة المخيم المشتركة مع الجار أو الجيران من الرحل؛ لكن فقط في حال  وجود أكثر من خيمتين أو في حالة المخيّمات المجاورة.

كون المرأة لدى الرحل

من الواضح أنّ مساحة المخيم التي تتنقل فيها النساء بحرية، هي مساحة “اجتماعية” في الأصل، حيث الخيام هي نقاط التقاء، وفيها يتمّ تبادل الخدمات والسلع.

في الصباح، يتمّ تناول ما تبقى من الكسكس من الليلة الماضية، والذي يتمّ خلطه باللّبن. بعد الظّهر، يكون الالتفاف حول الشاي، وتسير، حينها، المناقشات بين النساء بشكل جيد، لاسيما بعد تحرّرهن من الأعمال الروتينية التقليدية. وهنّ مجتمِعات، يستمتعْن بإخبَار بعضهنّ البعض عن الحياة، وكيفية وضع الحناء على الشّعر، ويقمن باختبار ذاكرتهنّ من خلال تذكّر القصائد الشّفهية.

النساء من الخِيام المُجاورة يسجّلن زيارات قليلة فيما بينهنّ. هذه الزيارات لها أهداف براغماتية صرفة، مثل استعارة أداة أو منتج، أو طلب سكر، شاي، حبوب، أو طلب مساعدة في وظيفة.

أيضاً، ثمّة زيارات تقوم بها النساء لأسباب جدّية وموضوعية، ذات علاقة بتقديم التّهاني في حفل عقيقة، أو التّبريكات في ختان أو زواج، أو تقديم التّعازي في وفاة.

في الحالات الأخيرة، يمكن أن تكون المسافة المقطوعة نصف يوم مشياً على الأقدام، ونادراً ما تكون أكثر، لكون النساء من المخيمات النائية يتواجدن في أماكن أخرى بعيدة جغرافياً.

علاقات النساء الرحل تتوقف على ظروف واحتياجات بعضهنّ البعض. وبخصوص نقط التلاقي، فغالباً ما تكُون بعيدة نسبياً عن الخيمة، وتكون هي نقطة إحضار الماء أو أماكن جمع الحطب.

نقطة جلب المياه أو العين أو البئر تكون بعيدة من الخيمة، أي بحسب تمركُز المُخيم. قد تبعد من بضْع مئات إلى زهاء الآلاف من الأمتار.

من ناحية أخرى، المسافة المقطوعة لجمع الحطب تعتمد على مدى توفر الخشب الجاف في محيط المخيم.

عادة ما تجلب النساء المياه في الصباح؛ أما جمع الحطب، فيكون، غالباً، في وقت متأخر بعد الظهر.

عوالم الرجل

إذا كانت المرأة، مقارنة مع الرجل، تقضي وقتاً طويلا في الخيمة، فإن الأخير محكوم بمساحة تحرك أكثر اتساعاً، تتجاوز تلك الموجودة في الخيمة أو في فضاء الخيمة بشكل عام.

الرجل، في ثقافة الرحل، يدمج بين الرعي والتجارة. في الواقع، يعتمد فضاء الرجال على دورهم في عملية إنتاج وتدبير الثروة/الإرث.

يُعفى من تربية القطيع، الرجال الذين لديهم إمكانيات استئجار راعٍ، وكذلك أولئك الذين لديهم أولاد لهم القدرة ومؤهلات السنّ لرعاية الماشية.

الرجال يذهبون إلى الأسواق، إلى المكاتب الإدارية، وربما إلى الجماعات المحلية، وإلى مناطق الحصاد أو قطف التمور أو جني الزيتون.

بعضهم، يتاجر في الصّوف أو الماشية أو يبيع الحطب للأشخاص المستقرين في مكان ما.

يُسجّل أنهُ، حتى نهاية السّبعينيات، كان لدى الشباب مساحة أقل للتنقل بالمقارنة مع الأكبر منهم سناً؛ لقد انضمّوا إلى الجيش ووجدُوا حياتهم تتغيّر بشكل لافت.

أما الآخرون، فقد اضطرّوا للاحتفاظ بحياة التّرحال والبقاء بجانب القطيع لجزء من السّنة فقط، وكرسوا أنفسهم للهجرة الموسمية.

ضمن الحالتين، فقط الشباب الذين استقروا في الرعي طيلة حياتهم، مرتبطون ارتباطاً وثيقاً بالخيمة والقطيع والري، وكل ما يشكل حياة التّرحال بخصوصيتها.

حين ينعزل الراعي للبحث عن الكلأ خلال وقت الرعي، فذلك لا يجعل منهُ قليل الكلام أو “انطوائيا”، خصوصاً ضمن قبيلة آيت مرغاد.

بمجرد العودة، في المساء، لا بدّ وأن يحدّث الجميع عن يومه، ويستحضر الرعاة الآخرين الذين صادفهم، ونوعية الأماكن الجديدة، الخاصة بالرعي، التي اكتشفها، خفة حركة الأرنب الذي فشل في محاولة اصطياده رغم مساعدة الكلب، شفاء دابّة مريضة أو شاة عليلة، الأفعى التي قتلها، العَلامة الجديدة التي حفرها على عصاه بمناسبة ولادة جديدة… كلها قصص وعبر يسعد الأطفال، في كلّ مرّة، بالاستماع إليها.

بين الذكورة والأنوثة

إجمالاً، تشكل الخيمة، والمخيم على نطاق أوسع، مركز الثقل للمساحة التي يعيش ضمنها الرّجال والنساء الرحل.

القاعدة التي يتم بموجبها توفيق المساحتين، الذكورية والأنثوية، تعطي القوة المركزية للرجل، وتطرد المرأة من تلك المركزية. ومع ذلك، فإن معارضتها في هذا الجانب ليست واضحة.

يتمثل أول تفسير لهذا الطرح، في حقيقة أن النساء يؤدين عملاً يقع، بداهةً، على عاتق الرجال. لكن الرجال لا يفعلون الشيء نفسه “إطلاقاً”.

لذلك، لا توجد مهمة ذكورية لا تؤديها امرأة، لكن الرجال نادراً جداً ما يُؤَدّون مهام النساء.

بمعنى أن النّساء قد يصلن إلى “المساحة الذكورية”؛ فعند سفر الرجل، مثلاً، يمكن لفتاة أو فتاتين مرافقة القطيع. وعندما لا يكون للأسرة “قوة عاملة” كافية، أو في حالة وجود زوجين بدون أطفال، تصبح الزوجة راعية في غياب الزوج.

أحياناً، يجد الرجل نفسه معفياً من الرعي، ويذهب إلى السوق. بيد أنّه في غضون البحث عن فضاء جديد للرعي أو حين يغيبُ بحثاً عن شاة أو ماعز ضائعة، فهذه مهام لا توكل إلى امرأة نهائيًّا، لأن تقاليد الرحل لا تسمحُ بقضائها الليل خارج الخيمة.

عملياً، لا يهتم الرجل أبداً بالمطبخ، ولا يشارك في إعداد وجبات الطعام أو غسل الأطباق. حتى عندما تغادر زوجته الخيمة بعد مشادة أو بعد سوء فهم، وتلجأ إلى أسرتها، فإن نساء الجيران في المخيم هم من يطعمون الأطفال الذين هجرتهم والدتهم؛ بينما هو، يسدّ جوعه بوجبات الطعام الباردة، منتظراً احتمال عودة الزوجة.

بهذا المعنى، يكون حرمان الرجال من الطعام، وممارسة الامتناع الجنسي عن طريق اللجوء إلى الأسرة، هو إحدى استراتيجيات المرأة التي تتعرض للضّرب أو الإساءة في مجتمع الرحل.

هناك تحول ثان في نمط السلوك “المعياري”، للرجال والنّساء الرّحل، والذي يتعلق حصراً بالسّوق. إذ غالباً ما تصادف نساء الرحل في الأسواق المحلية بالمنطقة.

يمكن التعرف عليهنّ من خلال ملابسهم التقليدية ذات الألوان المتنوعة التي تمتاز بها النّساء المستوطنات للوحيش، وكذلك من صوتهن العالي ولكنتهنّ الفريدة.

يذهبْن إلى هذه الأسواق للتّسوق، أو زيارة عائلة أو قريب، أو استشارة “دجّال”، أو زيارة ولي صالح أو إجراء فحوصات طبية في مستوصف أو مستشفى.

لكن… خلال هذه الزيارات، التي تقدم عليها النساء البالغات أكثر من الشّابات أو اليافعات، لا مفرّ لهنّ من صُحبة الزوج أو الابن أو الأهل.

من ناحية، لا يمكنهن السّفر بمفردهن، خاصة نحو المدن، واستخدام وسائل النقل كالسّيارات والعربات، ومن ناحية أخرى، لن يخطر ببالهن، أصلاً، السّفر بدون مرافق إلى مناطق نائية.

هكذا، في النهاية، يكون التقسيم الجنسي للفضاء، بين الذكر والأنثى، منبنياً على أسس قوة التقسيم الجنسي/ الجندري للعمل، والذي، هو بالتبعة، نتاج خالص لرؤية أيديولوجية مؤداها تفوق الرجال على النساء.

إن قوة نساء الرحل “غير الرسمية” في النّطاق الأسري، تعطل إمكانيتها في المعارضة وتؤثّر بشكل كبير على صُنع القرار في الحياة اليومية.

بوضوح، إذا كانت التفاعلات بين المساحتين تجعل هذه المعارضة غير ذات جدوى تقريباً، فإن الأمر يرجع إلى عدم التناسق في خريطة التقسيم الجنسي للعمل بين الرجل والمرأة، الذي يكون دائماً على حساب النساء.

في نهاية هذا الملف، هناك مسلّمة واضحة مفادها أن غالبية الرحل لا يعرفون حقوقاً سياسية أو مدنية، لا يعرفون أحزابا ولا نقابات ولا حتى جمعيات، باستثناء تلك التي تزورهم بقوافلها سنوياً.

لكنّهم يعرفون أنهم مغاربة، ومن حقهم أن يعيشوا بكرامة كباقي المغاربة، ولو كانوا لا يعرفون أحقيّتهم بذلك!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *