×
×

سكان العالم القروي في زمن كوفيد 19… حياتنا عبء على السياسي

كيف يمكن لحكومة عجزت عن احتواء الأزمات الاجتماعية إبان كورونا، أن تنجح في إعادة الاقتصاد الوطني إلى سكته الصحيحة؟ وهل حقا سنة ونصف كافية لإعادة الاقتصاد الوطني إلى مستواه ما قبل كورونا، بعد أن طفحت على سطحه كثير من التوترات الاجتماعية؟
ثم، أي مكانة سيحظى بها مغاربة العالم القروي ضمن استراتيجيات الدولة لما بعد الأزمة الصحية والتخفيف من تداعياتها؟

قدم سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، يوم الثلاثاء 16 يونيو، تصوره لما بعد الجائحة، واستعرض من خلاله خطة حكومته لدعم الاقتصاد الوطني للخروج من دائرة الركود، والتخفيف من آثار الأزمة على بعض القطاعات ذات الأولوية بالنسبة له ولحكومته.

بخصوص هذه الخطة، فقد سبق لوزير الصناعة والتجارة أن قال أمام النواب، إن وزارته بصدد تجميع معطيات كاملة على المواد التي يستوردها المغرب من الخارج، لكي يتم حذف كل المواد التي يمكن تصنيعها محليا.

بهذا، تكون الحكومة قد هربت بالحديث إلى حد “السلوڴية”، وراحت تقوي شوكتها وتزيد من عمرها لإدارة الشأن السياسي المغربي لسنوات أخرى، وتغذي خرجات المخزن للمزيد من الانتظار والدخول في حلقة مفرغة من الترقب، وبيع وهم المغرب الممكن للمغاربة.

في هذا السياق، لابد من التساؤل عن مدى حقيقة هذا الكلام، وكيف يمكن لحكومة عجزت عن احتواء الأزمات الاجتماعية إبان كورونا، أن تنجح في إعادة الاقتصاد الوطني إلى سكته الصحيحة؟ وهل حقا سنة ونصف كافية لإعادة الاقتصاد الوطني إلى مستواه ما قبل كورونا، بعد أن طفحت على سطحه كثير من التوترات الاجتماعية؟

ثم، أي مكانة سيحظى بها مغاربة العالم القروي ضمن استراتيجيات الدولة لما بعد الأزمة الصحية والتخفيف من تداعياتها؟

لنكن منصفين، نعم نعيش هذه الأيام حالة نفسية ميؤوسا منها. مثل هذه الخرجات الحكومية، نعي تمام الوعي أنها لن تشملنا بشيء؛ فقط تذهب بنا إلى حلم عميق، ينسينا دهاليز الفقر والتهميش؛ نتطلع عبرها للمغرب الواعد، المغرب الذي سيتسع للجميع، ويحتضن كل مكوناته الجغرافية، ويصنع أخيرا معلبات السمك ولا يستوردها من الخارج، حتى ينخفض سعر علب السردين الأكثر استهلاكا عند عامة فقراء المغرب.

ألم تكن الجائحة فرصة لتفعيل اختصاصات الجماعات الترابية فيما يتعلق بالتدابير اللازمة لمحاربة عوامل انتشار الأمراض الوبائية الخطيرة؟

وباعتبار أن أسلوب المسؤولين الرسميين في التعاطي مع القلق الشعبي يرقى فقط إلى أساليب التعذيب الجماعي، كان قد خرج وزير الداخلية ليصيب بتصريحاته مغاربة العالم القروي بفيروس الجزع والهم، عندما قال: “إن الدعم الذي خصصته الدولة غير موجه للفقراء”. بهذه التصريحات وأخرى؛ تكون الحكومة قد قطعت أمام الفقراء كل السبل، وتركتهم يعشون في شروط ظالمة لا يتوفر فيها الحد الأدنى للعدالة، وألقت بهم في جحيم التهميش والإقصاء ولسان حالهم يردد: “منفيون نمشي في أراضينا، ونحمل نعشنا قسرا بأيدينا ونعرب عن تعازينا لنا فينا”…

لم يستسغ أغلب الفقراء حرمانهم من صندوق الدعم؛ لتتحول ثقتهم في الدولة إلى إحباط جماعي وإحساس بالظلم والحيف.

اقرأ أيضا: عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: يا الحَجْر والطوارئ، يا كوفيد 19

لا ينبغي أن يؤول هذا الكلام بشيء، سوى بالتذمر حيال طريقة تدبير الدولة لمشكلات المغاربة، حيث أثبتت الأخيرة في كل خطواتها بما لا يدع مجالا للشك أن المغرب بلد المؤسسة الواحدة، وأن قرارات الداخلية تعلو ولا يعلى عليها.

في الوقت الذي كان فيه المغاربة يراهنون على إعادة النظر في علاقات الدولة بالجماعات الترابية في اتجاه تقوية أدوات التخطيط والتدخل بهدف تجاوز تداعيات الأزمة الصحية بالوسط القروي، اختارت الدولة المركزية أن تعود بالمغرب إلى السنوات الأولى للاستقلال، لتنفض الغبار عن إصلاحات “البكاي” للشبكة الإدارية؛ حينما سحب البساط تحت أقدام الأعيان، وأعطى الأسبقية للقواد لضبط المجال. وهذا ما أقدمت عليه الدولة، في خطوة شبيهة بالأولى، حيث وضعت مفاتيح الجهات في يد السلطات غير المنتخبة وأحالت مجالسها المنتخبة على عطلة قسرية وجمدت صلاحياتها واختصاصاتها، وألغت دوارتها.

الواقع الذي فرضته الجائحة بدوار “بني عيسي”، كشف لنا أن المواطنة مفهوم إنشائي تم إقحامه في المتن الدستوري ودباجة مؤسسات الوساطة بغاية الاستهلال والتسويق

طرح هذا القرار أكثر من علامة استفهام، بل فتح الباب للتأويلات؛ والأهم من ذلك أنه أعاد نقاش صلاحيات المجالس في ضوء القانون 113-14 إلى الواجهة. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة، ألم تكن الجائحة فرصة لتفعيل اختصاصات الجماعات الترابية فيما يتعلق بالتدابير اللازمة لمحاربة عوامل انتشار الأمراض الوبائية الخطيرة؟ لكن، يبدو أن مسألة اختصاصات المجالس الذاتية والمنقولة، والمشتركة، والأدوات القانونية لتنمية العالم القروي، ضرب من ضروب الخيال، ما لم يتم بعد الانتقال من الوصاية إلى المراقبة وإقرار مبدأ التفريع.

فرض الحجر على الجماعات في عز الأزمة الصحية، وإبعاد رؤساء مجالسها عن اللجان الإقليمية والجهوية كانت دعوة مقيتة؛ لضرب الاختيارات السياسية الجديدة للمغرب، ومحاصرة الديمقراطيتين التشاركية والتمثيلية، ومسعى لتجاهل الأحكام الدستورية، التي توصي الدولة بالعمل مع المؤسسات العمومية والجماعات الترابية على تعبئة الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة من الحق في العلاج والعناية الصحية والحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والتضامن.

إذا أردنا أن نبحث عن السبب الذي دفع الدولة لمصادرة هكذا قرارات، فلن نجد سوى ما قاله إدريس كثير: “أن منطق الدولة السياسي منذ مفهوم السلطة الجديدة هو قوة الدولة و بطشها.. لا أحد يعلو على كعبها”، من ثم، فالدولة كي لا تسمح لأي كان أن يزايد على مجدها وإنجازاتها، وحتى لا تضعف وينقضي دورها، أوقفت عمل الجماعات الترابية. في المقابل، قوّت عمل السلطات غير المنتخبة، وجعلت عمل المقدم، كجهاز إداري، أكثر ديناميكية من عمل رئيس الجهة.

اقرأ أيضا: عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: زمن كورونا المغربي… التخويف مقابل الغموض والجهل

الكل كان فخورا بعمل السلطات غير المنتخبة بالمدن، لكن لا أحد انتبه إلى ما يجري بالوسط القروي؛ وأنا هنا لا أتحدث عن الأرياف المتقدمة، حيث الاقتصاد القروي متنوع والبنيات الفلاحية نشيطة، ولا حتى على الأرياف الشبه حضرية التي تحيط بالمدن الكبرى، إنما أقصد المجالات التي توصف بالأرياف العميقة، التي مازالت تعاني الخصاص على كل المستويات، والتي تعيش وضعية جد مقلقة في الأزمة الراهنة، لا سيما في مجال الولوج إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية، كما هو الوضع بدواوير صنهاجة سراير، خاصة دوار “بني عيسي” بإقليم الحسيمة، الذي  لازال يحلم سكانه بـ 20 كيلومتر من الإسمنت المسلح لتفك عزلتهم وتربطهم بأقرب مركز قروي.

لم يستسغ أغلب الفقراء حرمانهم من صندوق الدعم؛ لتتحول ثقتهم في الدولة إلى إحباط جماعي وإحساس بالظلم والحيف

الواقع الذي فرضته الجائحة بدوار “بني عيسي”، كشف لنا أن المواطنة مفهوم إنشائي تم إقحامه في المتن الدستوري ودباجة مؤسسات الوساطة بغاية الاستهلال والتسويق. ففي الوقت الذي كانت فيه الساكنة تعيش وضعية صعبة على مستوى نمط العيش؛ جراء توقف كل ما من شأنه أن يعزز قدرتهم الشرائية، استيقظ الحالمون بقدوم هذا الوباء، لفرض سيطرتهم التامة على الفقراء وتوسيع هيمنتهم السياسية عن طريق مبادرات فاشلة في إخراجها، ولا تبث للعمل التضامني بصلة، خاصة حين غيبوا عليها شروط العدالة، واحتكموا للانتماء ورضاء أعيان الحزب قبل منح الناس القفف.

بهذه الصورة التي لم يخجل منها أصحابها، وفي غياب دور الدولة، يكون فقراء بلدتي قد تبخر ما تبقى من مواطنتهم وثقتهم في الدولة، وحتى في الذين يدورون في فلكها من أحزاب وجمعيات، وتواروا عن رسائل “القنوات الوطنية” الجافة التي لا تذكي سوى التوجس والإرتباب، ولا تفيد المجالات الهامشية بشيء؛ إلا بأخبار الأحوال الجوية.

اقرأ أيضا: عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: السلطة في زمن كوفيد المغربي… الاستثناء في مقابل الحرية والحقوق

للأمانة، فإن ما يظهر مستترا في حوارات كل مكونات الدولة، يشكل اليوم مركز انتباه سكان دوار “بني عيسي”، ومعهم 33ألف دوار.

لم يعد يفزعهم فيروس كورونا ولا يقلقهم كيف وفي أي وقت سيخرجون من حالة الطوارئ، بقدر ما يهمهم متى سيرفع عنهم الحجر السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ضرب عليها أيام المغرب غير النافع.

إنهم يدركون اليوم أن إنجازات الدولة بهذه المجالات مجرد فقاعة صابون، وأن شعارات الدولة وبرامجها الوطنية الهيكلية؛ بالإضافة إلى أنها لم تعالج معضلة الفوارق الاجتماعية والتفاوتات المجالية_ بعجزها عن سد الخصاص المسجل في مجال البينات التحتية وتحسين الأنماط الاقتصادية_ لم تستطيع أيضا، أن تضمن التلقائية السياسات العمومية وأن تكيفها مع التنظيم الترابي الجديد، الذي يعترف بدور الجهة باعتبارها مجالا ملائما للنهوض بالتنمية القروية.

في الختام، كنا نعتقد أن الخرجات الحكومية تحتاج فقط قراءة استشرافية، تمكن على الأقل من اختيار التدابير الاحترازية الممكنة لتجنب الإصابة بفيروس القلق والهم، إلا أن القرار الأول لرئيس الحكومة ضمن هذه الخطة، القاضي بعدم برمجة إحداث مناصب مالية جديدة برسم السنوات الثلاث القادمة، سيدفع لا محالة إلى تعطيل مناعة القيعان الاجتماعية التي نخرها الفقر والتهميش، وستصبح الدولة في المستقبل، مطالبة بالانتقال من مرحلة تلقي التبليغات عن بؤر البؤس والبطالة في المناطق التي لا تستقيم فيها الحياة، إلى مرحلة العلاج الميداني المستعصي والمكلف جدا.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: قفة وشكارة أو… “ملي مشينا ف شكارة مقطعة”.

تعليقات

  1. حميد الكتيري

    اشكرك على هذه المعلومات القيمة مزيدا من التألق اخي ميلود الزياني مواضيع في محلها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *