×
×

عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: يا الحَجْر والطوارئ، يا كوفيد 19 ــ 1/3

شعوري الخاص، منذ اليوم الأول لظهور ما سوف يصبح على كل لسان باسمه المتداول (كورونا)، أن هناك شيئا ما غامضا (حتى في مختبرات عقولنا) يحيق بنا ويريد اقتحام وجودنا، ولعل مَن كان على دراية به يستعد استعدادا تاما، إن لم يكن قد استعد له من قبل، للاستفادة منه ومن الظروف المحيطة به. ولست بهذا أشكك في (نوايا) الجهات المختصة، أو غير المختصة، التي أوجبت الإجراءات العامة المتخذة، ولا أستطيع الكلام عن طبيعة الفيروس الماحق (كوفيد 19) الذي أصبح سيد جميع المواقف على اختلافها وتنوعها على حين غرة، ولكنني أستطيع التعبير عن موقفي وتجربتي وفيهما تأملاتي في الأوضاع التي أحاطت بي.

لن يكون رفع الحجر الصحي بعد العاشر من يونيه فيما أرى، في أجواء مختلفة وبإجراءات في بعض جوانبها متطورة، سوى الامتداد الطبيعي لما تمَّ العمل بسُلَطِه المختلفة قرابة ثلاثة أشهر.

لا أتوقع شيئا ولست عرافا، وذلك لأسباب كثيرة سيدور حولها نقاش ما في المستقبل، وإن كان مما يلفت الانتباه، في رأيي، إلى أعنف سبب منها وهو أن السلطة، التي قررت من خلال مصالحها المختصة جميع الإجراءات المتخذة منذ أواسط مارس بدون تفسير حقيقي أو كاف على الأقل، استفادت الآن أيما استفادة من مختلف (النتائج الطبيعة) التي حصلت عليها، بجميع أنواع التحصيل، من منظور شامل لم يستثن منطقة ولا فئةَ سكانٍ ولا أسلوبا كذلك، وفي كثير من الأحيان بفعالية فيها بعض مظاهر الإذلال، والعنف (التلقائي) المشهور عن بعض أفراد القوات العمومية، والخروق المصاحبة لاستخدام القوة في كثير من المواقع في علاقة بمظاهر العصيان أو الخرق أو بدونها.

أشكال التلاعب والاستبلاد، ناهيك عن الترغيب المبطن وكثيرُه صريح، التي تمارس علينا سوف تجعلنا عبيد مرحلة جديدة لا يمكن أن نتوقع من تغييرها، بمختلف الوسائل التي قد نختارها أو يختارها منا من كان على قدرة على ذلك، شيئا كثيرا: النضال فيها عن بعد… إلا إذا تغير شكل ومفهوم النضال، الوجود فيها مقيد إلكترونيا مهما حاولنا التخلص من عبودية الآلات والأدوات التي تتحكم في أفعالنا وفي ردود أفعالها، والتنميط في الأفكار آفة، الحيرة في استقبال المعلومات مفسدة للأفهام وتحايلا على الوقائع وهكذا.

أضيف إلى هذا، حتى تكتمل صورة الاستفادة، أن السلطة استجابت، بهذا القدر أو ذاك من التلقائية، لمختلف الاستشارات التي قامت بها مع دول أخرى، وبانتباه أكبر تجارب تلك البلدان التي عانت من نفس الجائحة، وبصورة خاصة من الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها وما صاحبها من ردود أفعال قبولا أو رفضا استسلاما أو ممانعة.

ويمكن أن تبرز العلامات المختلفة، تلك التي سوف تحكم سلوكاتنا وتصرفاتنا في ظل (الموانع الجديدة المفروضة بقوة المراسم أو بالإكراه) في المجال العام الذي كنا نرتاده من قبل بقدر واضح من الحرية أو الوهم. والمجال العام هنا هو الساحات التي تجري فيها مختلف الممارسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والعاطفية وغيرها… على قدر معين من التناقض والتنافس والصراع، أو المهادنة والخضوع والاستسلام… وستكون تلك العلامات (ضرورية) للوقاية من الفيروس ومنع انتشاره كما سمعنا وسنسمع لاحقا بإلحاح أكبر، بصرف النظر عن أساليب وأشكال الالتزام بتلك العلامات، والطرق المُثلى لكي تكون فعالة في الوقاية والمنع.

وأرى أن العلامات المختلفة هذه ستكون متنوعة ودلالاتها مختلفة قد تدفع الكثيرين إلى مقاربتها وإنتاج خطابات حولها، لأنها من العلامات الظاهرة التي لم يشهد لها المغاربة مثيلا إلا في الشاشات أو على وجوه غيرهم في بلدان أخرى.

أضيف إلى هذا أن (الموانع الجديدة) ستكون من حيث انعكاسها على التصرفات والسلوك في جوانب مختلفة منها، قليلة أو كثيرة، أساسية أو ثانوية، ذات طبيعة إلزامية، أي أن يكون التقيد بها، كرها أو طوعا، في مقابل التنازل المفروض أو الطوعي عن جميع المكتسبات، وَعَيْنَاها أم لا، التي قد يظن الفرد أنه حصل عليها في تجاربه الخاصة أو العامة، أو غنمها بحكم النضال أو التطور أو المعارضة أو ما شئت… لا فرق.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: معنى الجائحة؟ أن تراهن دولة فاشلة على مواطن فاشل!

وأول مظاهر لتلك العلامات المختلفة، هو ما أصبح مقبولا، على نحو ما، من طرف الغالبية في إطار الحجر والتخويف، وأعني به: اللثام أو الكمامة، المسافة أو التباعد الجسدي (على الأقل في الفضاء العام)، والاستخدام المكثف لأشكال الوقاية والكشف المبكر، والاستعمال الضروري لأدوات النظافة، إلى جانب ما لا يحصى من الخطابات والفيديوهات والنداءات والبرامج والإشارات كذلك، الموجهة للعموم قصد التزام الحذر واتخاذ الحيطة، وتجنب الفضاءات العمومية والأماكن الموبوءة، والحد من الاختلاط أو تقليصه إلى الأدنى مع الاحتياطات المفروضة إلخ. وربما ستكون المراقبة مظهرا إضافيا من مظاهر التحكم في الحركة والتصرفات أكثر مضاءً من القمع المباشر للخرق بالإكراه البدني أو بالغرامة المالية… فلا تتقيد هذه المراقبة بأي تشريع قانوني مقنع أو لا يثير الشكوك، هذا إلى أن ما قد يترتب عنها، على جميع المستويات الشخصية والاجتماعية العامة، لا يمكن تقديره مسبقا، مع وجود الكثير من الاحتمالات المصاحبة التي يمكن لها، ولو بالتضحيات الجسام، أن تقلب المراقبة إلى مقاومة أو ما شابه.

أقول هذا لأنني أشعر بأن حياتنا العامة سوف تتغير تغيّرا قويّا ولو بالتدرج على مراحل وبالصعوبات غير المتوقعة. وأكتبه أيضا لأنني أرى في التحكم الرقمي والخضوع الإجباري لمختلف أشكال التلاعب والاستبلاد، ناهيك عن الترغيب المبطن وكثيرُه صريح، التي تمارس علينا سوف تجعلنا عبيد مرحلة جديدة لا يمكن أن نتوقع من تغييرها، بمختلف الوسائل التي قد نختارها أو يختارها منا من كان على قدرة على ذلك، شيئا كثيرا: النضال فيها عن بعد… إلا إذا تغير شكل ومفهوم النضال، الوجود فيها مقيد إلكترونيا مهما حاولنا التخلص من عبودية الآلات والأدوات التي تتحكم في أفعالنا وفي ردود أفعالها، والتنميط في الأفكار آفة، الحيرة في استقبال المعلومات مفسدة للأفهام وتحايلا على الوقائع وهكذا.

… الأكاذيب الغليظة، ادعت بطريقة عدوانية أن الفيروس ساوى بين جميع المغاربة في كل شيء. والحق أنه قد يكون ساوى بين أغلبيتهم في التقيد بالإجراءات المسلطة عليهم سواء أكانت قانونية أم لم تكن، والحقيقة أن فكرة المساواة بإزاء الجائحة باطلة… في حين، وهذا هو الواقع المرير، رأينا وعشنا وخبرنا في ذواتنا، كل على حدة أو ضمن جماعة، مختلف الإجراءات التي نزلت علينا وما ترتب عنها من إلزام أو إكراه، حسب درجة وعينا الصحي، وقدراتنا المعنوية… وكذلك حسب مظاهر الفقر والغنى التي فضحت وجودنا على ما هو عليه من اختلال لم يرتفع منذ الاستقلال بفعل الاستغلال وما في حكمه من فساد وارتشاء. خشيت القول: إن معاناتنا لظروف الحجر الصحي كانت معاناة طبقية بالأساس…

وعموما فإن هذه المظاهر مرئية ومكشوفة لأنها أصبحت على الوجوه وليس في العقول فقط. غير أن هناك علامات أخرى إلكترونية، تنسجم أكثر مع الاستعمال المتزايد للتكنولوجية الرقمية المشاعة الآن في جميع الأوساط، سوف تكون أكثر مباشرة وفعالية في مراقبة الحركة الاجتماعية والتنقل والاختلاط، تحت علامة التطبيق المسمى في المغرب ب(وقايتنا) الذي أعَدّت جهات مختصة نسخته المغربية المُعَدّلة تحت إشراف وزارة الداخلية بكل هدوء وتَحَسّب ربما، هذا مع الاعتبار بوجود تلك (الأشكال التقليدية)، أو التي أضحت كذلك من حيث الاستعمال، وهي التي جُرّبت من قبل في مختلف أشكال المراقبة والتحكم دون أن تثير من حول تجريبها، حتى لأشد المعارضين السياسيين تطرفا في القول دون الفعل، أي انتباه فما بالك بالمواجهة أو بالتشهير.

شعوري الخاص، منذ اليوم الأول لظهور ما سوف يصبح على كل لسان باسمه المتداول (كورونا)، أن هناك شيئا ما غامضا (حتى في مختبرات عقولنا) يحيق بنا ويريد اقتحام وجودنا، ولعل مَن كان على دراية به يستعد استعدادا تاما، إن لم يكن قد استعد له من قبل، للاستفادة منه ومن الظروف المحيطة به. ولست بهذا أشكك في (نوايا) الجهات المختصة، أو غير المختصة، التي أوجبت الإجراءات العامة المتخذة، ولا أستطيع الكلام عن طبيعة الفيروس الماحق (كوفيد 19) الذي أصبح سيد جميع المواقف على اختلافها وتنوعها على حين غرة، ولكنني أستطيع التعبير عن موقفي وتجربتي وفيهما تأملاتي في الأوضاع التي أحاطت بي.

اقرأ أيضا: في ذكرى اغتياله، حسين الوادعي يكتب: هل كان لفرج فودة مشروع فكري؟

أشير، قبل هذا، إلى تلك الأكاذيب الغليظة التي ادعت بطريقة عدوانية أن الفيروس ساوى بين جميع المغاربة في كل شيء. والحق أنه قد يكون ساوى بين أغلبيتهم في التقيد بالإجراءات المسلطة عليهم سواء أكانت قانونية أم لم تكن، علما بأن الأقلية القليلة من المهتمين هم الذين انتبهوا إلى أن بعض الإجراءات لم تكن محكومة بأي قانون أو ربما جاء بعدها. والحقيقة أن فكرة المساواة بإزاء الجائحة باطلة، وربما كان المقصود بمن أشاعها التذكير بواقع إنساني ما (الفقر، التفاوت الطبقي، الاقتصاد غير المهيكل…) قد يحمل على التضامن ويشجع على البذل ويضمن المشاركة. في حين، وهذا هو الواقع المرير، رأينا وعشنا وخبرنا في ذواتنا، كل على حدة أو ضمن جماعة، مختلف الإجراءات التي نزلت علينا وما ترتب عنها من إلزام أو إكراه، حسب درجة وعينا الصحي، وقدراتنا المعنوية، ومدى شعورنا بالخطر والتخويف وعلى قدر جيوبنا، وخصوصا لمن لهم جيوب أو هي واسعة (تكتنز الذهب والفضة)، وكذلك حسب مظاهر الفقر والغنى التي فضحت وجودنا على ما هو عليه من اختلال لم يرتفع منذ الاستقلال بفعل الاستغلال وما في حكمه من فساد وارتشاء. خشيت القول: إن معاناتنا لظروف الحجر الصحي كانت معاناة طبقية بالأساس، ولكنني سأغامر بالإشارة، مع ذلك، إلى إن تلك المعاناة كانت أيضا حسب عُقَدِنا النفسية أو الذهنية لمن وعاها، ومشاكلنا الخاصة لمن أقرّ بها، وأوهامنا المكتسبة أو المزروعة في أدمغتنا لمن يراها حقائق، أي بكل ما يتلاعب بعواطفنا ومواقفنا بدون شعور منا في كثير من الأحيان.

لن أتكلم عن الذهنيات السحرية والخرافية ذات الطبيعة الاعتقادية، فهذا مما واجه به كثير من الناس مختلف الإجراءات التي جاءت على تناقض مع (اعتقاداتهم) الموروثة أو المكتسبة. ثم إن كثيرا من هؤلاء الناس كانت لهم، فوق كل هذا وذاك، موانعهم الشخصية الخاصة، فضلا عن الموانع الرسمية، التي تلقوها في تربيتهم وشبابهم، أو بحكم سيادة أنظمة اجتماعية أو دينية معينة في أوساطهم، أو من خلال نظم تعليمهم إلخ.

ولي أن أقول، بناء على هذا كله، أنني وجدت نفسي، مثلما وجد الآخرون أنفسهم فيما يبدو، في إطار الحجر الصحي المعلن أمام ظروف استثنائية، بعضها ليس من طبيعة الاستثناء الذي يتقرر ب(مرسوم) قانوني حين يجب أن يتقرر في شروط ديموقراطية مقبولة إن لم تكن حقيقية. وقد وجدتُ، في قلب تلك الظروف، مجموعة من الأزواج المتعارضة تتداعى فيها المواقف والتصورات على النحو الذي نتابعه في الجزء الثاني من هذه التأملات:

لقراءة الجزء الثاني: زمن كورونا المغربي… التخويف مقابل الغموض والجهل 2/3

لقراءة الجزء الثالث: السلطة في زمن كوفيد المغربي… الاستثناء في مقابل الحرية والحقوق3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *