×
×

عبد القادر الشاوي يكتب لمرايانا: زمن كورونا المغربي… التخويف مقابل الغموض والجهل 2/3

تبيَّنَ منذ اليوم الأول لإعلان الحجر الصحي أنه لم يهتم، كما قلنا، بالمقتضيات القانونية التي قد توجبه في أية فترة من فترات الاستثناء التي يمكن أن تتقرر بدورها لهذا السبب أو ذلك من الأسباب الموجبة. غير أن المثير في هذه الحالة، وكذا فيما أُنْزِلَ من طوارئ، أن الأمر، مع ذلك، لم يحظ بأي اعتبار، ولا أثير حوله أي نقاش في أية مؤسسة معنية، ولم أجد لذلك وقعا في الصحافة (تحولت إلى إلكترونية) إلا فيما بعد. ثم قامت جمعيات محدودة بالإشارة إليه دون أن ترتقي بالنقاش إلى ما هو من صميم صون الحريات وحماية الحقوق المكفولة في البلاد من خلال التشريعات المعمول بها.

… لي أن أقول، بناء على هذا كله (اقرأ الجزء الأول)، أنني وجدت نفسي، مثلما وجد الآخرون أنفسهم فيما يبدو، في إطار الحجر الصحي المعلن أمام ظروف استثنائية، بعضها ليس من طبيعة الاستثناء الذي يتقرر ب(مرسوم) قانوني حين يجب أن يتقرر في شروط ديموقراطية مقبولة إن لم تكن حقيقية. وقد وجدتُ، في قلب تلك الظروف، مجموعة من الأزواج المتعارضة تتداعى فيها المواقف والتصورات على النحو التالي:

1-      التخويف في مقابل الغموض والجهل

وهو ما كان منذ الأيام الأولى لإعلان الحجر الصحي قبل نشر مرسومه في الجريدة الرسمية لكي يكتسب صفته القانونية في ظل الاستثناء، وقد ارتبط ذلك بحالة الغموض المطلق تقريبا الذي (أعمى) الفيروس وأعمى من حاول الاقتراب منه (من التسمية إلى التجليات والأعراض) من ناحية، وبحالة أخرى من (الجهل) المعمم الذي استشعره وخيم على الناس، فيما يبدو ذاهلين، لا يعرفون شيئا مما أصيبوا به ولا كيفية مقاومته والتغلب عليه من ناحية أخرى. وربما زاد من تعقيد الوضعية أن (التواصل) الإعلامي الذي انتهجته السلطة للتهدئة والتخفيف من حدة الإشاعات، ومقاومة الأكاذيب واختلاق الأخبار، لم يكن له أي مفعول إيجابي تلقائي تقريبا… إلا في الحالات التي لجأت فيها تلك السلطة إلى التهديد والزجر والاعتقال. أما العنصر المؤكد الذي حوّل التعقيد المذكور إلى ظاهرة اجتماعية فهو الخَصَاص الذي اشتد على فئات عريضة من المجتمع لظروفها الاقتصادية العامة، قبل تقرير الدعم وبعده، فلم تجد سبيلا للتوفيق بين الحجر الصحي المفروض، وبين ضمان الحدود الدنيا للعيش الكريم.

في قرار السلطة استهانة، وفي موقف المنظمات الحقوقية، وهو الأهم، تغافل ربما تَحَسَّبَ أكثر من اللازم، وفي حيطة مفهومة، الردود غير المتوقعة من طرف السلطة في اللحظة الخصوصية التي نصبت فيها إجراءاتها وأدواتها ل(لسهر) على صحة المواطنين وحمايتهم من انتشار الفيروس الفتاك. فكأنما انقلبت الأدوار بفعل حالة الاستثناء (دوافعها صحية) التي تَغَنّى بها الجميع وقَبِل منطقها ودواعيها، فلم تترك للدور (التقليدي) المنوط بالحقوقي أي مبرر للدفاع أو للاحتجاج أو للإدانة.

ومن هنا، فيما يبدو لي، لجأت السلطة التي فرضت الحجر إلى (التخويف) من الفيروس دون أن يكون في مقدورها، ولربما لأسباب موضوعية، أن تشرح الجوانب الغامضة التي استقر عليها الفيروس أو هو ينتشر بها. ظاهرة عاشتها سُلَطٌ أخرى في مجتمعات قريبة أو بعيدة عنا، مع الفارق وهو أن تقرير السياسة العامة المرتبطة بالحجر الصحي في علاقة بالمُحَجّرين، كانت تتطلب باستمرار نوعا من التوافق أو الحسم اللذين يتقرران بفعل القانون في المؤسسات الضامنة للحقوق وللحريات. ومعنى هذا، بشكل عام، أن التخويف هو العنصر المؤكد، في الظاهر، الذي كان بيد السلطة ل(إقناع) الناس بالحجر الصحي، دون أن يعني ذلك أن تطبيقه، على الوجوه التي كان عليها، لم تكن له نتائج سلبية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو على صعيد الحريات العامة.

2-      الحجر الصحي في مقابل المرض (أو الموت)

تبيَّنَ منذ اليوم الأول لإعلان الحجر الصحي أنه لم يهتم، كما قلنا، بالمقتضيات القانونية التي قد توجبه في أية فترة من فترات الاستثناء التي يمكن أن تتقرر بدورها لهذا السبب أو ذلك من الأسباب الموجبة. غير أن المثير في هذه الحالة، وكذا فيما أُنْزِلَ من طوارئ، أن الأمر، مع ذلك، لم يحظ بأي اعتبار، ولا أثير حوله أي نقاش في أية مؤسسة معنية، ولم أجد لذلك وقعا في الصحافة (تحولت إلى إلكترونية) إلا فيما بعد. ثم قامت جمعيات محدودة بالإشارة إليه دون أن ترتقي بالنقاش إلى ما هو من صميم صون الحريات وحماية الحقوق المكفولة في البلاد من خلال التشريعات المعمول بها.

اقرأ أيضا: منطق كورونا يقوض منطق الانتقال الديمقراطي!!!

وأذهب بهذا إلى القول إن السلطة، من ناحية، لم تراع لذلك كبير اعتبار، بحكم تجربتها الملموسة في التحكم الفعلي الذي يظهر على سياستها في مواجهة أوضاع الاضطراب أو النضال السياسي أو الصراعات التي تبرز في مراكز العمل أو على صعيد المدن والبوادي. وأن المنظمات الحقوقية لم تنتبه في الوقت المناسب، كما لو أنها أصيبت بالذهول، لطبيعة الاستثناء المعلن والمقرر، وفي علاقة بذلك لِمَا يمكن أن يكون للقرار من نتائج سلبية على الحريات والحقوق حتى ولو كانت محدودة… تماما كما نبهت (الأمم المتحدة)، مثلا، إلى ذلك منذ الأسبوع الأول لانتشار الفيروس وانتقاله بين الدول والقارات.

في قرار السلطة استهانة، وفي موقف المنظمات الحقوقية، وهو الأهم، تغافل ربما تَحَسَّبَ أكثر من اللازم، وفي حيطة مفهومة، الردود غير المتوقعة من طرف السلطة في اللحظة الخصوصية التي نصبت فيها إجراءاتها وأدواتها ل(لسهر) على صحة المواطنين وحمايتهم من انتشار الفيروس الفتاك. فكأنما انقلبت الأدوار بفعل حالة الاستثناء (دوافعها صحية) التي تَغَنّى بها الجميع وقَبِل منطقها ودواعيها، فلم تترك للدور (التقليدي) المنوط بالحقوقي أي مبرر للدفاع أو للاحتجاج أو للإدانة.

المقصود، بطبيعة الحال، أن حالة الاستعجال، اعتمادا على التصورات الجاهزة للقيام بالمراقبة وتجريب التحكم، أنتجت من حولها ممارسة لا يمكن تبريرها إلا ب(التصورات) الأخرى، القَبْلِيّة، الجاهزة عن طبيعة مَنْ وقع عليهم الحجر، أي عامة المواطنين الذين خضعوا طائعين، إلا ما كان من بعض الانفلاتات أو بعض أشكال المقاومة الضمنية، لكل ما تقرر في شأنهم من إجراءات… لم ينتفض في وجهها إلا من أعوزته الحيلة الاقتصادية  لتدبير معاشه اليومي أو ضائقته المزمنة.

وهذا، فيما أرى، نوع من التماهي المفروض مع (المصالح المختصة) بالأدوات التي جُنّدَت لذلك من قوات عمومية وموظفين محليين وأعوان، من غير الحديث عن الطابع الديني للدولة، التي لم تتوقف لحد الآن عن سن الإجراءات وتقرير المواقف وتتبع التطبيق الممكن لها في مختلف المجالات والفضاءات والأماكن. ويمكن القول إن المرض (الفيروس) بمثل ما أوجب الحجر الصحي وأقام حالة الطوارئ بمثل ما صلح أيضا للتخويف من الموت، يستوي في ذلك أن يكون الموت فيزيقيا أو معنويا، وإحالتي هنا على الحقوقي والسياسي والثقافي مفهومة لا تحتاج إلى تفسير إضافي. قليلٌ من كان يعلم أن الحجر الصحي هو موت آخر إلى أن استقر في حال من الاستثناء، فَغَيَّر من الطباع والبرامج والعادات المتبعة، ومن أوقات النوم والعمل، وبعض الأدوار التي كانت في تقدير الكثيرين من العادات القصوى المصونة التي لا يمكن التنازل عنها،  كما أنه زاد من المشاحنات العائلية وتسبب بين الأفراد على مسرح الحياة اليومية المحجوزة في حالات لها طابع تراجيكوميدي في كثير من الأحيان… وكل ذلك مَوْت معنوي لم يكن للناس به معرفة سابقة إلا في فضاءات مغلقة، كالسجون والمارستانات، تُعْدَم فيها الحرية وليس فيها أي حق.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: أيام الحجر…. عن صحافة الداخلية ووزير الـعــ (ــز) ل!

وأرى أن الصيغة المبدئية التي وَقَع بها الحجر، مع الفارق بطبيعة الحال، شبيهة بما يُلْزِمُ به الحجر الشرعي محجورا لم يأنس من نفسه رشدا ولا قدرة له على التصرف لأسباب. وربما كان الحجر بالمعنى اللغوي أيضا كالشيء الذي إذا صارت حوله هالةُ غيمٍ طوّقَتْهُ، وحَجَر الشيء ضيّقه، وحَجَر عليه الأمر مَنَعَه. هذا إلى ما في تداعيات الحجر من حَجْز فتؤدي كلها معنى الاعتقال والحبس ومنع التصرف وإقامة الفاصل إلخ. وعلى ما بين الحجر الصحي والشرعي من فوارق في الشكل والمضمون، فضلا عن الموضوع الذي تقَرَّرَ بسبب جائحة داهمة، فإن المقصود، بطبيعة الحال، أن حالة الاستعجال، اعتمادا على التصورات الجاهزة للقيام بالمراقبة وتجريب التحكم، أنتجت من حولها ممارسة لا يمكن تبريرها إلا ب(التصورات) الأخرى، القَبْلِيّة، الجاهزة عن طبيعة مَنْ وقع عليهم الحجر، أي عامة المواطنين الذين خضعوا طائعين، إلا ما كان من بعض الانفلاتات أو بعض أشكال المقاومة الضمنية، لكل ما تقرر في شأنهم من إجراءات… لم ينتفض في وجهها إلا من أعوزته الحيلة الاقتصادية  لتدبير معاشه اليومي أو ضائقته المزمنة.

لقراءة الجزء الثالث: السلطة في زمن كوفيد المغربي… الاستثناء في مقابل الحرية والحقوق3/3

لقراءة الجزء الأول: يا الحَجْر والطوارئ، يا كوفيد 19 ــ 1/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *