×
×

النّساء السّلاليات… حكايةُ الأرضِ المُحرّمة

لا أحد يتحدث هنا عن “حظّ الأنثيين” ولا “جاء في القرآن”، ولا “نحن مسلمون”… ولا “سنّ الرسول”!
هنا… الذكر شريعة لوحده.

كان رجالُ بعض مناطق المغرب، قديماً، يحرمون النساء من حق الإرث…

هؤلاء النساء، يُطلق عليهن كما درجَ، سُلاليّات… أي أنهن ينتمين إلى قبائل سلالية.

آباء هذه القبائل الأوّلون اعتقدوا أن توريث النساء يعني عمليا منح أراضيهم -على بياض-للغرباء!

فقد يحدثُ أن يتزوّجن “غُرباء”، وفي مُجتمع ذكوريّ كما يُفصح نوع التّفكير هذا، الوصَايةُ على أرضِ الزوجة تكون للزّوج، بعقد مكتوبٍ أو دونه حتى.

… والأرضُ عند هؤلاء كانت تُضاهي القداسةَ؛ شرفٌ وعِرضٌ للرّجالِ وحدَهم أنْ يحموه!

لا تُباع حتىّ ولا منافعها تُعرض للبيع، وتُحرم هبتها… وإذا توفيّ ممثل الوحدة العائلية، اقتسمت الفروع، الذكور فقط، أنصبة الاستغلال، فإن لم يكن له أبناء ذكور ورِثَها إمّا إخوته، أو أعمامه، أو أصدقاؤه…

في مُجتمع قبليّ، آنذاك ولمّا يزلْ، لم يحتج الحلّ إلى عظيم عبقريّة… فكّرَ الذّكرُ فتفتّق عن حرمان الأنثى من الإرث وانتهى هذا الجاثوم. فكر الذكر، فانتهى به التفكير إلى “العصر الجاهلي”، ليستحضر ببساطة، فكرة شاعر يقول بكامل البرودة:

“بنونا بنو أبنائنا، و بناتُنا / بنوهُنّ أبناءُ الرجال الأباعد!”

اقرأ أيضا: العنف الاقتصادي… الوجه الآخر لاستبداد الرجل بالمرأة!

إلا أنّ… القرن الـ21م حلّ، وخطا العالم أميالاً في مسيرة تمكين المرأة من كافة الحقوق، ومع ذلك، ظلّ الإرث إلى وقت قريب أرضاً مُحرّمة على السّلاليات!

الحديث هنا ليس عن المساواة في الإرث ولا عن نصيب للذكر يعادل ضعف نصيب الأنثى. الحديث هنا عن إقصاء تام للنساء من حقهن في استغلال الأرض بعد وفاة الآباء. حرمان تام يعادل الصفر.

أراضي الجموع

الأكثر تعقيدا في حكاية هذه الأراضي، أنّ ملكيّتَها توجد في حوزةِ القبيلة (السلالة)، لا أفرادها… ولذلك تُسمّى أيضا بـ”أراضي الجموع”.

نتجتْ هذه الظاهرة عن الظروف التي سادت المغرب في غابر الأزمنة. نمطُ الحياة شبه الترحالية، التنقل المستمر، الافتراض الدائم لحالة حرب… كلّ هذا قلّلَ من القيمة الاجتماعية للملكية العقارية الفردية[1].

يُقدّر عددُ تلك الجماعات السّلالية، وفق إحصائيات رسمية، بـ4563 جماعة تتوزع على 55 عمالة وإقليما… أمّا المساحة الإجمالية للعقار الجماعي فتُقدّر بـ15 مليون هكتار.

كانت القبائلُ ترغب في حفظ تماسكها وتفادي تفتيت أراضي أجدادها، فأحدثتْ لذلك عُرفاً تمثّل في نظام الملكية الجماعية للأرض.

… الذي يعنيه ذلك أنّ ملكيةَ هذه الأراضي تنتقل تحت إشراف ورقابة “الجماعة”، لتنتصب كحصن منيع أمام تملّك أيّ أجنبي لها.

اقرأ أيضا: المساواة في الإرث في المغرب: هل نحن فعلا أمام آيات قطعية؟ 1/3

لا تُباع حتىّ ولا منافعها تُعرض للبيع، وتُحرم هبتها… وإذا توفيّ ممثل الوحدة العائلية، اقتسمت الفروع، الذكور فقط، أنصبة الاستغلال، فإن لم يكن له أبناء ذكور ورِثَها إمّا إخوته، أو أعمامه، أو أصدقاؤه[2]

هنا أيضا… لا أحد يتحدث عن “حظّ الأنثيين” ولا “جاء في القرآن”، ولا “نحن مسلمون”… ولا “سنّ الرسول”!

هنا… الذكر شريعة لوحده.

الأرضُ المحرّمة

يُقدّر عددُ تلك الجماعات السّلالية، وفق إحصائيات رسمية، بـ4563 جماعة تتوزع على 55 عمالة وإقليما[3]

أمّا المساحة الإجمالية للعقار الجماعي فتُقدّر بـ15 مليون هكتار.

الأراضي الرعوية تُشكّل أزيد من 85 بالمائة من هذا العقار، تُستغلّ بصفة جماعية من طرف ذوي الحقوق، بينما يُستغل معظم ما تبقى منها في النشاط الفلاحي.

هؤلاء أبعد ما يكنّ عن نقاش المساواة في الإرث… يرغبن فقط في… “ما فرضته شريعة الإسلام لهن”.

على أنه، أمام التّوسّع الحضري، توالى صدور قوانين عديدة تُنظّم وضعية الأراضي السلالية، فانتقل تدبيرها إلى جهاز خاص تحت وصاية وزارة الداخلية.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: قضية المرأة كأفق لحرية التعبير

اليوم، ومنذُ 1919م، يُسمح بتفويت بعض هذه الأراضي قصد الانتفاع الدائم (استثمارات عمومية مثلا)… والوزارة تخوّل لنواب هذه الأراضي حق توزيع ما تُعيده، بعد إعداد لائحة من ذوي الحقوق.

لكنّه رغم توالي القوانين، وقد أتاح بعضها الملكية الفردية لهذه الأراضي، ظلّ العُرف متسيّداً!

مأساةُ نساء لا يُوَرَّثن…

تنقسم النساء السلاليات وفق دراسة حديثة[4] إلى خمسة أصناف أساسية: “الأرامل من غير أبناء ذكور، المطلقات بنفس الوضعية، المتزوجات من رجال غير سلاليين، النساء المقيمات خارج أرض الجماعة السلالية، والفتيات والنساء غير المتزوجات”.

60 بالمائة منهن متزوجات، 15 بالمائة أرامل، المطلّقات يُشكّلن حوالي 7 بالمائة، بينما نحو 13 بالمائة منهن عازبات.

اقرأ أيضا: عذرية المرأة… حين يصبح “العار” بالزواج شرفا! (الجزء الثاني)

60 بالمائة من كل هؤلاء النساء اللائي يقدّر عددهن بحسب أرقام غير رسمية بـ9 ملايين امرأة… دون أي مؤهل تعليمي!

دخل المجلس العلمي الأعلى، عام 2013، على خط القضية وأكد أن من حق المرأة السلالية الاستفادة من عائدات أراضي الجموع إسوة بالرجل.

الدراسة تؤكد أنها وقفت على حالات حقيقية من الحيف والإقصاء… ثمّة نساء يوجدن في وضعية صعبة (إعاقة بدنية، نفسية أو عقلية)، أمّهات عازبات، وطالبات بحاجة إلى مصادر لتمويل دراستهن… وغيرها حالاتٍ عديدُ.

هؤلاء أبعد ما يكنّ عن نقاش المساواة في الإرث… يرغبن فقط في… “ما فرضته شريعة الإسلام لهن”.

ما ضاع حق…

منذ عشرات السّنين والظروف تتكالب على النساء السلاليات… لا الأحزاب السياسية أخذت قضيتهن على محمل الجد ولا فعاليات المجتمع المدني إلى وقت قريب.

كنّ ينظرن إلى أراضيهن تُفوّت فيما يعانين دون أن يستفدن من شبر واحد… حتّى ضاق الوضع بنساء من نواحي القنطيرة، ذات يوم، وقصدن العاصمة في مسيرات نضالية، لتشمل الحركة منذ ذاك باقي سُلاليّات المملكة…

اقرأ أيضا: تزويج القاصرات: حين يشرعن القانون الرق… والاتجار بالبشر!

لولا نضالهن ما أخذت القضية بُعداً جديداً تَمثّل في الاهتمام بها أكثر فأكثر، سواء تشريعيا أو إعلاميا…

ثم في سابقة من نوعها، وبعد سنوات من النّضال، استفادت نساء قصبة المهدية، عام 2009، من حقهن في الأرض…

… وحُسِم الجدل!

دخل المجلس العلمي الأعلى، عام 2013، على خط القضية وأكد أن من حق المرأة السلالية الاستفادة من عائدات أراضي الجموع إسوة بالرجل.

قال إن حرمان المرأة من الحقوق المادية والعينية حالةٌ غير سليمة… وأن الذرائع العرفية التي استُند إليها فيما مضى لم تعدْ مقبولةً.

حسمت هذه القضية بصدور قانون 62.17 الذي يؤكد سمو القانون على الأعراف، وينصّ صراحة على المساواة بين الذكور والإناث أعضاء الجماعة السلالية…

… الدولة بقوانينها ومؤسساتها، أكد المجلس، هي الحامية للقبائل والعشائر، وراعيةُ شؤونها وشؤون غيرها من مكونات المجتمع المغربي.

ولما كانت نضالات المرأة السلالية تنسجم مع توجه الدولة إلى إلغاء كافة أشكال التمييز ضد النساء، حققت في الأخير ما تصبو إليه… تغييرُ القانون!

اقرأ أيضا: فاطمة المرنيسي… أجنحة “واقع المرأة” الذي حلقت به إلى الحلم! 2/1

عمّمت وزارة الداخلية دوريتين، عامي 2010 و2012، تدعوان إلى تمكين النساء السلاليات من نصيبهن…

ثم عام 2019م، حسمت هذه القضية بصدور قانون 62.17 الذي يؤكد سمو القانون على الأعراف، وينصّ صراحة على المساواة بين الذكور والإناث أعضاء الجماعة السلالية… سواءٌ في عضوية الجماعة، الاستفادة من أملاكها، أو إمكانية تحمل مسؤولية تمثيلها.

ومن ثمّ يكون المغرب قد وضع حداًّ نهائيا لهذا العرف البائد… تشريعيا على الأقل!


[1]  رجاء الكساب، عن مقالها “حق المرأة في الأرض بين القوانين والأعراف”.
[2]  المصدر السابق.
[3]  أنس سعدون، عن مقاله “حق المرأة السلالية من نصيبها من الأرض في المغرب”.
[4]  الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *