×
×

ما بعد معركة أنوال: الخراب في بيت إسبانيا… و”جمهُورية الريف” ترسو ببطء 3/3

في الجزء الأول من هذا الملف، رأينا ظروف توحيد الصفوف ورأب الصدع بين القبائل وتوجيهها لمواجهة الاستعمار، ثمّ عرّجنا، في الجزء الثاني، على تفاصيل المعركة وحيثيات وقوعها.
في هذا الجزء الأخير نرصد تداعيات المعركة ونتائجها.

نسجّل أن الفرق كان كبيراً، من حيث العدة والعتاد بين القوتين: المقاومة الريفية والجنود الاسبان.

كان عدد الريفيين لا يتجاوز 4 ألاف، بأسلحة تقليدية، بينما الإسبان يتخطون حاجز الـ22 ألف جندي، مدجّجين بالأسلحة الثقيلة والمدفعية المتطوّرة… إلاّ أن ذلك لم يكن كافيا ليحسم المعركة!

مخلّفات أنوال

ليس عبثاً أن تلقّب معركة أنوال، في لغة التداول الاسباني، بـ“كارثة أنوال”. كانت خسائرها بالفعل كارثية.

تشير الأرقام إلى فقدان الجيش الاسباني لزهاء 19 ألف جندي، أصابتهم المقاومة الريفية في مقتل. في تقديرات أخرى، يرد رقم 15 ألف.

يقال إنّ الجنرال بيرنجر قال إن “أنوال كانت بمثابة أكبر كارثة عسكرية عرفتها إسبانيا في تاريخها”.

أورد محمد بن عبد الكريم الخطابي في مذكراته: “ردّت علَينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأزيد من 20000 بندقية، ومقادير لا تُحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتَموينًا كثيرًا يتجاوزُ الحاجة وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة بَيْنَ عشية وضُحاها، وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشًا، ونشن حربًا كبيرة”.

باتت إسبانيا في مأتم حينها. يقول العربي اللوه في مذكراته، وهو الذي يعدّ حاضراً وقتذاك: “الخسائر التي مني بها العداة في الأرواح والعتاد الحربي، في تلك الهزيمة الشنعاء التي اشتهرت بهزيمة أنوال، كل ما قيل في ذلك فهو تكهن ورجم بالغيب”.

ويضيف: ليس من الممكن في تلك الظروف عدها وحصرها وعلى الأخص الأرواح والبنادق، فالأرواح كانت منتشرة في الهضاب والممرات والأودية والخنادق والسهول. لذا، كان من غير الممكن استقصاؤها وحصرها في تلك المسافة الشاسعة طولا وعرضا من ظهر أبرانتیز عزي، أنوال، سيدي إدريس إلى أبواب مليلية”.

على المستوى السياسي، كان لمعركة أنوال ما بعدها في إعادة رسم خريطة المشهد السياسي الداخلي لإسبانيا. كانت نتائج المعركة وراء استقالة الحكومة الإسبانية في غشت 1921، وحدث اهتزاز حكومي، واستمرت الانقسامات بين العسكريين الإسبان في مناطق الشمال بالمغرب.

ثمار أنوال: “جمهورية الريف” 

بعد أن اطمأنّ محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى انتصاره، وتمكّنه من تحرير جل المناطق الريفية من قبضة الاستعمار الاسباني، سعى إلى خلق ما يعرف في الأدبيات التاريخية بـ“جمهورية الريف”، أو جمهورية قبائل الريف المتحدة. [1]

تنقل بعض المصادر أنّ الخطابي لم يطلق على الجمهورية التي كان أميراً لها، “صفة الجمهورية”، بل كان ذلك من صنيع الصحافة الدولية على وجه الخصوص.

تأسست هذه “الجمهورية” في شتنبر 1921 في العاصمة أجدير، خلال اجتماع ضم ممثلين عن القبائل الريفية. “أسفر لقاء التأسيس عن إرساء هذه الحكومة وجمعية وطنية تشمل رؤساء القبائل لسن القوانين، والنظر في الميزانية ومراقبة الوزراء الذين هم مسؤولون أمامها”. [2]

بالمقابل، هناك مصادر أخرى تقول إنه لم يعلن عن قيام الجمهورية رسميا إلا في فبراير 1922.

عموماً، صادق برلمان الجمهورية على برنامج في صيغة میثاق وطني، أكد فيه على رفضه إقرار أي اتفاقية منافية لحقوق المغرب الأقصى، وسياسته وخاصة معاهدة الحماية التي فرضتها عليه الحكومة الفرنسية 1912.[3]

كما طالب بإجلاء القوات الإسبانية عن المناطق الريفية التي مازالت تخضع هيمنتها، وشدد على ضرورة اعتراف إسبانيا بالاستقلال التام للجمهورية الريفية، ودفع غرامات للسكان الريف مقابل الانتهاكات التي لحقت بهم منذ الاحتلال. أعلنت الجمعية الوطنية، كذلك، استعداد الحكومة الريفية لإرساء علاقات صداقة مع جميع البلدان، مطالبة إياها بالاعتراف بجمهورية الريف، كما راسل الخطابي عصبة الأمم. [4]

إلى جانب الإصلاحات الإدارية والعسكرية، برزت ملامح النضال السياسي في “الجمهورية” المستحدثة؛ وقد جاءت جهود محمد بن عبد الكريم الخطابي لتوسّع هذا النشاط في إطار ما يعرف بالحركة الوطنية الشمالية. كانت الحركة تطمح أن يشمل عموم المغرب، وأن توجد أرضية مشتركة للعمل الوطني على طريق التحرير والوحدة. تجلى ذلك في تأكيد الميثاق القومي للجمهورية على عدم الاعتراف بأي معاهدة تمس حرية المغرب وسيادته.[5]

في رسالة قيل إنّها لمحمد أزرقان، صهر الخطابي، والذي كان يشغل منصب “وزير الخارجية في الجمهورية”، جاء ما يلي: إن الحكومة الريفية -التي تأسّست على قواعد عصرية وقوانين مدنية- تعتبر نفسها مستقلة سياسيًا واقتصاديًا؛ آملة أن تعيش حرة كما عاشت قرونًا وكما تعيش جميع الشعوب، وترى لنفسها أحقية امتلاك ترابها قبل كل دولة، وتعد القسم الاستعماري الإسباني معتديًا غاصبًا لا حقّ له فيما يزعمه من نشر الحماية على حكومة الريف…

هذه الرسالة الموجهة إلى إسبانيا، أوردها الباحث محمد طاحطاح في بحثه المعنون: “ما بين البراغماتية والإصلاح والحداثة: الدور السياسي والتاريخي للخطابي في الريف عام 1926”.

على أيّ، فحين قامت “الجمهورية”، راسل الخطابي، كما تشير بعض المصادر، كثيراً من زعماء المقاومة المسلحة في منطقة النفوذ الفرنسي يدعوهم فيها إلى مساندته. كما بعث الخطابي ببرقيات إلى جميع أنحاء المغرب يدعو فيها الشعب والعلماء لتأييد حركته ومؤازرته.

كما ظهرت حركة شعبية نذرت نفسها لنشر الدعاية واستنهاض السكان لتأييد الحركة الوطنية التحريرية، واتخذت بعض البيوت مراكزاً لتجميع الأسلحة.

ثارت ثائرة الفرنسيين الذين أدركوا أنّ ثورة الخطابي تشكّل خطراً على الوجود الفرنسي بالمغرب. قررت فرنسا التحالف مع الإسبان في الشمال، للقضاء على “جمهورية الريف” وقائدها محمد عبد الكريم الخطابي.

تشير الكثيرُ من الدراسات التاريخية المعتمدة، إلى أنّ هذا التحالف الاستعماري شنّ هجوما عنيفا وكاسحا امتدّ في البرّ والبحر والجو. والخطير أنه تم استعمال أبشع الأسلحة المتطورة والخطيرة، ومنها الأسلحة الكيماوية والغازات السامة التي استعملت لأول مرة؛ وتم تجريبها على الريفيين.

بحلول شتاء سنة 1925م وبدايات سنة 1926م، وفي المعارك الدائرة أمام خصميه المستعمرين على جبهة عسكرية واسعة ومترامية، خسر الخطابي آلاف الثوار، قدّرت بعض الدراسات أعدادهم بـ20 ألفاً.

تم ضربُ حصار بحري اسباني- فرنسي على الخطابي. ثم “بقلة الأقوات والأغذية، وزيادة التمرد الداخلي، الأمر الذي اضطر معه الخطابي إلى إعلان الاستسلام وتسليم نفسه، خوفًا على أهل الريف، في ماي 1926م”. [6]

نفت فرنسا محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى جزيرة منعزلة في المحيط الهادي. لكنّه سرعان ما انتقل إلى القاهرة وظلّ فيها يمارس دوره الوطنيّ عن بعد حتى توفي ودفن هناك.

يعدّ حقوقيون ما حدث في حرب الريف، جرائم ترقى إلى جرائم حرب، لأنها استعملت أسلحة محظورة، وغازات سامة استهدفت المدنيين وأبادتهم، في وقت لا زالت إسبانيا تنكر ارتكابها لهذه الجرائم إلى اليوم.

لازالت أيضا آثار استعمال غاز الخردل واضحة، بحيث تسجل منطقة الريف أعلى نسبة في الإصابة بالسرطان. وهناك إجماع تقريباً على ربط ارتفاع النسبة باستخدام الأسلحة الكيماوية المحرّمة دوليا وقتذاك.

سنة 2005، رفع حزب إسباني مشروع قانون للحكومة من أجل الاعتراف بتلك الجرائم وجبر ضرر ضحاياها، جرى رفضه سنة 2007. فيما ما زالت جمعيات المجتمع المدني المغربية تناضل وحيدة في سبيل تحقيق هذا الاعتراف وجبر الضرر.

في النهاية، يبدو أنّ حرب الريف شكّلت إذلالاً حقيقيا للاستعمار الاسباني. لكن الواقع أنّ كتابة تاريخ الريف أثناء الحماية لم تكتمل ولم تبلغ منتهاها بعد… ولازالت فرنسا ترفض أن تعيد أرشيف الخطابي إلى بلده المغرب، لكي يتضح أكثر… ما جرى!

هوامش:

[1]منصوري بدرة، ثورة الريف في المغرب الأقصى، 1912- 1927.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

[4] نفسه.

[5] نفسه.

[6] محمود خالد، عن مقاله: حرب الريف.. يوم انتصر المغاربة على الإسبان.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *