×
×

مدونة الأسرة المغربية: تشريع “ظلم” المرأة والطفل! 2\2

رأينا في الجزء الأول لماذا الحاجة ملحة، بشكلٍ عاجلٍ، لتعديل مدوّنة الأسرة بشكل جذري وشامل؛كما فصلنا في معضلة تزويج القاصرات، باعتبارها أكثر الإشكالات التي يقع عليها شبه إجماع بضرورة تعديلها.
في هذا الجزء الثاني، نرصد بعض المطالب الأخرى المرفوعة اليوم، لإعادة صياغة مدوّنة الأسرة حتى تحافظ على الغاية الأساسيّة من أي تشريع في الوجود: العدل والإنصاف.

ما الذي وجبَ تعديله… أيضًا؟ 

وفق ما ذكرته نزهة جسوس، الكاتبة والباحثة في حقوق الإنسان، في حديثها لمرايانا، فإنّ مضمون الولاية الشرعيّة أو النيابة القانونيّة على الأطفال، من النقط الهامّة التي لابد من تعديلها، واعتبار الوصاية مشتركة بين الأب والأم أثناء الزواج، وفي حال الطّلاق أيضًا.

تقدّم جسوس مثالاً لدعم ضرورة التعديل، وهو أنّ هناك أمّهات تُنشئن حسابًا بنكيًّا للأطفال، وتضخّ فيه أموالها الخاصّة كمنحة لطفلها، والقانون يتيح للأب حصريا، بما أنه “الولي الشرعي”، أن يسحب تلك الأموال في أي وقت؛ بينما الأم، ورغم أنها صاحبة تلك الأموال، فلا يمكنها سحبها إلا بعد موافقة الأب، مادام عمر الطفل أقل من 18 سنة.

تتوفر “لدينا اليوم شهادات كثيرة تقول بأن آباءً استولوا على أموال وضعتها الأمهات في حسابات أبنائهن، حتى بوجود الدليل على أنهن مصدر تلك المبالغ”.

هنا، يبدو أنّ الولاية الشّرعية تطرح مشكلاً حقيقيًّا تواجهه الأم في الإدارات العموميّة والمؤسسات التعليمية، فأينما ذهبت، تُسأَل عن الوليّ الشّرعي الذي هو الأب، لأن القانون أقرّ له ذلك. والأدهى أنّها في حال غيّرت محلّ السكن، سترفض المدرسة منحه قرار التنقل حتى يحضر وليّه الشرعي، الذي هو طليق الأم.

هناك شهادات كثيرة لأمهات مطلقات يعانين من الإهمال التام، من طرف الزوج السابق، لأبنائه، على المستويات المادية والمعنوية؛ لكنهن لا يستطعن القيام بأيّ إجراء إداريّ (كتغيير المدرسة مثلاً) إلا بالحصُول على إذن الأب… نفسُ الأب الذي لا يهتم بأي تفاصيل تخص أبنائه!

تؤكّد ذلك نزهة الصقلي، وزيرة الأسرة والتضامن سابقاً؛ كما ترى أنّه، إلى جانب الإشكالات التي تطرحها الولاية الشرعية، ينبغي تعديل مبدأ إسقاط حضانة الطفل إن تزوّجت المرأة مجددًّا، لأن في ذلك تقييداً لحياتها. ونحن في مرايانا نتساءل: لماذا لا تسقط الحضانة عن الزوج إذا تزوج مرة ثانية بعد طلاقه؟ ولماذا على الأم المطلقة أن تختار بين حياتها كامرأة وحياتها كأم؟

تشرحُ الصقلي بأنّ معظم النساء رفضن أن يتزوجن، رغم أنهنّ يرغبن في ذلك، وبعضهنّ دخلن في علاقات خارج إطار الزواج، وذلك حقهنّ. لكنّ المشكل هو أن القانون ينحاز بشكل مستمر للذّكر، أي الأب.

هذا، “مع العلم أنّ الزّوج حين يستغلّ القانون، وينزع الطّفل أو الأطفال من الأمّ بشكل انتقاميّ، يكون في تلك الظرفية متزوجًا، كما ظهر في حالات كثيرة. هنا، نتساءل مجدّدا: كيف ننزع من امرأة تزوجت حضانة الأطفال ونقدمها لأب متزوج؟ هل يوجد حيف وانحياز أكثر من هذا؟”.

الصقلي تضيف أنّه يجب إعادة النظر في الاجتهاد القضائي القائل بأنّه، حين تطلب المرأة طلاق الشقاق، تحرم من المتعة، لأنّ “الشّهادات التي استمَعنا إليها بيّنت أنّ طلاق الشّقاق مثلاً، ذهبَ في جهة عكسيّة أثناء الممارسة القضائية. وجدنا أن عديداً من النساء أُكرهن على طلب طلاق الشّقاق، رغم أنهنّ في وضعية هشاشة، والغاية هي إسقاط حقّ المتعة (التعويض عن الضرر)“؛ وإن كنا، في مرايانا، نتحفظ كثيرا على موضوع “المتعة” ونعتبره إهانة للنساء، وهو ما سنخصص له مواضيع لاحقة.

هناك، أيضًا، “شهادات لنساء تراجع أزواجهنّ عن تطليقهنّ بعد معرفة المبلغ الذي سيؤديه لها بعد الطلاق، فأوقف المسطرة بذريعة الصّلح. وبمجرد عودة المرأة للمنزل، تمارسُ عليها كلّ أشكال العنف لتطلُب تطليق الشّقاق، ولا تكون للأمر أيّ تبعاتٍ ماديّة”…

هكذا، نستنتج أنّ “مكسب الولوج إلى طلاق الشّقاق، بينت المُمارسة القضائية أنه اسْتُغِلَّ للإضرار بمصالح المرأة، لأن القضاء لم يبحث في الأسباب الحقيقية التي دفعت المرأة للجوء لمسطرة الشّقاق“، تقول المتحدثة.

في هذا الجانب، تجملُ الصقلي، بأنه يجب، كذلك، إسقاط التعدد بصفة نهائيّة من مدونة الأسرة، بالإضافة إلى تعديل الإرث ليكون هناك نوعا من المساواة بين الرجل والمرأة.

ماذا عن النفقة والأموال الأسرية؟ 

المحامي بهيئة الرباط، محمد ألمو، يرى أنّ الواقع العمليّ بيّن أنّ ثمّة اجتهادات قضائية متعددة تهمّ المادة 49 من مدونة الأسرة. غير أنّ المشترك بين هذه الاجتهادات أنّها ذهبت في اتجاه حرمَان النّساء من حقوقهنّ فيما يخصّ الثّروة الأسريّة؛ مثلاً، كعدم اعتبار العمل المنزلي كمعيار لاحتساب مساهمة المرأة في تنمية أموال الأسرة، لدرجة أن جميع محاكم المملكة ذهبت في هذا الاتجاه.

ملفات كثيرة اشتغل عليها ألمو، وملفات أخرى اطلع عليها، أظهرت أنّ هناك توجّها يطالبُ المرأة بأن تثبت بصفة مباشرة، عبر وثائق وتحويلات، إلخ، مساهمتها في تشكيل تلك الثروة، وهذا أمر صعب.

ما يراه المحامي، خلال تواصله مع مرايانا، أنّ التأويل انحصر في ضرورة البقاء على الأصل، الذي هو عدم المشاركة، أو استقلال الذمّة الماليّة للزّوجين. بمعنى أنّ “المرأة لا تستحق”، وأنها “لم تساهم في تنمية أموال الأسرة”، والاستثناء هو إثباتها للعكس بصفة مُباشرة.

التأويل، حسب ألمو، لم يساير فلسفة المادة 49، بما أنها نتاج مغربي خالص، قال به ابن عرضون وسُمي بفتوى الكدّ والسّعاية. إذ لا أحَد من فقهاء المذاهب الأربعة أقرّ للمرأة ما أقرّه لها ابن عرضون.

لقد سادت “تمازالت” كعرف بسوس، وهو عرف لا يخالف الشرع، وإنما ينمّ عن اجتهاد. كما أنه، في العمق، عرف يتماهى مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، خاصة تلك المتعلقة برفع كافة أشكال التمييز ضد المرأة، لأن في ذلك ضمانا للمرأة للولوج إلى نصيبها من الثّروة التي تشكّلت منذ اليوم الأوّل في الزّواج.

إلاّ أنّ التطبيق القضائي ذهب في اتجاه آخر في تنزيله مقتضيات هذه المادة، وجعل من المستحيل الحديث عن اقتسام الممتلكات بالتّساوي، إلا إذا قدّمت عقود بيع أو شراء باسمها، أو ما يفيدُ في هذا الاتجاه، وهذا لا يُعَد مساواة وإنصافًا تلقائيًّا، وإنما بات الوضع كأن المرأة تطالب باستِرجاع أموالها، يقول المحامي.

الذمة المالية للزوجين متّحدة وليست مستقلة. أي أن كلّ ما تم جمعه من ممتلكات وأموَال أثناء العلاقة الزّوجية، يفترض أن للزّوجة فيه نصيبٌ، أو أن الزّوجين مُشتركين فيه؛ وعلى من يدّعي العَكس إثبات ذلك. لذلك، يقترحُ ألمو إلزامية عقد تدبير ممتلكات الأسرة واشتراطه ضمن الوثائق اللازمة لملف الزواج.

تأويل المادة 49، بدوره، لم يعط إجراءات عمليّة أو آمرة، وإنّما اكتفى بتقديم نصائح، من خلال إلزام العدول بفتح المجال لاختياريّة وضع نظَام تعاقديّ أو وثيقة مستقلّة بين الزّوجين.

بينما الواقع العملي أثبت أن الوثيقة لا يتم إنجازها، لأن المرأة لا تطلبها في الغالب. والحل أن تصبح الوثيقة إلزامية ضمن وثائق الزواج، وأن يُحدد لها نموذج لأنظمة متعدّدة للاشتراك في الثروة، ويمنع اختيار عدم الاستقلالية، لأنها ستصبح مطيّة للكثيرين.

يقودنا ذلك إلى اعتبار العمل المنزلي عملاً منتجاً وعاملا أساسيّا في تشكيل الثروة، بحيث كونه نشاطا مُسعّرا ومنتجا وذو قيمة مالية.

الكاتبة والباحثة في حقوق الانسان، نزهة جسوس، تعبّر عن ذات الفكرة من منظور انشغالها كثيراً “بتصور واقعي يخصّ أنّ النفقة لم تعد على عاتق الزوج/الأب فقط، سواء في فترة الزواج أو بعد الطلاق. هذا طبعا من ناحيّة مبدئية؛ وأحاول أن أدحض من خلال هذا التصور، تلك الفكرة الدوغمائية التي لا تراعي التطورات القائمة، وروح العصر التي فرضت نوعا من التكامل بين المرأة والرجل وانخراطهما معا في الشّأن الأسريّ”.

حسب ما أفادت جسوس لمرايانا، فإنّ الفكرة القائمة على أنّ النفقة واقعة على عاتق الرّجل تجد أصولها في الفقه الإسلامي التقليدي، المنطلق من مبدأ القوامة، الذي كان متماشيا مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في القرون الأولى بعد الإسلام. 

الفقه يقول بأنّ المرأة تحت ظلّ الرجل. غير أنّ ما حصل، أنّ هذا التصور يكرّس رفضًا لتصور مخالف وحديث يعتبرُ العمل المنزلي الذي قامت، ولا تزال تقوم به، النساء بمثابة قيمة منتجة للوسائل الضّرورية لإعالة الأسرة. بالتالي، ينبغي اعتباره نفقة تساهم بها المرأة.

لا يعني هذا بأن مكان المرأة هو المنزل، وفق جسوس، وإنما هو اعتراف بما تقوم به النساء. فمنذ مأسسة الزواج واعتبار الأسرة خلية مجتمعية مهمّة، كانت للمرأة أدوار من صميم طبيعتها البيولوجية من قبيل الحمل والولادة، إلخ. والنساء، بحكم هذه الأدوار، كُنّ يلعبن دوراً هامًّا في البناء الأسري، وكانت لهذا الدور نتائج على الأسرة والبلد أيضا، غير أنه ظلّ يُحتسب في خانة المجموعات غير النشيطة اقتصاديًّا.

تقول الباحثة: لنأخذ مثلا دراسة سابقة للمندوبية السامية للتخطيط تقول إنّه، لو تم تسعير العمل المنزلي وفق الحد الأدنى للأجور بالبلد، فإن مساهمة النّساء في الناتج الوطني الإجمالي ستكون بحوالي 50%.

هذا دون أن ننسى أن هناك نساء كثيرات يشتغلن في قطاعات غير مهيكلة، مثل الخياطة أو بيع الخبز، إلخ، وينفقن على الأسرة، وهذه المساهمة لا ينبغي أن تبقى دون اعتراف. لذلك، وجب تسعير العمل المنزلي وتسعير المساهمات المباشرة التي تتأتى من عمل النساء في قطاعات هشة وغير مهيكلة.

كخلاصة، تجد جسوس أنّ احتساب العمل المنزلي لا يعني أن المرأة ستظلّ بالبيت، وليس ذلك تكريسًا للنظرة التقليديّة، وإنما هي دعوة إلى تقييم وتسعير العمل المنزلي، واعتباره مساهمة مادية محسومة، وكلّ مساهمة مادية أخرى تقوم بها المرأة، انطلاقا من انخراطها في سوق الشغل، تحتسب إضافةً إلى قيمة العمل المنزلي.

في النهاية، تجدر الإشارة أنّ مدونة الأسرة لا تعني المرأة فقط، وإنما تعني الأسرة بكلّ مكوناتها، وانخراط الحركة النسائيّة لا يعني أنه انتصار لمصلحة المرأة على حساب مصلحة الرجل كما قد يقول البعض…

إنه، قبل كلّ شيء… انتصار لمجتمع بقيم عادلة وقوانين منصفة.

ومطالب تعديل مدونة الأسرة لا تروم سوى تحقيق المساواة ورفع الظلم ووقف العنف… الواقع على النساء والأطفال!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *