×
×

أحمد إبن عرضون… الفقيه المالكي الذي أعاد للمرأة حقها!

إبن عرضون خرج عن الثّابت والمألوف وحاول أن يستخدم عقله في حدود الشرع، دون أن يبخس المذهب المالكي حقّهُ؛ فأفتى بما يلزم من التطورات الحاصلة في تلك الفترة، مع مراعاة حقوق الكل بالتساوي، رجالاً ونساءً…
فمن هو ابن عرضون الكبير الذي أعاد للمرأة حقها؟
مرايانا في هذا البورتريه تنبشُ في سيرة الفقيه…

كانت الثّقافة الفقهية في القرن العاشر الهجري، وكما هي مستمرة اليوم للصدفة!، قد اطمأنت لما جاء به السلف. وكان العقل العربي شبه مستقيل، فبلغت حالة الركود أوجَها، بفعل الضّعف الذي أصاب الحياة الفكرية عموما حينئذٍ، لا سيما الجانب الفِقهي…

لم يكن الأمر يتعلّق بالمغرب فقط، وفق المَرويات، بل شمل سائر أقطار العالم الإسلامي؛ إذ أصبح فقهاء هذا العصر، يقفون عند ما انتهى إليه سابقوهم… يكتفون بما قالوه، ويقبلونه على علاته. لا يعملون فكرهم، ولا يبحثون لأنفسهم عن الخروج من حالة التقليد إلى ميدان التطور والتجديد… ولكن!

إبن عرضون خرج من رحم تلك الفترة، فخرج عن الثابت والمألوف وحاول أن يستخدم عقله في حدود الشرع، دون أن يبخس المذهب المالكي حقّهُ؛ فأفتى بما يلزم من التطورات الحاصلة في تلك الفترة، مع مراعاة حقوق الكل بالتساوي، رجالاً ونساءً…

فمن هو ابن عرضون الكبير الذي أعاد للمرأة حقها؟

مرايانا في هذا البورتريه تنبشُ في سيرة الفقيه…

المخاض الأول…

هو أبو العباس أحمد بن الحسن بن يوسف بن عمر بن يحيى، المعروف بابن عَرضون، الزَّجَلي، المُوسوي، الصَّالحي، المغربي، المالكي…

ولد الفقيهُ ابن عرضون الكبير بقرية تلمبوط التابعة لإقليم شفشاون شمال المغرب… وعُيّن قاضياً في شفشاون فيما بعد…

بخصوص تاريخ مولده، فلم تُسعف المصادر في تحديد زمن ولادة ابن عَرضون، في حين خَلُص الأستاذ عمر الجيدي في بحثِه إلى أنه وُلد عام 947هـ…

ترعرع ابن عرضون في وسطٍ عائلي ذِي عِلم ورفعة وضلوع في الدّين في ذلك الوقت؛ فهو ابن أبي علي الحسن بن يوسف، الذي كان عالماً فاضلاً، له أجوبة في الفقه تؤذن باتساع مداركه في العلم، وأخوه أبو عبد الله محمد، تولى القضاء بعده بشفشاون، وله تقاييد في الفقه والتوحيد.

ابن عرضون سيترجّل عن صهوة الحياة سنة 992 ه‍ الموافق 1584 م، مخلّفاً زخماً من الكتب، من أهمها “التقييد اللائق بمتعلم الوثائق”، و”مقنع المحتاج في آداب الأزواج”.

عدد كبير من الطلبة، تتلمذوا على يديه. وإن كان لم يتول مهمة التّدريس، فإن المصادر تذكر من بين من أخذ عنه وتأثّر به واستفاد من علمه ولده محمد، والقاضي أبو عبد الله محمد مخشان، وأبو سالم إبراهيم بن عبد الرحمن الجلالي، وغيرهم…

ابن عرضون الكبير والفتوى وفقه النوازل…

ابن عرضون، وفقَ كتاب ابن عرضون الكبير حياته وآثاره، عرف بقوة العقل ومضاء الذاكرة، فلم ينفض يده من النص ولم ينسلخ من المذهب، ولكنه كان يعرف كيف يقارن، وكيف يراعي الأصلح، متماشياً مع الشريعة… لا يهمل العُرف والعادات التي لا تمسّ جوهر الدين، ولا العقيدة، فابتعد أحيانا عن المشهور، وأفتى بـ “الشاذ” متى كانت المصلحة تقتضِيه…

عمر الجيدي يضيف في الكتاب، أن إبن عرضون الكبير كان يتعامل مع “الشاذ” متى كان هو الأليق من غيره، وقضى الشاذ وشهره، وهو في كل ذلك معترف بأنه لا يمس مذهب الإمام مالك، ولا يعترض عليه، ولا ينقص من قيمة صاحبه، وإنها هي أحكام كان يصدرها حسب ما تتطلبه المصلحة، وحسبما يتفق ومستوى العصر الذي عاش فيه…

لم يتوقف ابن عرضون عند هذا الحد من تشهير ما اعتبر شاذا، أو الفتوى بما في خارج المذهب؛ بل أنه، وفق الجيدي، أفتى بشيء ما سبقه إليه أحد، وهي الفتوى التي حيرت العلماء وأدهشتهم، وهي قضية المرأة عندما أعطاها قسمة مساوية للرجل في العمل، وهو ما يسمى بحق المطلقة أو الأرملة في الكد والسعاية…

لقد سبق هذا العالِم والفقيهُ مدوّنة الأسرة منذ قرون وأعطى للمرأة الشفشاونية عامة والغمارية على الخصوص، الحق في مطالبة زوجها بعد طلاقها، بنصف ما يمتلك نظير ما ساهمت به من مجهود بدني في غناه…

فتوى الكد والسعاية…

في فتوى “الكدّ والسعاية”، يقول ابن عرضون من القرن العاشر الهجري، إن المرأة إذا مات زوجها تأخذ نصف التركة ثمّ الباقي يقسّم إرثاً، وذلك بحكم مشاركتها وسعيها وكدّها في تحصيل هذه الثروة.

أبو الحسن العلمي يقول في كتابه “النوازل”، إن ابن عرضون سُئل”عمن تخدم من نساء البوادي خدمة الرجال من الحصاد والدراس وغيرها، فهل لهن حق في الزرع بعد وفاة الزوج لأجل خدمتهن أو ليس لهن إلا الميراث؟ فأجاب: الذي أفتى به القوري مفتي الحضرة الفاسية أن الزرع يقسم على رؤوس ما نتج عن خدمتهم، زاد عليه مفتي البلاد الغمارية جدنا للأم أبي القاسم بن خجو على قدر خدمتهم، وبحسبها من اتفاقهم أو تفاوتهم، وزدت أنا لله عبد بعد مراعاة الأرض والبقر والآلة، فإن كانوا متساويين فيها أيضا فلا كلام، وإن كانت لواحد حسب له ذلك”.

بحسب ما يذكرهُ الباحث عبد الوهاب رفيقي في تصريحه لأحد المواقع الالكترونية المغربية، فإن الواقع والعُرف الأمازيغي الذي كانت فيه المرأة تشارك زوجها في جميع أعباء الحياة، وتقاسمه في المشقة والجهد، قد انعكس على الرأي الفقهي السائد، من خلال فتوى ابن عرضون التي قال فيها إن المرأة اذا مات زوجها، تأخذ نصف التركة ثمّ الباقي يقسّم إرثاً، وذلك بحكم مشاركتها وسعيها وكدّها في تحصيل هذه الثروة….

ورغم أن تلك الفتوى قد أثارت الكثير من الاعتراضات من جانب بعض الفقهاء وقتها، يضيف رفيقي، إلا أن المجتمع الأمازيغي السوسي قد تقبّلها، ووضعها موضع التطبيق، بحيث صار معمولاً بها، ونُقلت أحكامها إلينا عبر ألواح جزولة…

كما ذهبَ بعضُ الباحثين إلى أنّ هذه الآثار العلمية تعبر عن مذهبه الإصلاحي الذي اهتم بخدمة قضايا مجتمعه؛ عبر النفاذ إلى قلبه ولبنته الأولى؛ “الأسرة”، في محاولة رد الاعتبار للمرأة البدوية والحرص على إعادة الحياة لبيت الزوجية…

ما بعد الفتوى!

فتوى الكد والسعاية عارضها بشكل شديد أهل فاس كما تروي كتب التاريخ…

حركت هذه الفتوى مدرسة النوازل الفقهية من جديد في المغرب آنذاك، وحدثت اختلافات عميقة، في اعتقاد المعارضين لها، الذين اعتبروها… فتوى تتعارض مع شرع الله والتأصيل السماوي للإرث، وأن الزوجة لا نصيب لها إلا ما أقرّهُ نظام الإرث في الإسلام…

أهل فاس، وفق ما أوردهُ عمر الجيدي في كتاب ابن عرضون الكبير: حياته وأثاره، آراؤه وفقهه، ولو بعد حينٍ، زاروا ضريح عبد السلام بن مشيش؛ دفين جبل العلم، ومروا في رحلتهم بشفشاون التي كان ابن عرضون قاضيا بها؛ لملاقاته ومناقشته في فتواه المستحدثة، وسألوه عن القضية، فما أجابهم بشيء.

بل طلب منهم الانتظار…

وبينما هم كذلك، إذ مر فوج من النساء، وهن حاملات أثقالا على ظهورهن – كعادتهن – من حطب وأنواع أخرى من الأثقال. فقال لهم: ما رأيكم في هؤلاء النساء؟ فتعجب العلماء من ذلك، وأذعنوا لرأيه، وأيدوا حكمه، وأدركوا وجاهة فتواه وإصابتها روح العدل”….

أفلسنا بحاجة إلى فقه ابن عرضون اليوم كلما عاد نقاش الإرث إلى الواجهة؟

أم أن الفقه المغربي… صار مجرد ذكرى وسط تسيد لغات الشرق؟

اقرأ أيضاً:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *