×
×

الكد والسعاية… نظام قد يكون مدخلاً لإقرار المساواة في الإرث 2/2

بقي نظام الكد والسعاية نقاشاً قديماً جديداً… يطفو إلى السطح دائماً للتذكير بأهمية فتوى ابن عرضون في اعتبار المرأة شريكا في تأسيس الثروة الأسرية… نظام الكد والسعاية بحداثته يترك التراث لمن أراده، ولكنّه يسعى إلى تجاوز كل حيف قد يطال المرأة.

في الجزء الأول من هذا الملف، رأينا أن الحقوقيين يذهبونَ إلى أن نظام “الكد والسعاية”، يشكّلُ حلاً مهمّا ومنصفاً لمعالجة الإشكالات المرتبطة بتدبیر العلاقات المالیة داخل مجال الأسرة، وتحدیداً ما یتعلق منها بضمان الحقوق المالیة لأفرادها الذین ساهموا في تكوین أو تنمیة ثروتها…

في هذا الجزء الثاني والأخير، نرصد صدى المادة 49 من مدونة الأسرة وانعدام مطابقتها مع مفهوم الكد والسعاية في الممارسة، رغم أنها تستلهم روح فتوى ابن عرضون.

القانون لا يلامسُ روح تامازالت…

حميد أيت علي، الناشط الأمازيغي، يفككُ لـ”مرايانا” معاني تامازالت، فيقولُ بأنّه عرفٌ أمازيغي مشتق من كلمة “تازلا” أي الكد والسعي من أجل العائلة والأسرة؛ ويمكن تفسيره بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية للأسرة. إمازالن هم الأشخاص الذين يقومون بمجهود مادي ومعنوي بغية استقرار العائلة وتغطية احتياجاتهم…

دعوة لا يزال صداها يتردد في بيوت وأرض الأمازيغ في كل وقت وحين: “أديعاون ربي إمزالن”…

“كل ما هو مكتسب منذ اليوم الأول من الزواج، فهو يدخلُ ضمن الكد والسعاية…”

حياة مشنان، رئيسة جمعية صوت المرأة الأمازيغية، في حديث مع “مرايانا”، تعتقد أن تمازالت، أو ما عرف عند الفُقهاء بالكد والسعاية، خيار هام للحفاظ على حقوق المرأة الاقتصادية والاجتماعية وحمايتها من العنف الاقتصادي الذي قد يمارسُ عليها داخل الأسرة…

لا تكتفي مشنان بهذا الاعتقاد، بل تدفعُ إلى الواجهة بكون الجمعية قامت بدراسة، وتبين أنّهُ عندما كان الأمر عرفاً، كان عملياً ومعمولاً به؛ وعندما غدا مدوّناً في قانون الأسرة، سيما المادة 49، لم تعد محاكم أو قضاء الأسرة تعتمد عليه كثيراً…

ثمّة قصور من ناحية التعامل مع الكد والسعاية في القضاء المغربي، حسب مشنان، لأن المرأة هي التي تُطَالَب بإحضار وسائل الإثبات كونها شريكة ومساهمة في الثروة العائلية بعد انقضاء العلاقة الزوجية سواء بالطلاق أو بهلاك الزوج؛ بينما… روحُ عرف تمازالت أبعدُ من ذلكَ وأكثرُ إنصافاً، تقولُ المتحدثة، فهو حريصٌ في جوهره على أن كل ما هو مكتسب منذ اليوم الأول من الزواج، فهو يدخلُ ضمن الكد والسعاية… المرأة تساهم في تنمية اقتصاد الأسرة بتربية الماشية والعمل في الحقول وجمع المحاصيل، وهذه أعمال تقوم بها دون أجرة، بينما يكون مجرد القيام بها كافيا لمعرفة أنها مساهمة في بناء الثروة الأسرية…

الكد والسعاية لا يمس بقداسة الإسلام ولا يضر عقيدته، بل بالعكس ينتصرُ لمقاصده، وهو ما جعل تعديل نظَام الإرث في شموليته منسجماً مع تلك المقاصد الإسلامية…

كانت دراسة أعدتها جمعية “حقوق وعدالة” بشراكة مع مجموعة من المؤسسات، ونوقشت مضامينها قبل سنة، دعت إلى تعديل المادة 49 من مدونة الأسرة، بالشكل الذي يتضمن صراحة التنصيص على لزوم تقييم العمل غير المثمن وغير المأجور الذي تقوم به المرأة، سواء في المنزل أو خارجه، في تحديد ما ينوبها من نصيب في الممتلكات المكتسبة أثناء الزوجية…

نحو العالمية…

لا تخفي الكثير من البلدان العربية انبهارها بقيمة العدل التي يضمنها ما وصفهُ الفقهاء بحقّ الكد والسعاية…

فقبل سنةٍ، دعا أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إلى تنظيم مؤتمر تُدْعَى فيهِ المجامع الفقهية، من أجل تدارس اعتماد فتوى للفقيه المغربي ابن عرضون اصطُلِح على تسميتها بـ”حق الكدّ والسعاية”، وأفتى فيها هذا الأخير، في القرن السادس عشر الميلادي، بأن للمرأة الحق في نصف ثروة زوجها ثم يكون النصف الآخر للميراث…

كان هذا جوابا، بعدما سُئل عن نصيبِ الزوجة من المال والثروة التي شاركت في تكوينها مع الرجل، بعد وفاته أو تطليقها، إذا كانت من النساء اللائي يخرجن مع أزواجهن إلى الحقول ويزرَعن ويحصدن وتكون أيديهِنَّ بأيدي الرجال…

المرأة تساهم في تنمية اقتصاد الأسرة بتربية الماشية والعمل في الحقول وجمع المحاصيل، وهذه أعمال تقوم بها دون أجرة، بينما يكون مجرد القيام بها كافيا لمعرفة أنها مساهمة في بناء الثروة الأسرية…

بعض الفقهاء لاحظوا أن الكد والسعاية لا يمس بقداسة الإسلام ولا يضر عقيدته، بل بالعكس ينتصرُ لمقاصده، وهو ما جعل تعديل نظَام الإرث في شموليته منسجماً مع تلك المقاصد الإسلامية…

الباحث عبد الرحيم عنبي ينحازُ إلى أن بقاء هذه الأحكام، والتي تجعل من المرأة الحلقة الضعيفة في الولوج للملكية، مشروطة ببقاء تلك الأحوال التي كانت تسود في بيئة شبه الجزيرة العربية…

مؤسسة النوازل الفقهية يمكنها، إذن، أن تلعب دورا أساسيا في الجواب عن العديد من القضايا المطروحة في باب الإرث، قياساً على مبدأ الكد والسعاية…

كخُلاصة، قد يكون هذا الملف حاول، كما قال الحسين الملكي، توضيح خطأ الرأي الذي يذهبُ بدون تحفظّ إلى أنّ عمل المرأة المنتج، سواء داخل إطار الأسرة أو خارجه، لا يرتبط بأي مقابل في تكوين ثروة الأسرة… فهل يمكنُ أن يكون هذا مدخلاً لإحقاق المساواة في الإرث بين الجنسين؟

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *