×
×

المساواة في الإرث في المغرب: قطعية الآيات على ضوء السياقات التاريخية 2/3

اختلاف الفقهاء فيما بينهم، واختلاف المذاهب في التعامل مع سؤال الإرث، هو في النهاية، مجرد تفصيل محدد لإعادة قراءة التراث ضمن سياقات الصراعات السياسية وحسابات السلطة.
كما أن الاجتهادات الفقهية التي انطلقت منذ عهد الصحابة، تضع مسألة قطعية النصوص الخاصة بالإرث على محك النقد وتسائلها… بل وتوجب إعادة قراءتها باستحضار السياقات التاريخية التي ظهرت فيها.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

خلصنا في الجزء الأول من هذا الملف، إلى أن البحث في سؤال المساواة في الإرث، يحيلنا على طبيعة التعامل مع النص الديني، خاصة في الجانب التشريعي منه، إذ هل حقا أننا أمام نصوص قطعية الدلالة، لا مجال فيها للاجتهاد أو إعادة قراءتها؟ وهل هذه الأحكام والنصوص متعالية على الواقع التاريخي ومتجاوزة له؟ أم أنها مشروطة بالسياقات التاريخية التي ظهرت فيها؟

في هذا الجزء الثاني، نواصل النبش في الموضوع، من خلال قراءة في سياقات النص ومقاصده.

النص القرآني، فيه 13 آية تناولت الإرث، عشر من هذه الآيات كانت خاصة بالوصية، عدد منها تم نسخه بحديث “لا وصية لوارث”، وهو ما يقتضي التوقف عنده، فأن ينسخ حديث نبوي آيات قرآنية، بل وأن تُبنى تشريعات فقهية بناء على هذا النسخ، يجعلنا نتساءل حول قطعية أحكام الإرث، وهل كان المقرر فيها النص الديني المطلق أم الاجتهادات البشرية؟

كانت مسألة توزيع الثروة واحدة من أهم القضايا التي طرحت نفسها داخل المجتمع الإسلامي الوليد خلال الفترة النبوية، والمتميز آنذاك بتنوع كبير في الطبقات الاجتماعية والاقتصادية، بشكل قد يخلق نوعا من التضارب في المصالح والغايات.

لهذا، وفي سياق محاولة “تآليف” هذه التشكيلة الاجتماعية غير المندمجة، سيفتح التشريع الإسلامي وينوع من أبواب جمع الثروة داخل المجتمع، كما تعدد المستفيدون منها، فنجد من ذلك الزكاة والركاز والفيء والغنائم والأنفال والمكوس والعشور.

هذا على المستوى العام، أما ما يخص الفرد، فقد فتح التشريع الإسلامي كل المصادر الممكنة لملكية الثروة، ولإعادة توزيعها في الآن ذاته، من خلال تشريع الوصية والتوسيع في لائحة المستفيدين منه، وإن كان قد أقر مجموعة مبادئ أخلاقية (تجنب الربا، والسرقة أو أن تكون من أنشطة محرمة…الخ)، إضافة إلى كل ما تتيحه الصناعات والتجارة…الخ.

إقرأ أيضا: علي اليوسفي: الجذور التاريخية للحجاب

هذا التعدد في منافذ ملكية الثروة طرح مسالة توزيعها وبشدة منذ البدايات الأولى للإسلام، وأحيانا كثيرة ما أخذ طابعا تواتريا كان يستدعي تدخلا قرآنيا. كمثال على ذلك، الخلاف حول توزيع الأنفال ــ أو بتعبير معاصر: الغنائم الحربية ــ حتى نزلت عدة نصوص تفصل في الأمر بشكل قطعي وحاسم وواضح، وكذلك في الديات والصدقات والعطاء.

بتعدد أبواب الثروة في التشريع الإسلامي وتوزيعها والمستفيدين منها والمتدخلين في العملية ككل، تعددت القراءات والاجتهادات خاصة مع امتداد بقاع الامبراطورية الاسلامية، وتعدد أوجه الملكية والتحولات السوسيولوجية العميقة التي مست كافة البنى والأنساق المشكلة للمجتمعات الاسلامية.

إلا أنه، وبرغم تعدد مداخل الثروة وإعادة تملكها أو توزيعها، فإن الإرث يبقى أبرزها وأكثرها حضورا بسبب ارتباطه بالبناء الأسري، ما يلمس بشكل مباشر قلب النسق الاجتماعي داخل المجتمع في تداخله مع الاقتصادي والديني…الخ.

كثير من التشريعات المتعلقة بالإرث لم ترد في النص القرآني، بل كانت من اجتهادات الصحابة أو الفقهاء كالعول والرد وميراث الجد والجدة والتعصيب… وغيرها؛ لدرجة أننا نجد أن أحد أشهر الصحابة ومفسري القرآن، وهو عبد الله بن عباس، قد أنكر بعض ما أقره بعض الصحابة بخصوص العول، وتساءل مستنكرا “أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا، إنما هو نصفان، وثلاثة أثلاث، وأربعة أرباع”.

لهذا، فإنه من الطبيعي أن نجد أن المؤسسة الفقهية كانت دوما ما تتجه صوب التشدد في المواقف المرتبطة بالإرث، عبر إشهار دائم لورقة قطعية آيات الإرث واستحضار القاعدة الأصولية الشهيرة أنه “لا اجتهاد في مورد نص”. لقد أصبح هذا الاعتراض من البديهيات التي تطرح عند تناول هذا الموضوع. وهنا، يحق لنا التساؤل: هل حقا أن نصوص الإرث قطعية الدلالة؟ فإذا ما نحن تأملنا النص القرآني، نجد فيه 13 آية تناولت الإرث، عشر من هذه الآيات كانت خاصة بالوصية، عدد منها تم نسخه بحديث “لا وصية لوارث”، وهو ما يقتضي التوقف عنده، فأن ينسخ حديث نبوي آيات قرآنية، بل وأن تُبنى تشريعات فقهية بناء على هذا النسخ، يجعلنا نتساءل حول قطعية أحكام الإرث، وهل كان المقرر فيها النص الديني المطلق أم الاجتهادات البشرية؟

أما باستقرائنا لأصول الفقه، فنجد أن علم الفرائض ــ أو المواريث- هو من أعقد العلوم وأكثرها اختلافا، وأن كثيرا من التشريعات المتعلقة بالإرث لم ترد في النص القرآني، بل كانت من اجتهادات الصحابة أو الفقهاء كالعول والرد وميراث الجد والجدة والتعصيب… وغيرها؛ لدرجة أننا نجد أن أحد أشهر الصحابة ومفسري القرآن، وهو عبد الله بن عباس، قد أنكر بعض ما أقره بعض الصحابة بخصوص العول، وتساءل مستنكرا “أترون الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في مال نصفا ونصفا وثلثا، إنما هو نصفان، وثلاثة أثلاث، وأربعة أرباع”.

إقرأ لنفس الكاتب: قداسة الكعبة على ضوء التاريخ الإسلامي: حين قدس العرب 8 كعبات! 1/3

يدلنا مضمون هذه القولة الواردة على لسان عبد الله ابن عباس على حدة الخلاف حول المسائل المتعلقة بالإرث، والاختلاف بين الاتجاهات والمذاهب. نسوق هنا نموذجا آخر لاختلاف ميراث البنت الواحدة بين السنة والشيعة، ففي حين يذهب الشيعة إلى أحقية أن تأخذ البنت ميراث والديها كاملا، يذهب السنة إلى عدم جواز أخذها الميراث كاملا، وهو أمر لا يمكن فهمه دون الوقوف عند الصراعات السياسية التي أطرت السنة والشيعة.

كما أن الاجتهادات الفقهية التي انطلقت منذ عهد الصحابة، تضع مسألة قطعية النصوص الخاصة بالإرث على محك النقد وتسائلها… بل وتوجب إعادة قراءتها باستحضار السياقات التاريخية التي ظهرت فيها.

 

لقراءة الجزء الأول: المساواة في الإرث في المغرب: هل نحن فعلا أمام آيات قطعية؟ 1/3

لقراءة الجزء الثالث: المساواة في الإرث في المغرب: الإرث … التاريخ … القوامة وسقوط العلة 3/3 

 

 

 

تعليقات

  1. ahmed

    السلام٫ارجوان لا تخرحوا عن القران لانه كلام الله٠يعني كلام من خلق كل شيء من الذرة الى المجرة لان كلامه حق ٠فالقران يقر بالمساوا ت بينالذكر والانثى في نظام رياظياتي ذكي جدا لكن الفقهاء اكتفوا بظاهر النص ورفظوا السياق٠المرجواطلال على كتابات المفكر محمد شحرور٠شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *