×
×

انعدام المُساواة الجندرية في سوق الشّغل بالمغرب… كم يكلّف اقتصاد البلد؟

على غرار الكثير من الدول النامية، فإنّ المغرب لازال يواجه الكثير من التحديات، فيما يتعلّق بالمساواة الجندرية؛ لاسيما تلك المتعلقة بضعف وصول المرأة إلى الفرص الاقتصادية وتفويت فرصِ النّمو، إزاء “نقص” في الإمكانات البشرية المتاحة للمغرب.

لأكثر من عقدين من الزمن، بدأ المغرب ديناميةً لتعزيز المساواة بين الجنسين، قادت بالبلد إلى جمْلة من الإصلاحات المؤسساتية، كُلّلَتْ بإدماج النساء في المنظومة الاقتصادية والسياسية والثّقافية، إلخ.

لكن…

على غرار الكثير من الدول النامية، فإنّ المغرب لازال يواجه الكثير من التحديات، فيما يتعلّق بالمساواة الجندرية؛ لاسيما تلك المتعلقة بضعف وصول المرأة إلى الفرص الاقتصادية وتفويت فرصِ النّمو، إزاء “نقص” في الإمكانات البشرية المتاحة للمغرب.

للوقوف على معالم هذا “الحيف”، مرايانا تحاول استقراء دراسة بعنوان : “الكُلفة الاقتصادية لانعدام المساواة بين الجنسين في سوق الشغل بالمغرب”. صادرة في فبراير 2021، عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة ووزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي والوكالة الفرنسية للتنمية.

نشاط المرأة في المغرب… نسب متباينة!

في الفترة الممتدّة بين 1999 و2019، بقيَ معدّل نشَاط المرأة وانخراطها في عالم الشّغل منخفضاً جدّا، حيثُ كانَ يتراوحُ بين 21٪ و30٪. وذلكَ على عكس معدل نشاط الرّجل الذي كان بين 71٪ و 79٪.

لقد لوحظ، بالموازاة، وجود اتجاه تنازلي للتشغيل بالبلاد، يشملُ النّساء والرّجال على حدّ سواء. تذهبُ التفسيرات إلى اعتباره ناجماً عن عوامل عدّة، على غرار تأثير التّقدم التقني وغزو المكننة والتحول العام للطّلب على العمل، ناهيكَ عن التطور الديموغرافي الذي يشهده المغربُ والعالم وانتشار البطالة، فضلاً عن تغيُّر دور المَرأة كفاعل اقتِصادي في المجتمع المغربي.

جدير بالذكر أنّ تحليل توزيع السّاكنة النّشيطة والعاملين، حسب الجنس والبيئة وقطاعات النشاط الرئيسية، يكشفُ عن عدّة نتائج.

مثلاً، في المناطق الريفية، فإن حصة الفلاحة في عمل الإناث سائدة ومستقرة، رغم مرور الوقت، عند حوالي 93 ٪.

أمّا من ناحية أخرى، فقد سجّلت حصة الفِلاحة في العمل بالأرياف بالنّسبة للرّجال انخفاضاً، حيث تحوّلت النسبةُ من 75٪ في سنة 1999 إلى 62٪ إبّان سنةِ 2019.

كنتيجة لذلك، فإنّ هذه الاتجاهات تؤثر بقوّة على سلوك إجمالي السّاكنة النّشيطة، حيثُ تحصُل الفلاحة على حصّة الأسد من نشاط المرأة بنسبة 47٪. مصحوبةً، بالمقابل، بانخفاض في حِصة الفلاحة بالنسبة للرّجل، من 40.6٪ في عام 1999 إلى 28.3٪ سنة 2019 لفائدة الخَدمات.

في المَناطق الحضرية، عملُ المرأة يتميّزُ بزيادة حادة في نصيب الخدمَات، التي ارتفعت من 54٪ في عام 1999 إلى 71٪ في عام 2019، على حساب الصّناعة. بالنسبة للذّكور، تزداد حصة الخدمات زيادة طفيفة في المناطق الحضرية، حسب الدّراسة.

“الكارثة” أنّ 72.5٪ من النساء في سن الشّغل، لا يعمَلن في أي نشاط اقتصادي منتج من القطاعات الثّلاث!

على ما يبدو، فالنّسب متباينة بخصوص إدماج المرأة في القطاعات الاقتصادية الحيوية بالبلاد؛ بيد أنّها، على كلّ حال، تبقى ضعيفة مقارنةً مع الفرص المتاحة للرّجل، رغم كلّ شعارات المساواة في العمل التي رفعها المغرب.

من بين العوامل التي ساهمت في ضمور دور المرأة اقتصادياً، هناك الحالة الاجتماعية للمرأة: عازبة أم مطلّقة أم أرملة. إلى جانِب الوضع الاجتماعي والاقتِصادي للزّوج، والذي يحدّد بشكل حاسم القرار المتعلق بمشاركة المرأة في سوق العمل.

هذا دون إغفال القيود العائلية، كعدد الأطفال الذين يعهد للمرأة مهمّة التكفل بهم، والتي تشكّل أيضاً عقبةً رئيسَةً فيما يخصّ ولوج المرأة لسوق الشّغل. كما أنّ هذه القيود، عينُها، تلعبُ إلى حد كبير دوراً في لجوء المرأة إلى النشاط الاقتصادي، بغيةَ تحصيل مصادر دخل إضافية.

المغرب… أي تموقع في المنطقة؟

يكشفُ تحليل إجمالي توظيف الإناث والذكور في المغرب، في قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات، وبالمقارنة مع البلدان الأخرى في منطقتي شمال أفريقيا والشرق الأوسط، عن عدة ملاحظات مهمّة.

النساء المغربيات يعملن في الغالب في الفلاحة، بينما يعمل الرجال في الغالب في قطاع الخدمات.

يختلفُ هذا التوزيع القطاعي للعمل عن نظيره المعتمد في بلدان شمال أفريقيا والشّرق الأوسط (MENA).

في الواقع، فإن نسبة توظيف النساء في قطاع الخدمات أعلى، بشكل عام، في البلدان القريبة من المغرب، كتونس ومصر مثلاً. ممّا يعني أن الخدمات تُشكل القطاع الرئيسي لتوظيف النساء على نطاق واسع في هذه البلدان.

تحليل نسبة النساء والرجال في التوظيف القطاعي في المغرب، مقارنة ببلدان المنطقة، يشير إلى أن المغرب لازال يعاني، إلى اليوم، من مشاركة منخفضة للمرأة في سوق الشّغل، بمعدل مشاركة يقدّرُ بـ27.5٪ في 2018، وفق مؤشّر التنمية العالمي WDI.

عامل من عوامل الإنتاج وخلق الثروة، ولكنها تحتاجُ فقط إلى ضمان حقها في الشّغل وتعزِيز رأس مالها البشري

البلد يشكو، أيضاً، من نسبة منخفضة من توظيف الإناث في الخدمات بنسبة 29.5٪ من إجمالي اليد العاملة في القطاع، وهو ما يوضّحُ أن 8.1٪ فقط من الإناث في سن العمل، يعملن في الخدمات مقابل 34٪ للرجال. فضلاً عن أن نسبة 5.1٪ فقط من النساء في سن الشّغل يعملن في الصناعة، مقابل 14.3٪ في الفلاحة.

ولربما “الكارثة” أنّ 72.5٪ من النساء في سن الشّغل، لا يعمَلن في أي نشاط اقتصادي منتج من القطاعات الثّلاث!

تبقى، إذن، معدّلات مشاركة المرأة المغربية في الأنشطة الاقتصادية متدنّية وهزيلة… وتظلّ نسبة النّساء العاملات في قِطاع الخدمات منخفضة في المغرب مقارنة مع دول المِنطقة وضعيفة جدا بالنّظر إلى وضعِ الدول المتقدّمة…

انعدام المساواة بين الجنسين في قطاع الخدمات بالمغرب، ينبغي النظر إليه انطلاقا من حرمان المرأة من حقها في التعليم، كعامل يؤثر بشكل مباشر على تعميق اختلال التوازن بين المرأة والرجل، من حيث الوصول إلى القطاع، وبالتالي إلى سوق العمل.

بهذا، تكون الدّراسة قد بيّنت مكاسب كبيرة يمكن اللّجوء إليها لخلق النمو، من خلال بلورة تدابير تجمع بين الحد من انعدام المساواة بين الرجل والمرأة في الحصول على التعليم من جهة، وكذلك فيما يتعلّق بالوصول إلى النشاط الاقتصادي من جهة ثانية.

المساواة في العمل… نحو قِيمة مضافة!

بالاعتماد على معطيات مؤشرات التنمية العالمية WDI، فإن الزيادة في تشغيل الإناث، النّاتجة عن تقليص الفجوة المُنتصبَة بين عمل الإناث والذكور في قطاعات الخدمات والصناعة والفلاحة، تُساهمُ بشكل مفصليّ في ارتفاع القيمة المضافة للقطاعات المعنية.

هكذا، فإن تقليص الهُوة بين توظيف النّساء والرجال في الخدمات، بنسبةِ 25%، سيؤدي إلى زيادة القيمة المضافة للقطاع، بشكل يتراوحُ بين 8 و13٪.

أكثر من ذلك، فإن التّقليل من حدة التفاوتات الجندرية في القطاع، بنفس النسبة، أي 25٪، من شأنِه أن يُساهم في الرّفع من إجمالي الناتج الداخلي الخام للبلد، بمعدّل 5.5٪. فضلاً عن الزيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، ينسبة تتراوح ما بين 5.7 إلى 9.9 في المائة.

كما يمكِن لتقليصٍ مماثل في الفجوة بين توظيف الجنسين، في مجالي الفلاحة والصناعة، أن يقود نحوَ زيادةٍ بنسبة 6-7٪ في الناتج الإجمالي لهذه القطاعات.

عندما يتساوى تشغيل الإناث مع توظيف الذكور في الخدمات، بمعنى تقليص الفجوة بنسبة 100٪، فإنّ ذلك، حتماً، سيمكّن من تحقيق زيادة في القيمة المُضافة للقطاع تتراوحُ من 29٪ إلى 37٪، وتزدادُ، بالتّبع، حصّة النّساء العامِلات في الخدمات من 9٪ إلى 28٪.

معدّلات مشاركة المرأة المغربية في الأنشطة الاقتصادية متدنّية وهزيلة

وحين تتكافؤُ الفرص بين الجنسين في الولوج إلى الشّغل في قطاعي الصناعة والفلاحة كذلك، فإنّ نسبة النّساء العاملات في الصناعة والفلاحة ستتحوّل من 21٪ إلى 43٪. وهذا، عملياً، يمكن أن يساهم في زيادة القيمة المضافة للقطاعين بشكل يتراوحُ بين 22٪ و25٪.

مما لا شكّ فيه، وفق الدّراسة، أن تقليص الفوارق بين الجنسين بنسبة 100٪ من حيث الوصول إلى العمل في قطاع الخدمات، سيؤدّي إلى زيادة بنسبة 32٪ إلى 45٪ من قيمته المُضافة.

وبالمثل، فإن القَضاء التّام على فجوة التّوظِيف بين النساء والرجال في القطاعين الصناعي الفلاحي سيولد نمواً بنسبة 24٪ إلى 28٪ في الناتج الإجمالي لهذه المجالات.

في النهاية… فإن غياب المساواة الحقيقية في سوق الشّغل هو بمثابة خسارة كبيرة للاقتصاد الوطني، لأنّ إنصاف النساء اقتصادياً من المسارات التي يجب اتباعها لخلق أسس نموّ شامل وتنمية مستدامة، لا يمكن إغفال الدور الذي يمكن للمرأة أن تقوم به في صناعتهما.

إنها عامل من عوامل الإنتاج وخلق الثروة، ولكنها تحتاجُ فقط إلى ضمان حقها في الشّغل وتعزِيز رأس مالها البشري، لبناء مجتمع مندمج يثمّن كافّة أفراده …

اقرأ أيضاً:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *