×
×

مدونّة الأسرة في المغرب: هل نحن أمام تشريع عفا عليه الزمن؟ 1\2

18سنةً مرّت على مدوّنة الأسرة التي صدرت عام 2004…
تُرى، هل استنفذ هذا التشريعُ جدّته التي كان عليها زمن المصادقة عليه؟ هل لازالت هذه المدوّنة تستجيبُ للمتغيّرات التي طالت المجتمعَ المغربيّ في مختلف مناحيه السوسيو-ثقافية والاقتصادية والتنموية وغيرها؟ وما هي الثغرات والفجوات الموجودة في القوانين الأسرية والعائلية التي وجبَ مراجعتها وتجاوزها؟
أخيراً، وهو الأهم، ألم يحن الوقتُ لإجراء تعديلات جذرية وشاملة تنصفُ النساء وتضمنُ المساواة الفعليّة بين المرأة والرّجل؟
هذه الأسئلة تحاول مرايانا الإجابة عنها، لفهم التّصورات الملحّة والمطروحة اليوم على طاولة النّقاش المجتمعي بالمغرب.

مدونة بأثر “رجعي”؟ 

أقرّت الدولة المغربيّة، في شخص وزير العدل عبد اللطيف وهبي، بأنّ مدوّنة الأسرة بالفعل تحتاج إلى فتح نقاش جديٍّ لمراجعتها وتعديل بعض مُقتضياتها.

وهبي شدّد، خلال عرضِه مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل بلجنة العدل والتشريع بمجلس النواب بداية نونبر 2021، أن تعديل مدونة الأسرة يبقى من اختصاص الملك باعتباره أميرا للمؤمنين؛ إلا أن ذلك لا يمنع من اتّخاذ قرارات بشأنها وعرضها عليه.

نزهة الصقلي، وزيرة الأسرة والتضامن سابقاً، تقول إنه “من باب الموضوعيّة، لا ضير في التذكير أنّ التعديل الذي جرى سنة 2004، كان فعلاً ثورة هادئة على النّظم القَديمة، وبالأحرى، قفزة حقوقيّة مهمّة تلقّيناها بارتياح”.

تضيفُ المتحدثة: “حين سمعتُ خطاب الملك يوم 10 أكتوبر 2003، كنتُ برلمانية ورئيسة الفريق الاشتراكي في البرلمان. اعتبرتُ حينها أنّه بمثابة حلم يعاشُ في الواقع، وأنّ النّضالات آتت أكلها أخيراً، والتّجربة بيّنت أنّ ذات الشّعور كانت تتقاسَمه معي كثيرٌ من المُناضلات”.

أمّا الدستور المغربي الذي نص على المساواة بين الجنسين ومنع العنف وسموّ المواثيق الدولية على التشريعات الوطنيّة وملاءمة القوانين الوطنية مع مقتضيات الدستور، فقد كان خطوة عملاقة، بالنسبة للصقلي، سيما من حيث إقرار مبدأ المسَاواة ورفع كلّ أشكَال التّمييز ضدّ النّساء.

لكن هذا الأمر دفع الناشطات النسائيات والمتخصصين في قضايا النساء، إلى القول بأن الكثير من مقتضيات مدونة الأسرة، لا تعبر عن روح الدستور الجديد لسنة 2011، وبالتالي وجب تعديلها جوهريّا، لكي تكون هناك ملائمة بين هذا التّشريع ودستور المملكة، وفق الصقلي.

كما ترى الوزيرة السابقة أنّ مدونة الأسرة قانون لا يسايرُ التّطورات السوسيولوجية الطارئة في المُجتمع منذ عقد من الزّمن؛ فالفصل 32 من الدستور مثلاً، يعتبر أنّ “الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع. تعمل الدولة على ضمان الحماية الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية للأسرة، بمقتضى القانون، بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها”. نريد مدونة تساير العصر…

الخلية الأساسيّة في تقدير الصقلي، لا تعني الخليّة الوحيدة، ذلك أنه “هناك اليوم، أسر خارج إطار الزّواج، ولهم أطفال أيضاً؛ وهناك أسر خارج التّركيبة الكلاسيكيّة بين رجل وامرأة. هذا ما عاينتهُ في تجربتي. طبعا، يبقى الأمر بحاجة إلى دراسات سوسيولوجيّة وبحوث رسمية معمقة، لفهم مختلف التطورات التي همّت المجتمع المغربي وضرورة ملاءمتها مع مدونة أسرة جديدة”.

من جهة أخرى، تتقاطع الناشطة الحقوقية والرئيسة الشرفية لفدرالية رابطة حقوق الإنسان، فوزية عسولي، مع الصقلي فيما يخصّ ازدواجيّة المرجعيّة، إذ تارة هناك مواد من أحكام الفقه الإسلامي، وتارة مواد أخرى من القوانين الوضعية. كما أنّ هذه المدوّنة لا تراعي كونَ المغرب سحب تحفظه فيما يخصّ اتفاقيات القضَاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة، وصادَق على البروتوكول الاختياريّ المُلحق بهذه الاتفاقيّة.

وفق ما ذكرته عسولي في حديثها لمرايانا، فالحاجة العاجلة إلى التعديل تعَللُ بأنّ مدوّنة الأسرة هذه، لم يعد بوسعها، بصيغتها الحاليّة، أن تجدَ حلولاً عادلة لعديدٍ من الإشكَالات الأسريّة التي يعيشُها المغرب اليوم.

لوحظ، تقول عسولي، من خلال شهادات ووقائع وأحكام قضائيّة أنّ “هناك اختِلالات في تّنزيل مقتضيات المدونة، إذ اصطدمت برؤية محافظة في تأويل القوانين. وهو ما جعلها تُؤتي نتيجة عكسيّة تعمّق التّفاوتات بين الرّجل والمرأة. مع الإشارة أنّنا نعيشُ داخل مخاض دولة اجتماعيّة، بكلّ ما تحمله من رهانات، ولا يعقل أن نستمر بنفس التشريعات التي كانت، ربّما، صالحة، بينما اليوم باتت مجحفة ومضرّة بالنّساء والأطفال”.

تجملُ عسولي أنّ التّعديل ملحّ لكون هذه المدوّنة، بعد كلّ هذا الزمن من اعتمادها، بيّنت أنّ المُشرع لم يحسم مع الفكر الذكوريّ بصفة قطعيّة. حافظ، بشكل ما، على جوهر “القوامة”. لكن هذه المرّة، تحضُر القوامة في شخص المجتمع، بحيث لا يتمّ الاعتراف للمرأة بحقوقها الكاملة، ويبقى الذّكر متفوّقا دائمًا، فليسَت هناك مساواة شاملة. وفي هذا النص القانوني، أبقى المشرع على التّعدد وتزْويج القاصرات، كما أنه ركز على أنّ الوِلاية الشرعية للأطفال هي من حق الزوج فقط، ولازالت هناك مشكلة في ثبوت النسب، لأنه لا يعتمد ADN.

مدوّنة تحتضنُ “بيدوفيليا مقنّعة”؟ 

هناك شبه إجماع اليوم، على أنّ من أهمّ ثغرات مدوّنة الأسرة الحاليّة أنّها تسمحُ بتزويج القاصرات والقاصرين.

في هذا الصدد، تنصّ المادة 19 من مدونة الأسرة المعمول بها اليوم، على أنه: “تكتمل أهلية الزّواج في إتمام الفتى والفتاة المتمتعين بقواهما العقليّة ثمان عشرة سنة شميسة”.

لكن المعضلة أنّ المادة 20 تأتي لتنصّ على أنه “لقاضي الأسرة المكلّف بالزواج، أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون سن الأهلية المنصوص عليه في المادة 19 أعلاه بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي. مقرر الاستجابة لطلب الإذن بزواج القاصر غير قابل لأي طعن”.

بلغة الأرقام، قال الحسن الداكي، رئيس النيابة العامة، السنة الماضية إنّه، حسب الإحصائيات والتقارير الرسمية، لوحظ أنّ محاكم المملكة لازلت تتوصل بزخم من طلبات الإذن بزواج القاصرين. بحيث ورد على النيابة العامّة زهاء 19926 طلبًا صدر بشأنها 13335 إذناً بالزواج، سنة 2020، وفق ما جاء في تقرير رئاسة النيابة العامة لسنة 2020.

هذه المادّة وهذا الواقع وهذه الأرقام، هي محطّ نقاش اليوم، لما تتضمّنه من “تدمير للطّفولة” و”تسبُّبٍ في الهدر المدرسيّ” وآفات أخرى كثيرة.

لذلك، تعتبرُ فوزية عسولي أنه، “حين تركَ المشرّع الاستثناء، أصبح قاعدة في التّطبيق، وهو ما جعلنا نرى مئات الضّحايا اللائي تم تزويجهنّ في سن مبكّرة”. مؤسسة إيطو كانت قد نظمت، في مارس 2022، معرضا خاصًّا برسومات أطفال من مختلف مناطق المغرب، حول معضلة تزويج الصغيرات؛ وقد أجرينا، في مرايانا، حوارا مع رئيستها، نجاة إخيش، بخصوصه.

أمّا الصّقلي فترى أن تزويج القاصرات هو بيدوفيليا مقنّعة، مؤكّدةً أنه زواج يقع خارج إطار القانون في معظم الحالات (يتمّ بالفاتحة فقط). هناك من يسميه زواج الإكراه أو الإجبار، وهو، رغم كلّ ما قد نقوله بشأنه، يبقى تسمية قريبة للواقع؛ فالفتاة التي ستتزوج في عمر صغير، لن تستوعب ماهية الزواج، وما تطرحه مخاطر الحمل المبكر.

الطفلة القاصر “التي يتم تزويجها”، لن تفهَم أنّ وضعيّة المتزوّجة ستفاقمُ هشاشة وضعها، لأنها لن تكون مستقلة ماديًّا، فضلاً عن تركها المدرسة وكلّ ما من شأنه أن يضمن كرامتها ومستقبلها.

أكثر من ذلك، فإنّ الحالات التي تستثنيها المادة 20، تعتبرها الصقلي علامةً على مفارقة غريبة ومفضوحة مع القانون الجنائي، حيثُ ينصّ الفصل 475 من القانون الجنائي على أنه: “من اختطف أو غرر بقاصر تقل سنه عن ثماني عشرة سنة من دون استعمال عنف، ولا تهديد، ولا تدليس، أو حاول ذلك، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم”.

الزّواج بالفاتحة ليست فيه متابعة، والفاتحة كعرف وكتَقليد أصبحت مطيّة للتحايل على القانون لتزويج القاصِرات. لذلك، لابد من صياغة عقوبات زجرية داخل المدونة ومنع تزويج القاصرات بشكل قطعي لمن هم دون سن الثامنة عشرة لكلا الجنسين ودون استثناءات.

من ناحية أخرى، تعتقد فوزية عسولي أنه، “قبل الوصُول إلى الزّجر، يجب أن نتساءل لماذا تلك الفتاة ليسَت في المدرسة أصلاً؟ فلا يمكن التفكير في تعديلات قانونية دون تغيير تصورات مجتمعية وأفكار من بنات الثقافة.

وتضيفُ عسولي: علينا أن ننسف نظرة عقليّات أصبحَت متجاوَزة في واقع اليَوم. كلّ شيء مترابط، وكلّ مشكل مجتمعيّ يقودك إلى آخر قانوني وسياسي. الحلّ هو التفكير في رؤية جديّة حقيقيّة وفي سياسات عمومية مترابطة تنصف كلّ شرائح وفئات المُجتمع.

يبدو واضحًا، إذن، أن المشكل ليس في زواج الفاتحة بحدّ ذاته، بل في القانون المزدوج الذي يسمحُ بتوثيق عقود الزواج باسم الاستثناء. كما يتضح أنّ الزجر مهم وأساسي، ولكنه ليس هو المطلوب وحده حين يتعلق الأمر بملف تزويج القاصِرات.

ومع ذلك، يبدو مؤكدًا أن التعديل مسألة وقت فقط؛ ذلك أنّ العصرَ لم يعُد يحتمل أيّ ظلم باسم القانون.

في الجزء الثاني، نتابع بعض المطالب المرفوع تعديلها أيضاً.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *