×
×

التصوف الفلسفي في الإسلام: الموقف من الشّريعة ومن الخلافة وموقف الجابري من التّصوف 3\3

ما دام الصوفية يأخذون بالباطن دون الظاهر، فمعنى ذلك أنهم لا يعترفون بغير “الحقيقة” التي هي الأصل للشريعة. وهذه “الحقيقة” هي الله.

رأينا في الجزء الأول من هذا الملف، نشأة التصوف وتطوره عبر عدة مراحل، وعاينا في الجزء الثاني الأساس الأيديولوجي للتصوف النظري ومحاولته سحب بساط التأويل من القراءة “الرسمية” الأحادية للنص الديني.

في هذا الجزء الثالث والأخير، نقدّم، باقتضاب، لمحة عن محاولة المتصوفة تجاوز الشريعة في أفق تهذيب الخلافة، القائمة أساساً على الشّريعة.

لهذا الغرض، سنعتمد بشكل أساسيّ على مخلصات المفكر حسين مروة، في مشروع النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، خصوصاً المجلد الثالث الذي يتضمنُ تفكيكاً معمقا للتّصوف الإسلامي منذ بدايته.

التصوف… نحو موقف من الشريعة!

بالنسبة لحسين مروة، يتحدد موقف التّصوف الفلسفي من الشريعة بموقفه من نظرية المعرفة ذاتها، بعد أن اتخذ مفهوما للمعرفة (معرفة الله ووحدانيته) يصل بين الله والإنسان مباشرة بطريق “المشاهدة” الباطنية.

المقصود هنا أن الوساطة يتم إلغاؤها بين الله والإنسان، حتى وساطة الوحي والنبوة. وقد خرج هذا الموقف على فكرة التجريد المطلق لمعنى التوحيد التي يأخذ بها الإسلام الرسمي آيامئذ، والتي تفصل الله عن الإنسان فصلا حاسماً بتنزيهه المطلق عن أن تكون للإنسان إرادة مع إرادته، أو أن تكون للإنسان قدرة على إدراك وحدانيته[1]

كانت النتيجة، وفق مروة، أن خرج المتصوّفة عن فكرة الوسائط، أو على فكرة التّجريد المطلق لمعنى التوحيد، خروجاً، بالضّرورة، على الشّريعة أو إلغاء لها كوسيط بين الله والإنسان؛ لأن التجربة الصوفية من شأنها أن تلغي الحاجة إلى هذا الوسيط ما دامت هي بذاتها وبجوهرها، كما يعني مفهومها للمعرفة، تجربة اتصال مباشر… فما الذي يجعلها في حاجة إلى الوسيط؟

يسجّل حسين مروة، أنّ ثمّة تناقضاً في موقف الصوفية من الشريعة. فهم، بناءً على نظريتهم في المعرفة، يرفضون الشريعة كوسيط لعلاقة الإنسان مع الله، لكنّهم بالمقابل يسلّمون بالنصوص التي تتضمنها، ويبذلون قصارى الجهود في تأويل هذه النصوص نفسها.

ليس من معنى للعمل بالتأويل إذا لم يكن اعترافا بالنص الذي يعالجه التأويل.

هذا التناقض قائم فعلاً، إلاّ أنّ حدّته تتقلص حين ندرك أن الصوفية كانوا محكومین، موضوعياً، بواقع لا يمكنهم الانسلاخ عنه تماماً، هو كون الإسلام منطلقاً وإطارا لتفكيرهم ولسلوكهم معا، كما تابعنا في الجزء الثاني من هذا الملف.

يقرّر مروة أنّ هذه النقطة بالذات، توضح اتخاذهم التأويل كوسيلة للتعبير عن رفض الشريعة عبر الاعتراف بها. وذلك، في المحصلة، تناقض شكلي، على اعتبار أن “مفهوم التأويل عند الصوفية هو بذاته مفهوم نظرية المعرفة عندهم، فهو قائم على ثنائية شكلية بالتّبعة، ولعلها ثنائية الظاهر والباطن، التي تعني ثنائية الشريعة والحقيقة: الظّاهر هو الشّريعة، والباطن هو الحقيقة.

ما دام الصوفية يأخذون بالباطن دون الظاهر، فمعنى ذلك أنهم لا يعترفون بغير “الحقيقة” التي هي الأصل للشريعة. وهذه “الحقيقة” هي الله. [2]

مسعى الغوص في ثنائية الظاهر والباطن، أي ثنائية الشريعة والحقيقة، لم تكن إلا مسلكاً هم محكومون به موضوعياً، لرفض هذه “الثنائية”… فليست “المسألة، إذن، عند الصوفية، هي الحاجة أو عدم الحاجة إلى الظاهر، أي الشريعة، بل المسألة، بجوهرها، مسالة رفض للأساس الذي قام عليه مفهوم الوحدانية في الإسلام “الرسمي” نفسه، والذي حدد طبيعة العلاقة بين الله والإنسان بكونها علاقة انفصال مطلق”.

ولا غرابة في أن تحديد هذه العلاقة على هذا النحو، كان تحديدا لطبيعة الإسلام “الرّسمي” نفسه بأنه هو الظاهر وحسب، أي الشريعة، كوسيط بين منفصلين.

هذا الواقع يقود، عملياً، إلى أن ما يمكن أن يسمى “باطناً” في الإسلام الرسمي، إنما هو “باطن” للشريعة نفسها، أي أن “تأويله” يجب أن يخضع لأحكامها أولا وأخيرا. [3]

في أفق… تهذيب الخلافة!

الواضح أن الصوفية يجتهدون في مسعى هدم الجدار “الرسمي” الفاصل بين الله والإنسان. وبما أن الشريعة هي ذلك الجدار الفاصل بشكل قاطع، فقد كانت هي المستهدف الحقيقي لهم، لأنها هي نفسها ذلك الأساس الذي قام عليه المفهوم الرسمي للتوحيد، ليكون هو المحدد لطبيعة الإسلام، أي كونه شريعة تنظم العلاقة بين رأس الدولة الخليفة والمجتمع الذي يحكمه، على مثال العلاقة بين الله والإنسان.

الشريعة تبقى على مفهومها الميتافيزيقي التنزيهي المطلق في نظرية الألوهية، كما تحافظ على المفهوم ذاته في نظرية الخلافة، فالخليفة من حيث هو “ظل الله في الأرض”، يتمتع بالوحدانية “المنزهة إطلاقاً في سلطته وإرادته المفترضةِ الطّاعة على المجتمع الإسلاميّ بشكل مطلق، على مثال التصور المفترض عن وحدانية الله وتنزيهه دون حدود”. [4]

حتى لو كان العكس هو الأساس في الواقع، أي أن تصور الوحدانية الإلهية المتعالية كلية عن الإنسان والكون، جاء على مثال الواقع الاجتماعي في نظام مجتمع الخلافة،ونقل الصورة من هذا الواقع إلى عالم الميتافيزيقا، قد جعل النّظام الاجتماعي “الخلافي” يتمتع بالحصانة الدّينية الرّادعة للشّبهات الفكرية وللانتفاضات والثّورات الاجتماعية. [5]

يذهب حسين مروة إلى أنّ الصوفية، حين أخذوا بنظرية المعرفة على الطريقة العرفانية، أي معرفة الله مباشرة دون وساطة، كان ذلك هو الوجه الفلسفي لمحاولتهم هدم الجدار الفاصل بين الله والإنسان.

بينما هذا لم يكن هدفا لذاته، وإنما الهدف الأبعد، أو الدافع الكامن في أساس المحاولة، هو هدم الجدار الفاصل بين الإنسان والإنسان، أي بين إرادة الحاكم المطلق (الخليفة) وإرادة الناس المحكومين. [6]

ولا غرو أن يكون هذا الجدار هو النظام الاجتماعي المتمثل بالشريعة. إذ هذا هو الذي منح الحاكم إرادته المطلقة وأحاطه بحصانة إلهية تمتنع امتناعاً مطلقا على إرادة المحكومين ومداركهم.

… وهو ما دفع المتصوفة إلى وضع مفهوم آخر للوحدانية.

لكن… نسجل في النهاية، أنّ محمد عابد الجابري عدّ التصوف الإسلامي في خانة اللامعقول؛ وذلك من خلال نعته بالعقل المستقيل العاجز عن تقديم معرفة نقدية علمية عمليّة، معتبراً إياه عرفاناً تعود أصوله إلى الهرمسيّة والفلسفة الغنوصيّة.

من جانبه، يردّ محمد بن عمارة، الباحث في التراث الصوفي، على الجابري معتبراً أنّ هذا الحكم الإطلاقي من قِبل الجابري، فوَّت عليه قراءة معرفية متأنية، تنطلق من فهم معياري لمصطلحات ومفاهيم وتجارب المتصوفة، بدل التّعرض للتصوف من باب كتابات أحوال المتصوفة.[7]

الجابري، في نظر الباحث في التراث الصوفي، لم يعمد في مقاربته للتراث الصوفي إلى سلوكيات وقيّم التسامح التي دعا إليها المتصوفة، بل راح يتبع التجارب الروحانية التي مرّ بها بعض المتصوفة في مقاماتهم، تجارب قام الجابري بمحاكماتها وٍفق منظوره الخاص؛ وذلك بنقلها من سياقها إلى سياقه، أو من خلال مقارنتها بالأنظمة المعرفية الأخرى (البيان والبرهان).[8]

بغضّ النظر عن كون عقل المتصوفة مستقيلاً من عدمه، فإن الذي ينبغي أن يُلتقطَ هو الأساس السياسي الفكري الأيديولوجي للتصوف، والذي “ناكف” القراءة الرسمية للنص الديني، ودعا إلى التسامح وتقبل الآخر ونهج الحبّ في العلاقة بين الإنسان والإنسان وهدم مفهوم الخوف والعقاب… وهو ما تمخض عنه، في المحصلة، احترام الآخر… وتقبّله!

هوامش:

[1]مروة حسين، النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، المجلد الثالث، دار الفرابي، الطبعة الثانية 2008.

[2]المرجع نفسه.

[3]نفسه.

[4]نفسه.

[5]نفسه.

[6]نفسه.

[7]محمد بن عمارة، عن ورقته البحثية :المقاربات الحداثية للتراث الصوفي العربي (محمد عابد الجابري نموذجا)

[8]المرجع نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *