×
×

فرنسا في إفريقيا: في انتظار تحرير القارة من القمع النقدي الفرنسي (الحلقة السابعة/ الأخيرة)

بينما يحاول الأفارقة توحيد جهودهم من أجل اعتماد عملة موحدة، بديلة لفرنك المستعمرات الفرنسية سيء السمعة، تعمل فرنسا، رفقة بعض حلفائها، على تحويل الأمر إلى مجرد عملية تجميل فاشلة.
فرنسا تعمل، بحسب الكثير من الخبراء الأفارقة، على سحق مطالب الاستقلال النقدي للقارة، واستغلال مشروع العملة الموحدة، من أجل إعادة البلدان الأفريقية إلى استخدام نفس عملات الاستعمار.

رأينا في الحلقات الأولى، الثانية، الثالثة، الرابعة والخامسة، كيف قامت فرنسا بتأبيد استعمارها لإفريقيا، وكيف حولت ثرواتها وأموالها إلى ما يشبه حافظة نقود فرنسية تستخدمها باريس دون خجل، وكيف واجهت مطالب التحرر الإفريقي، خصوصا منه الاقتصادي، بتاريخ طويل من الانقلابات والاتفاقيات غير العادلة.

وتوقفنا في الحلقة السادسة عند “كذبة أبريل الفرنسية”، التي يروج لها ماكرون، من خلال مشروع يدعو، شكلا، إلى إنهاء وجود الفرنك الاستعماري الفرنسي… ويحافظ، مضمونا، على الاستعمار الفرنسي الاقتصادي للقارة.

عكس ما تريده باريس، من ربط العملة الإفريقية باليورو، وإبقاء تبعيته للخزانة والبنك المركزي الفرنسي، ترغب نيجيريا وغانا – القوتين الاقتصاديتين الكبيرتين في منطقة (Cedeao ــ المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا) وكل القارة، في الانفتاح على الصين وربط العملة الإفريقية المستقبلية بالين.

إلى جانبهما، لا يبدو أن غينيا بدورها تنظر بكثير حماس إلى تدخل فرنسا في مشروع العملة الموحدة لمنطقة Cedeao.

فكرة عملة موحدة لمجموع دول (Cedeao)، كانت واحدة من أهم أسس خلق هذا التكتل الاقتصادي سنة 1975، وقدمتها الدول الخمس عشر، سنة 1983؛ غير أنها لم تتحقق حتى الآن، بسبب الافتقار إلى الإرادة السياسية للاتفاق على التفاصيل المالية والإجراءات الواجب اتخاذها.

بالنظر إلى أن المنطقة يبلغ مجموع سكانها 356 مليون نسمة، وتحقق ناتجا محليا إجماليا يزيد عن 817 مليار دولار (70 في المائة منه تحققه نيجيريا)، فإن خلق عملة مشتركة بالمنطقة، سيجعل من Cedeao، القوة الاقتصادية الثامنة عشرة في العالم، متقدمة على كل من تركيا وسويسرا والمملكة العربية السعودية.

مع ذلك… لا تزال 8 عملات مختلفة تتداول في المنطقة، مما يعطل الطموح الأصلي للتكامل الاقتصادي والسياسي.

لمعالجة هذا الوضع الحرج، أعلن رؤساء دول المجموعة، في 29 يونيو 2019، عن الإنشاء “التدريجي” للاتحاد النقدي. لكن، خلال المفاوضات المكثفة التي جرت في الأشهر الأخيرة، كررت نيجيريا وغانا الطلب إلى قادة البلدان الإقليمية الناطقة بالفرنسية (خصوصا الغنية منها: الكوت ديفوار والسنغال) بـ “قطع الحبل السري مع فرنسا”، وهو شرط تعتبره نيجيريا وغانا ضروريا لخلق عملة مشتركة جديدة ومستقلة فعلا. من جهة أخرى، انتقل الرئيس الإيفواري الحسن واتارا ونظيره السنغالي ماكي سال، من مدافعين متحمسين عن الفرنك الاستعماري FCFA، إلى مدافعين قويين عن عملة (eco) الموحدة، ولكن… في نسختها الفرنسية.

الناشطة السويسرية/ الكاميرونية، ناتالي يامب، قالت خلال المنتدى الاقتصادي الروسي ــ الأفريقي الذي انعقد في سوتشي في أكتوبر 2019: “نحن نريد إلغاء الفرنك الاستعماري الفرنسي FCFA ، لكن باريس، بتواطؤ مع أتباعها الأفارقة، تريد إدامته تحت اسم عملة (eco)”.

بعد شهرين على تصريحها هذا… تم طردها من الكوت ديفوار، حيث كانت تشغل منصب المستشارة التنفيذية لمامادو كوليبالي، المرشح للانتخابات الرئاسية ضد واتارا.

الانتقادات الموجهة لعملية “التجميل”، التي تريد فرنسا إجراءها للفرنك الاستعماري، لا تقف فقط عند البعد الاقتصادي، بل تتجاوزه إلى الرمزية السياسية لهذا “الإصلاح الزائف”.

الاقتصادي وعالم الاجتماع الكاميروني “Martial Ze Belinga”، هو أحد المشاركين في تأليف كتاب:

?Sortir l’Afrique de la Servitude monétaire. A qui Profite le franc cfa  ــ  تحرير إفريقيا من العبودية النقدية. من يستفيد من فرنك CFA؟

الكتاب، يتناول بشكل دقيق، كيف حددت مجموعة كبيرة من الخبراء الأفارقة، هدف “تحرير القارة من القمع النقدي وفخ الفرنك الاستعماري CFA”، ويركز فيه “Martial Ze Belinga” على التغيير في اسم العملة، حيث يقول:

“على ماذا يحيل مصطلح ” eco” في حياة الناس اليومية؟ على لا شيء، لا شيء على الإطلاق… فقط على كونه شكلا من أشكال التقليد أو التماهي مع اليورو. هناك مشكلة حقيقية في الإبداع: غياب الخيال الإفريقي”.

في الجانب المقابل، لا ينقص فرنسا الخيال، التي غيرت التسمية، في فترة ما بعد الاستعمار، من “فرنك المستعمرات الفرنسية في إفريقيا  FCFA” إلى “فرنك المجتمع المالي الأفريقي FCFA“، دون الحاجة حتى إلى تغيير الأكرونيم (FCFA).

الغريب، اليوم، أنه تم تفضيل الاسم eco على المصطلحات المحلية الأخرى، فقط لسهولة نطقه باللغتين الفرنسية والإنجليزية…

المحلل الاقتصادي الكاميروني Martial Ze Belinga لا يخفي تخوفه من أن تكون وراء إعادة الهيكلة الحالية، إرادة لسحق مطالب الاستقلال النقدي للمجتمع المدني الأفريقي؛ إذ يقول:

“يكمن الخطر، في استغلال مشروع Cedeao هذا لإفشاله، وبالتالي القضاء على الفكرة المؤسسة له، لإعادة البلدان الأفريقية إلى استخدام نفس عملات الاستعمار”.

في النهاية… وكما بدأنا هذه السلسلة، نختمها…

لا يبدو أن لدى فرنسا الـ “حرية، إخاء، مساواة”، مجرد النية في رفع يدها عن ثروات قارة، تحولت منذ زمن، إلى مجرد حافظة نقود، تمتد لها أيادي الرؤساء والحكومات والشركات والساسة الفرنسيين، لتسرقها علانية… وباسم القانون.

فرنسا، بيمينها ويسارها، وبمثقفيها الذين يجيدون إعطاء دروس الديمقراطية والحرية، لا تبدو اليوم، قابلة لمجرد التفكير في إنهاء استعمارها الهمجي… لقارة تضخ أموالها في خزائن باريس، وتعيش على مساعدات فرنسا!!

الحلقة الأولى: فرنسا في إفريقيا… دولة تسرق قارة 

الحلقة الثانية: فرنسا في إفريقيا: نهب الثروات أو…الاغتيال والانقلابات

الحلقة الثالثة: فرنسا في إفريقيا: نظام الرعب… و اتفاقيات تقنين السرقة 

الحلقة الرابعة: فرنسا في إفريقيا: قارة تحت حكم العسكر… الفرنسي 

الحلقة الخامسة: فرنسا في إفريقيا: الثروة والفقر في القارة… والأثرياء في باريس

الحلقة السادسة: فرنسا في إفريقيا: مع ماكرون… نهاية فرنك المستعمرات. كذبة أبريل فرنسية

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *