×
×

فرنسا في إفريقيا: قارة تحت حكم العسكر… الفرنسي (الحلقة الرابعة)

فرنسا متورطة في أكثر من 40 تدخلا عسكريا في مختلف أنحاء القارة، تمت في الغالب، تحت مظلة اتفاقيات الدفاع العسكري التي تجمعها بهذه الدول. الاتفاقيات التي تصدر جميعها عن… “اتفاقيات الاستقلال (الصوري)” الذي فرضته فرنسا على مستعمراتها.
القارة الإفريقية، تحولت عمليا، إلى “موطن” لوحدات عسكرية فرنسية دائمة، يقدر تعدادها بأكثر من 5 آلاف عسكري، منتشرين عبر قواعد وحاميات في مختلف أنحاء القارة، من جيبوتي إلى الغابون والنيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى…

تابعنا في الحلقات الأولى، الثانية والثالثة، كيف عملت فرنسا منذ زمن، على عدم القطع مع تواجدها الاستعماري بإفريقيا، وكيف وضعت اتفاقيات و”قوانين” تشرعن للكثير من عمليات استغلال ثروات القارة، وكيف واجهت كل مشاريع التحرر والاستقلال عنها، بكثير من العنف والانقلابات.

فرنسا الـ (حرية، مساواة، إخاء)… لم تتعامل بهذا المنطق مع الأفارقة فقط. لم تحول الأفارقة فقط، إلى حافظة نقود تستخدمها وتستغلها خارج كل أبجديات القيم والأخلاق…

فرنسا استغلت دائما ضحاياها، واستولت على ثرواتهم.

مثلا…قبل إفريقيا، فرضت “البلطجة” الفرنسية على دولة فقيرة وضعيفة اسمها هايتي، أن تؤدي لها مبلغا يعادل اليوم حوالي الـ 21 مليار دولار.

هايتي… كانت ملزمة بتسديد هذا المبلغ، انطلاقا من 1804 إلى غاية 1947، لكن…

هل تعرفون سبب هذه الإتاوة التي فرضتها فرنسا على هايتي؟

السبب مقزز… ومقرف.

فرنسا طالبت هايتي بأداء هذا المبلغ، على مدار حوالي قرن ونصف من الزمن (من 1804 إلى 1947)، كتعويض عن الخسائر التي رأت فرنسا أنها لحقت تجار العبيد الفرنسيين، عقب إعلان هايتي عن تجريم وإلغاء العبودية، وتحرير العبيد.

فرنسا الـ (حرية، مساواة، إخاء)… لم تجد في كل ملف تحرير العبيد ومساواتهم بالبشر، إلا وسيلة أخرى لنهب ثروات بلد.

السؤال هنا:

إذا كانت هايتي سددت الإتاوة التي فرضتها عليها فرنسا، خلال قرن ونصف من الزمن، ترى… كم قرنا سيتطلبه أداء المستعمرات الإفريقية للديون والإتاوات المفروضة عليها؟

… في انتظار الإجابة على هذا السؤال، نواصل النبش هنا، في بعض تفاصيل الفظائع الفرنسية في إفريقيا.

… فرنسا، تحكمت منذ زمن طويل في ما أسمته (Françafrique)، أي في تلك المساحات الشاسعة من دول إفريقيا، التي استعمرتها ذات زمن، والتي لازالت تتحكم فيها إلى اليوم، تمارس فيها نفوذا وتأثيرا كبيرين على المستوى السياسي، الاقتصادي والعسكري. تأثير…. تمارسه فرنسا بكل الوسائل والطرق، بالانقلابات، بالتحكم في الاقتصاد… وبتكوين “نخب” فرانكفونية مرتبطة بالمصالح الفرنسية ومدافعة عنها.

على عكس كل القوى الاستعمارية القديمة، لم تقطع فرنسا قط، علاقة الاستعمار الذي ربطها بدول إفريقية. ظلت باريس في النهاية، بيمينها ويسارها، تصر دائما على إخضاع المستعمرات الإفريقية، وربطها بفرنسا سواء من حيث فرضها للــ (FCFA) أو ما يسمى بـ “فرنك المستعمرات الإفريقية الفرنسية”، أو من حيث التدخل في التطورات السياسية.

الحرص الفرنسي على الثروة القادمة من إفريقيا إلى خزائن باريس، سيتضح أكثر، مع القرار الذي اتخذته فرنسا بإزاحة القدافي، والتدخل المباشر في النزاع الليبي، وما تلا ذلك من دعم واضح ومكشوف للجنرال حفتر، والنتائج الدموية التي لازال يفرزها هذا التدخل، والذي لا عقيدة له سوى… عقيدة الدفاع عن المصالح.

التدخل الفرنسي، لم يقف فقط عند حدود ليبيا… فرنسا لازالت تتدخل، وسط نوع من الصمت العالمي، في العديد من دول القارة.

حجم التأثير الفرنسي في إفريقيا مخيف وفظيع… ففرنسا متورطة في أكثر من 40 تدخلا عسكريا في مختلف أنحاء القارة. القارة الإفريقية بالنسبة لفرنسا، هي مجرد حديقة خلفية… مجرد حافظة نقود.

طبعا… للتغطية على تدخلاتها في الدول الإفريقية، ترفع فرنسا دائما ورقة اتفاقيات الدفاع العسكري التي تجمعها بهذه الدول. الاتفاقيات التي تصدر جميعها عن… “اتفاقيات الاستقلال (الصوري)” الذي فرضته فرنسا على مستعمراتها.

اتفاقيات، استغلتها فرنسا دائما للتدخل في المصائر السياسية لدول، وللدفاع عن أنظمة موالية لباريس.

واحد من الأمثلة هنا، كنا قد أشرنا إليه بعجالة، في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.

يتعلق الأمر بالتدخل العسكري الفرنسي في الكوت ديفوار.

محاولة الانقلاب على الرئيس السابق “لوران غباغبو”، والذي تمت تبرئته بداية 2019 من طرف المحكمة الجنائية الدولية، من كل التهم المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية…

التدخل العسكري في كوت ديفوار لم يكن من أجل الديمقراطية ولا الحرية و… كان فقط، من أجل الحفاظ على مصالح فرنسا في هذا البلد، والذي فهمت باريس أنها قد تصبح مهددة فيه مع “غباغبو”.

الكوت ديفوار لم تكن آخر الحكاية ولا بدايتها. قبلها… تدخلت فرنسا عسكريا في:

1ــ الغابون

2ــ الطوغو

3ــ موريتانيا

4 ــ مالي

5 ــ تشاد

6 ــ جمهورية إفريقيا الوسطى

7 ــ رواندا

8 ــ جزر القمر

… إضافة طبعا، إلى تدخلات عديدة أخرى، سواء كانت بلباس عسكري، أو بزي سياسي.

القارة الإفريقية، إضافة إلى كل ما سبق، تحولت عمليا، إلى “موطن” لوحدات عسكرية فرنسية دائمة، يقدر تعدادها بأكثر من 5 آلاف عسكري، منتشرين عبر قواعد وحاميات في مختلف أنحاء القارة، من جيبوتي إلى الغابون والنيجر وجمهورية إفريقيا الوسطى…

تواجد عسكري تضاعف بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، عن طريق ورقة “مكافحة الإرهاب” في مناطق متعددة، من قبيل: مالي، النيجر، بوركينافاسو، وموريتانيا. لكن هنا أيضا، يقول عدد من المشككين في الرواية الفرنسية، إن هذه التدخلات تقوم في الأساس، ليس على مكافحة الإرهاب، ولكن فقط… من أجل الحفاظ على المصالح الفرنسية بالمنطقة، وضمان الوصول إلى استغلال ثرواتها الطبيعية.

ثروات طبيعية، تشمل اليورانيوم، الذهب، البترول…

وهذا ما سنقتفي أثره في الحلقة المقبلة من هذه السلسلة.

 

الحلقة الأولى: فرنسا في إفريقيا… دولة تسرق قارة 

الحلقة الثانية: فرنسا في إفريقيا: نهب الثروات أو…الاغتيال والانقلابات

الحلقة الثالثة: فرنسا في إفريقيا: نظام الرعب… و اتفاقيات تقنين السرقة 

الحلقة الخامسة: فرنسا في إفريقيا: الثروة والفقر في القارة… والأثرياء في باريس

الحلقة السادسة: فرنسا في إفريقيا: مع ماكرون… نهاية فرنك المستعمرات. كذبة أبريل فرنسية

الحلقة السابعة/الأخيرة: فرنسا في إفريقيا: في انتظار تحرير القارة من القمع النقدي الفرنسي 

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *