×
×

فرنسا في إفريقيا… دولة تسرق قارة (الحلقة الأولى)

لا يبدو أن لدى فرنسا الـ “حرية، إخاء، مساواة”، مجرد النية في رفع يدها عن ثروات قارة، تحولت منذ زمن، إلى مجرد حافظة نقود، تمتد لها أيادي الرؤساء والحكومات والشركات والساسة الفرنسيين، لتسرقها علانية… وباسم القانون.
فرنسا، بيمينها ويسارها، وبمثقفيها الذين يجيدون إعطاء دروس الديمقراطية والحرية، لا تبدو اليوم، قابلة لمجرد التفكير في إنهاء استعمارها الهمجي… لقارة تضخ أموالها في خزائن باريس، وتعيش على مساعدات فرنسا!!
وهذه… بعض تفاصيل الحكاية. حكاية سرقة.

هشام روزاق
هشام روزاق

… سنة 1958، حين قرر رئيس غينيا أحمد سيكوتوري “التحرر” من الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية، والتوجه نحو استقلال بلاده، دخلت النخبة الاستعمارية الفرنسية في باريس، في حالة غضب قصوى… وقررت الرد.

بحركة واحدة… حركة غير أخلاقية وغير منسجمة مع شعارات الحرية والمساواة والإخاء التي لازال بعض قادة فرنسا يستخدمونها إلى اليوم، قررت الإدارة الفرنسية حينها، تدمير غينيا…

قرر الفرنسيون تدمير كل ما اعتبروه، “فوائد الاستعمار الفرنسي في غينيا”.

صدرت الأوامر حينها، بإجلاء 3 آلاف فرنسي من غينيا. 3 آلاف فرنسي/مستعمر غادروا البلاد و… أخذوا معهم، كل ما يستطيعون حمله… ودمروا كل شيء.

دمروا كل شيء لم يستطيعوا حمله معهم. دمروا كل العقارات غير المنقولة… دمروا المدارس، المصحات، بنايات الإدارة العامة… دمروا السيارات، الكتب، وسائل ومعدات عمل مؤسسات البحوث… حتى الجرارات والآليات الفلاحية.

حتى الخيول والأبقار والحيوانات في المزارع تم قتلها.

… حتى المواد الغذائية في المخازن تم حرقها أو تسميمها.

الهدف من كل هذه الهمجية؟

الهدف كان بسيطا وواضحا: بعث رسالة واضحة لكل المستعمرات الفرنسية في إفريقيا، أن ثمن الحرية… ثمن التحرر من فرنسا، سيكون باهظا.

شيئا فشيئا، وصلت الرسالة الفرنسية إلى الأفارقة. الخوف من الهمجية… من الانتقام الفرنسي، سيطر على الكثير من النخب الإفريقية…

بعد همجية غينيا… لم يجد أحد ما يكفي حينها من شجاعة، كي يتبع خطى أحمد سيكو توري، الذي كان شعاره حينها: “Nous préférons la liberté dans la pauvreté à la richesse dans l’esclavage”، بما معناه: “نفضل الحرية في الفقر على الثراء في العبودية”.

ردة الفعل الفرنسية، الهمجية والقاسية ضد غينيا، كانت في النهاية مجرد قرار أبلغته فرنسا لكل مستعمراتها في إفريقيا. قرار يقول ببساطة: فرنسا لن تغادر إفريقيا، والاحتلال الفرنسي… سيستمر.

كان الأمر يتعلق فقط برسالة أبلغت بها فرنسا الأفارقة، مفادها أن بلد “حرية، مساواة، إخاء”، قررت أن تظل مستعمرة، وأن تستمر في “الاستيلاء” على الثروات الإفريقية… وهذا ما سيحدث، وسنراه في تفاصيل هذه السلسلة.

لكن، قبل ذلك، سنتوقف عند بعض تفاصيل البدايات.

بعد قرار “أحمد سيكو توري” الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، وبعد ردة الفعل الفرنسية، وحالة الخوف التي سادت النخب الإفريقية حينها، سيحاول رجل آخر البحث عن حل…

يتعلق الأمر بـ “سيلفانوس أوليمبيو”، أول رئيس لجمهورية الطوغو.

هذا الرجل سيجد حلا هو، في النهاية، نوع من “التوافق” مع الفرنسيين. “سيلفانوس أوليمبيو”، لم يرد أن تستمر فرنسا في احتلال بلده، ولأجل ذلك… رفض بشكل قاطع، توقيع اتفاقية مع “الجنرال دوكول” تضمن لفرنسا … الاستمرار في احتلال البلاد.

في المقابل، سيتوصل “سيلفانوس أوليمبيو”، إلى اتفاق مع فرنسا…

اتفاق، يقضي أن تؤدي الطوغو لفرنسا، كل سنة، مستحقات مالية (أو لنقل، إتاوة)، مقابل ما أسماه الفرنسيون: “الفوائد التي حصلت عليها الطوغو بفضل الاستعمار الفرنسي لها”.

بمعنى آخر… فرنسا التي استعمرت الطوغو لعقود طويلة، والتي “استولت” ونهبت ثروات هذا البلد، طيلة هذه العقود، “ستغادر نظريا” الطوغو، مقابل الاستمرار في الاستيلاء على ثرواتها، أو لنقل، على جزء مهم من ثرواتها.

هذا الشرط الذي وضعه الفرنسيون أمام الطوغو، كان هو الحل الوحيد… كي لا تعمل فرنسا، كما فعلت في غينيا، على تدمير البلد قبل مغادرته.

كانت “الإتاوة”، أو ما يعرف بــ “الدين الاستعماري” الذي فرضته فرنسا على الطوغو، يتجاوز الـ 40 بالمائة من مجموع ديون الطوغو سنة 1963، وكانت حالة عدم الاستقرار… هي النتيجة المباشرة لهذا الاستعمار الفرنسي المقيم.

لأجل ذلك… ومن أجل إيجاد حل لهذا الاستعمار الفرنسي الجديد، سيقرر “سيلفانوس أوليمبيو” الخروج من العملة الاستعمارية الفرنسية (FCFA) أو ما يسمى بـ “فرنك المستعمرات الإفريقية الفرنسية”. (هذا موضوع آخر سنتطرق له خلال هذه السلسلة).

… “سيلفانوس أوليمبيو”، سيقرر سك عملة خاصة بالطوغو، لكن…

في 13 يناير 1963، وقبل 3 أيام فقط عن بدء سك العملة، ستقوم “ميليشيا” من الجنود المدعومين من فرنسا، بقتل “سيلفانوس أوليمبيو”… سيقومون بقتل أول رئيس منتخب في الطوغو.

رئيس الطوغو سيتم قتله من طرف رقيب سابق في “الفيلق الأجنبي” (la légion étrangère) في الجيش الفرنسي، اسمه (Etienne Gnassingbeche)، الذي تقول بعض الروايات، إنه تلقى، مقابل ذلك، مبلغ 612 دولار من السفارة الفرنسية في الطوغو.

“سيلفانوس أوليمبيو” كان يريد أن يتفادى مصير الخراب الذي عاشته غينيا. كان يريد أن يحقق استقلالا حقيقيا للطوغو عن مستعمر فرنسي قرر الإقامة والاستيلاء على ثروات الطوغو، لكن…

مرة أخرى، كان الرد الفرنسي يلامس حدود الهمجية.

رد… سيتوالى بذات القسوة والهمجية، وستكون ساحته المقبلة، جمهورية مالي…

وهذا ما سنتابعه في الجزء المقبل. 

 

الحلقة الثانية: فرنسا في إفريقيا: نهب الثروات أو…الاغتيال والانقلابات 

الحلقة الثالثة: فرنسا في إفريقيا: نظام الرعب… و اتفاقيات تقنين السرقة 

الحلقة الرابعة: فرنسا في إفريقيا: قارة تحت حكم العسكر… الفرنسي 

الحلقة الخامسة: فرنسا في إفريقيا: الثروة والفقر في القارة… والأثرياء في باريس

الحلقة السادسة: فرنسا في إفريقيا: مع ماكرون… نهاية فرنك المستعمرات. كذبة أبريل فرنسية

الحلقة السابعة/الأخيرة: فرنسا في إفريقيا: في انتظار تحرير القارة من القمع النقدي الفرنسي 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

  1. Outach

    good

  2. saad

    mrc beadbwk

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *