×
×

معركة الهري: فلتسألوا الاستعمار الفرنسي عن… طعم الهزيمة! 1\2

يقول ليوطي: إن بلاد زيان تصلح لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن إصرار المجموعة الهامة في قلب منطقة احتلالنا وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يشكل خطرا فعليا على وجودنا، فالعصاة والمتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجأ وعتاد ومواد، وقربها من محطات الجيش ومناطق الاستغلال جعل منها تهديدا دائما بالنسبة لموقعنا.

لا يمكنُ تقديم رؤية تاريخية مضبوطة عن معركة الهري، إلاّ من خلال استنطاق السياق التاريخي الذي عجل بحدوث إحدى أهمّ المعارك المغربية ضد الاستعمار الفرنسي.

معركة جعلت من شهر نونبر من كلّ سنة، علامةً لنصرٍ جميل، كتبهُ مقاومون لأجل الوطن.

للإحاطة بهذه المعركة، التي كانت عنواناً راسخاً لأول هزيمة للمستعمر الفرنسي في إحدى مستعمراته بإفريقيا، نستعينُ بكتاب معركة الهري (13 نونبر 1914) صفحات من الجهاد الوطني، لمؤلّفه محمد بلحسن.

نعتمدُ على هذا الكتاب، لأنّه، حسب الباحث في التاريخ، حنضوري حميد، “أرّخ برؤية شاملة، معتمداً على جمع المصادر والمراجع، أجنبية ووطنية؛ تلك التي تحدثت عن الموضوع، وقام بمقابلتها بعضها مع بعض. مستعينا كذلك بالرواية الشفوية. وقد ساعده في ذلك كونه ابن المنطقة، ويتكلم لغة البلاد. الأمر الذي أضفى على كتاباته الأصالة والمصداقية، زيادة على تطبيقه وسائل ومناهج العمل الأكاديمية”.

عموماً، يرتبطُ النضال الزياني، جينيا، بمحاولة صدّه رغبةَ الماريشال ليوطي، المقيم العام الفرنسي بالمغرب، في احتلال مدينة خنيفرة وتازة؛ وبالتالي، عرقلة السياسة التوسعية الفرنسية على حساب التراب المغربي.

لكنّ فرنسا، لأجل تنفيذ مخطّطها، عمدت إلى محاصرة تحركات ومواقع المقاومة في الأطلس المتوسط. تحالفت قوات الجنرال بومغارتن BAUMGARTEN القادمة من وجدة، مع قوات الجنرال غورو GOURAUD القادمة من فاس، وتمكّنت في النهاية من ولوج تازة. ساعدها ذلك على ربط الاتصال بين فاس ووجدة عبر تازة.

في المحصّلة، أفضى المخطط إلى غزو تازة، واستمرّ المخطط إلى أن ظفر ببسط السيطرة على خنيفرة، عاصمة زيان في يونيو 1914، أي شهراً بعد احتلال تازة.

كيف ذلك؟ لنتابع حيثيات احتلال خنيفرة، عاصمة زيان.

زيان: المغرب النافع 

بحسب المؤلف، فإنّ الغاية من عملیات زیان، كانت ترمي حينها إلى توسيع المنطقة الخلفية للشاوية، التي كان يتسلل إليها المقاومون الزيانيون، بتحريض من قائدهم موحا وحمو، وينتشرون في المناطق السّاحلية بين الدار البيضاء وهضاب المغرب الأوسط.

الشاوية، المعروفة بغناها الطبيعي، كانت من المناطق التي دشّنت الأعمال المتعلّقة باستثمار الأموال المستوردة في المملكة المغربية وقتها؛ إذ كان لهذه المنطقة حظّ من الرأسمالية الأجنبية، خصوصاً ما يتّصل بالمضاربة العقارية. أصول ذلك تمتدّ إلى ما قبل توقيع عقد الحماية على المغرب (30 مارس 1912).

شكّلت هذه المنطقة المعروفة بـ”مغرب الصفقات” (le Maroc des affaires)، هدفاً واضحاً بالنسبة لفرنسا، رغم علمها أنّ مقاومة الزيانيين قد تكون مكلّفة، نظرا لعناد قائد المقاومة موحا وحمو. أدركت القوات الفرنسية أنّ “استغلال السهول والهضاب الواقعة على الضفة اليمنى لنهر أم الربيع، لا يمكن أن يتم إلا بإخضاع الكتلة الزيانية”، يقول المؤلّف.

حتى انتماء بلاد زيان جغرافياً إلى الأطلس المتوسط المركزي، المتّسم بطبيعة نادرة، من حيثُ وجود الأنهار (أم الربيع)، وكذلك المراعي الدائمة والغابات الكثيفة… جعلت لعاب ليوطي يزدادُ سيلاً، سيما حين صنّف هذه المناطق، عن جدارة، ضمن “المغرب النافع.

من الأسباب، أيضاً، التي جعلت فرنسا المُستعمِرة تولي اهتماماً لاحتلال زيان بشكل عاجل، أنّ المقاومة الزيانية كانت مشتلاً للثورة الوطنية ضدّ الاستعمار. بلغ صيتها جزءاً كبيراً من المغرب الأوسط.

قال ليوطي حينها: إن بلاد زيان تصلح لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن إصرار المجموعة الهامة في قلب منطقة احتلالنا وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يشكل خطرا فعليا على وجودنا، فالعصاة والمتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجأ وعتاد ومواد، وقربها من محطات الجيش ومناطق الاستغلال جعل منها تهديدا دائما بالنسبة لموقعنا.

يأتي ضمن العوامل، التي يوردها الكاتب، تحكّم زيان في الجادة الكبرى التي تربط الشمال بالجنوب، عبر تادلةخنيفرةفاستازةوجدة. لذلك، شاع في الذهنية الفرنسية باكراً، أنّه بدون أطلس خاضع، يبقى غزو المغرب غير ثابت… فكان تطويع المنطقة ضرورياً لإتمام غزو المغرب النافع، بغية ضمان تزويد الميتروبول بما تحتاج إليه من مؤن وجند ويد عاملة.

في التنفيذ الفعلي

تمّ اختيار الجنرال هنريس Henrys للقيام بمهمّة الغزو. سارع بالسّيطرة على الطرق التجارية لمحاصرة القبائل الزيانية وإضعافها وتجويعها ومحاصرتها، لكي تغدو في حاجة إلى عطف المستعمر ومساعدته، ولكي تفشل في الميدان العسكري بالضّرورة.

حين وضعت فرنسا يدها على الطرق التجارية، باتت البلاد تحت الهيمنة الفرنسية، في غضون التهييء للهجوم عليها من جهات مختلفة، “بعدما تكون قد أصيبت بالوهن الاقتصادي الناتج عن منع دخول السلع إليها وخاصة الأسلحة”، بحسب المؤرخ محمد بلحسن.

هكذا، تم الهجوم، في يونيو، على بلاد زيان المحاصَرة من ثلاث جهات بثلاث مجموعاتٍ، كانت تكوّن ثلاث نقاط ارتكاز وقواعد تموين للجيش المهاجم؛ وذلك انطلاقا من مراكز أفوغال قرب مولاي بوعزة، ووادي إيفران وأبي الجعد.

المجموعات الثلاثة التي نفّذت العمليات، تتوفر على عشرة أفواج و7 كتائب و7 قطع مدفعية، أي حوالي 15000 جنديًّا و360 ضابطاً، وقد انطَلقت في آن واحد متجهة نحو خنيفرة، لكنّ ردّ المقاومة بدأ في حينه.

على وقع الهجوم، تشير المصادر التي درست المقاومة الزيانية إلى أنّ القائد موحا وحمو قسّم المقاومين إلى مجموعتين. المجموعة الأولى تهاجم من ناحية وادي ايفران ضد جيش CLAUDEL، والمجموعة الثانية تحت قيادة ابن عمه موحا وعقي ومستشاره، قائد قرية سيدي محمد ابن امبارك، ناحية مولاي بوعزة، تعترض سبيل جيش كروس CROS والكولونيل دوبليسيس G.DUPLESSIS.

بالرغم من كون المقاومة الزيانية لا تتوفّر على عتاد وأسلحة متطورة، كالتي يتوفر عليها العدو الفرنسي، فقد أبلوا بلاءً حسناً، حسب المصادر المؤرخة للوقائع، وحتى بشهادة الجنود الفرنسيين أنفسهم. إذ تمكّنت المقاومة من الصمود خمسة أيام في أرض المعركة. معركة تضامنت فيها القبائل الموجودة في المنطقة بالدم والمال… من أجل أن يحيا الوطن حرّا.

في 12 يونيو 1914، تنتهي الحرب لصالح الاستعمار، الذي بسط سيطرته على خنيفرة، عاصمة زيان، في ذات اليوم. توج هذا الاحتلال نهاية غزو “المغرب النافع”، وفتح الطريق بين الجهة الشرقية والجهة الغربية، وأكثر من ذلك ربط الاتصال بين المستعمرات الفرنسية في الشمال الإفريقي.

لجأ موحا وحمو وباقي السكان إلى الجبال وإلى مناطق قريبة لينصبوا فيها خيامهم. وفي أعالي جبال بوحياتي وأبي موسى وتاغاط والتلال المطلة على خنيفرة، أخذ عشرات المئات من المقاومين مواقعهم لمراقبة وترصد حركات الجیش الفرنسي، منعا لأي اتصال بينه وبين المراكز الأخرى.

بقي الوضع هكذا، ولم تنكسر شوكة المقاومة. سلكت فرنسا كل السبل مع موحا وحمو، من قبيل الترغيب والترهيب والتشويه وتحريض الفقراء ضدّه ومحاولة تأليب الزيانيين عليه… لكن دون جدوى.

في غضون ذلك، كان اندلاع الحرب العالمية الأولى خبرا سارّا بالنسبة للمقاومة؛ خصوصاً حين أعلن المقيم العام، إرسال حوالي 37 كتيبة من أصل 64، لتعزيز قدرات الدفاع الوطني الفرنسي ضدّ ألمانيا.

القوافل العسكرية التي كانت تغادر خنيفرة في غشت 1914، وجدت نفسها تحاصر على حين غرّة وتتعرّض للرشّ برصاص البندقيات والغارات المتوالية.

حدثت على إثر ذلك عدّة مواجهات بين القوات الاستعمارية والمقاومة الزيانية، تكبّد فيها الطّرفان خسائر مادية وبشرية:

5 غشت، 19 غشت، 20 غشت و22 غشت. لكن، في النهاية، تمكّنت المقاومة من دفع الكولونيل لافيردور إلى الركون نحو استراتيجية الدفاع، والعمل، بالتبعة، على تحصين جيوشه داخل مدينة خنيفرة.

ساهم هذا الوضع في تشديد الخناق على الجيوش الفرنسية، خصوصاً أنّ المؤن القادمة للمعسكر من تادلة، عبر أبي الجعد، تتعرّض للهجوم من طرف المقاومة. تسفر هذه الهجومات عن قتلى وجرحى وتلفٍ في السلع، وهو ما كان بمثابة حصار، وحتى المؤن القادمة من مكناس، كان ذاك مصيرها.

هذا الحصار هو بالضّبط ما عبّد الطّريق، وفتح شهيّة الكولونيل لافيردور لكتابة تاريخ آخر للوجود الفرنسي بالمغرب: تاريخ الهَزيمة!

كيف ذلك؟

لنتابع حكاية المعركة في الجزء الثاني.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *