×
×

بعد قصف غزّة… هل يشكّل التضامن مع فلسطين خطراً على الوحدة الوطنية للمغاربة؟

الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في النّقاش، هو المرجعية والوحدة الوطنيتين، في أفق الظفر بمغرب الاختلاف والعيش المُشترك، فالخصم السّياسيّ ليس عدواً لذوذاً، والمُناصر لقضايا غير وطنية، بمنطق إنسانيّ، ليس أيضاً بالضّرورة لاَ مستلباً ولا خائناً… والمناهض للتضامن مع فلسطين ليس حتمياً متصهيناً أو عميلاً…

تراشقت تل أبيب وغزة بالصّواريخ والغارات، فتراشَق المغاربةُ، بالمقابل، بالكلام والتخوين والاتهام بالاستلاب والعِمالة والتّصهيُن…

يتساءلُ الكثيرون، كيف أصبحت القَضية الفلسطينية سبباً في انقسام المغاربة بين داع ومؤيّد للتضامن معها ومعارضٍ لذلك بحدّة غير مسبُوقة؟

“فلسطين قضية إنسانية كونية، العالم كله يعرف فصولها وخباياها، والمغرب لديه سياسة معلنة وواضحة لدعم الفلسطينيين، وهذا يكفي. إذ لا يمكن أن نستمرّ إلى نِهاية لا يعلُمها أحد، ونحن نكبر ونهلل لنصرة فلسطين”…

يدفعُ البعض، بسرعة، إلى أنّ الشّعب المغربيّ بات يعي أهمية قضيته الأولى، مدنه وجزره المحتلّة وقضايا الفقر والتهميش والعزلة والإذلال واللاعدالة، التي يعانيها جزء لا يستهان به من المجتمع المغربيّ.

لكنّ… هل يجوز، بدافع أولوية الوطن وقضَاياه، أن يتنكّر الإنسانُ لإنسيته وآدميته ولا يدِينَ قتل الأطفال والشّيوخ والنساء العُزّل من طرف إسرائيل؟

هذا ما تسعَى مرايانا إلى الإجَابة عنهُ في هذا المَقال…

القضيّة الفلسطينية: سُؤال الأولويّة…

الحقوقيّ عبد الواحد رشيدي، في حديثه مع مرايانا، يرى أنّ من يقول إن القضية الفلسطينية لا تهم إلا أصحابها الفلسطينيين، لن يفهم أبداً كيف يتظاهر من أجلها من ليس عربياً ولا مسلماً في شتّى أنحاء العالم، من أوروبا إلى الأمريكيتين، إلى داخل إسرائيل نفسها.

في تقدير رشيدي، يؤول الأمر في النّهاية إلى الحرص على هذا المكسب الإنساني الكبير على علّاته: القانون الدّولي وحقوق الإنسان المتعارف عليها عالمياً، وبدونهما سيزداد العالم توحّشا وهمجيةً… فمن يرفع اليوم راية القانون الدّولي ويحتج به؟ ليسَت الدّول العظمى، التي تستطيع تجاوزه دون حساب ولا عقاب، بل الدّول الضعيفة التي ترى نفسها فريسة سهلة بدونه.

دول المنطقة كانتْ تحسب كاحتياط استراتيجي لقضية فلسطين، وهذا لم يبقَ صحيحاً مؤخراً، على الأقل في حالات عدِيدة، إلاّ بالنّسبة للشّعوب وليس الأنظمة… فالشعوب هي التي لم تخدعها رواية التطبيع على حين غرّة!

في هذا الإطار، وفي بلدنا، يضيف الحقوقي أنّهُ “لا معنى للتقوقع على الذات، بدعوى القضية الوطنية. إذ أن هذه القضية نفسها، لا يمكن أن تجد حلا خارج السّياق الدولي؛ وأي سياق دولي ممكن في انعدام قانون دولي يحفظ للشّعوب حقوقها؟ بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني في حريته واستقلاله، وحق الشعب المغربي في وحدته الوطنية”.

عندما يتضامن الناس مع القضية الفلسطينية، كما مع قضايا أخرى في العالم، فليس لأنها مقدّسة، أو لأسباب دينية أو قومية، وفق رشيدي، بل لتذكير أصحاب القرار بالمبادئ الأخلاقية التي ينبني عليها القانون الدولي، توجّساً من العودة إلى “حالة الغاب” قبل تأسيس هيئة الأمم المتحدة، وخوفاً من أن يطغَى الأقويَاء على الضّعفاء داخل دولهم نفسها خارج القانون، في داروينية اجتماعية وسياسية لا ينجو منها أحد…

من زاوية أخرى، في حديثه لمرايانا، لا يُخفي الكاتب المغربي السراج محمد الضو، إيمانهُ بأنّ هذا التّضامن “المبالغ فيه يتغذى من مرجعيات أيديولوجية وفي الغالب دينية… ومعروفٌ أنّ جميع المظاهرات والمسيرات في العقود الأخيرة، أطّرتها بالأساس جماعة العدل والإحسان، نصف المحظورة، وجماعة التوحيد والإصلاح شبه الرسمية، وهما حالياً من يعبّئ المغاربة ويستغلّ عواطفهم الدّينية ويوجهها نحو أهدافهم، وهي أحياناً ليسَت في صالح الوطن”.

فلسطين قضية إنسانية كونية، العالم كله يعرف فصولها وخباياها، والمغرب لديه سياسة معلنة وواضحة لدعم الفلسطينيين، وهذا يكفي. إذ لا يمكن أن نستمرّ إلى نِهاية لا يعلُمها أحد، ونحن نكبر ونهلل لنصرة فلسطين… يقول السراج.

“جذور هذا الكم المهول من التّضامن، تعودُ مبدئياً إلى برُوز المدّ العروبي القومي البعثي، الذي قام باستلاب المغاربة، ودفعهم للمشاركة في مسيرات تضامنية مليونية مع الشعب الفلسطيني ضدّ إسرائيل، في وقتٍ يُعتَبرُ الصّراع قائماً بين طرفين، وهما المعنيان أساساً بإنهائه أكثر من غيرهما”.

ثمّ يضيفُ أنّ هذا التّضامن المبالغ فيه ينبغي أن ينتهي، ويجب على الدولة والمجتمع المدني أن يوجها الرّأي العام الوطني للاهتمام بقضاياه الكبرى في الصّحراء المغربية وسبتة ومليلة ولم لا الصحراء الشرقية…

بالنّسبة للسراج، فالغريب أنّ “هناك من يعتبر اسرائيل عدوة يجب فكّ العلاقات معها، والتّضحية بمصالح المغرب، فداء لفلسطين… ومنهم من يعتبر إسرائيل العدو الأول للمغرب، مع إعطاء تبريرات على أن النظام الجزائري ليس عدواً، رغم أن هذا النظام يصنف المغرب رسمياً عدوا تقليدياً”.

كخلاصة، يرى المتحدّث أن صرف المجتمع عن قضاياهُ الهامّة، كان سببا في أنّ أغلب شباب اليوم لا يعرفون مثلاً تاريخ استرجاع الصحراء، وعلاقة نظام العسكر الجزائري بهذه القضية، واستمراره في معاكسة المغرب، أو لماذا تستمر إسبانيا في احتلال مدينتي سبتة ومليلية، وأغلبهم لا يدركُ بأنّها مغربية وأنها محتلّة، وشباب بالمناطق الشمالية وغيرها يكرّرون كل يوم محاولاتهم لأجل أن “يحرگوا” لأروبا انطلاقا من إحدى المدينتين…

لكن الحقوقي عبد الواحد رشيدي يتساءل، رداً على مقارنة سبتة ومليلية بالقضية الفلسطينية: هل تقدم المغرب رسمياً بطلب استرجاع المدينتين والجزر الجعفرية، ووقف على الأمر، بشكل جدي، ديبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، وتخلّف عنه مساندو المقاومة؟

المغرب بين فلسطين وقضاياه…

يقول البعض: هل يراهنُ المغرب على حلّ قضيته العادلة على حساب قضية ظالمة تتعلق بظُلم الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين؟

يحاول منير كجي، الناشط الأمازيغي، في تصريحه لمرايانا أن يردّ على هذه الفكرة، معتبراً أنّ جذور هذا القول، الذي انبثق عنه ذلكَ الكم المهول من التّضامن، تعودُ مبدئياً إلى برُوز المدّ العروبي القومي البعثي، الذي قام باستلاب المغاربة، ودفعهم للمشاركة في مسيرات تضامنية مليونية مع الشعب الفلسطيني ضدّ إسرائيل، في وقتٍ يُعتَبرُ الصّراع قائماً بين طرفين، وهما المعنيان أساساً بإنهائه أكثر من غيرهما.

اليوم، المغاربة “أفاقوا من التنويم الذي تعرّضوا له مع سبق إصرار، فتأكدوا أنّ هناك قضايا وطنية ومحلية أقربُ إليهم من حبل الوريد، وهي أجدر بالتّضامن والتّعاطف، خصوصاً ما يتعلّق بالفقر وأزمة الدّيمقراطية والحداثة والتنمية وحقوق الإنسان”.

كجي لا يتراجع عن قوله في أنّ القوميين العرب والإسلامويين على حدّ سواء، استغلّوا القضيّة الفلسطينية لخدمة أجندتهم الداخلية في تجييش الجماهير العربية وتحريكها سيكولوجياً بهذه القَضية، رغم أن الفلسطينيين أفضل منا من حيث نسبة الأمية مثلاً، ونحن نقدم لهم منحاً، أبناؤنا في جبال الأطلس وأنفغو وصحاري أسَامر ومناطق تنغير أحقّ بها.

“لا معنى للتقوقع على الذات، بدعوى القضية الوطنية. إذ أن هذه القضية نفسها، لا يمكن أن تجد حلا خارج السّياق الدولي؛ وأي سياق دولي ممكن في انعدام قانون دولي يحفظ للشّعوب حقوقها؟ بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني في حريته واستقلاله، وحق الشعب المغربي في وحدته الوطنية”

كجي يردف بأنّه يمكننا أن نتخيّل حجم التبذير وسوء التدبير أيضاً، حين نعرف أن المغرب يساهم بـ73 بالمائة من ميزانية ما يسمى ببيت مال القدس. “لقد كنا، كناشطين أمازيغيين، من أكثر المطالبين بحلّ هذا البيت، لأن الأمر له علاقة بالمال العام، أي مالُ المَغاربة”.

كما يرى المتحدثُ أنّ المغرب عليه أن يلتفت لقضاياه الحاسمة، وأن ينسحب من منظمة نقابية فاشِلة تُسمى جامعة الدّول العربية، فيتوقف الشعبُ عن جعل القضية الفلسطينية مركز القضايا الإنسانية… ثمّ نراعي أهمّية قضايا الطوارق في أفريقيا، الذين يتعرضون أيضاً للقتل والإبادة في مالي والنيجر، ولم يتضامن معهم أحد بقدر التّضامن مع قضية مشرقية بعيدة عنا كل البعد.

يختمُ كجي بأنّه لا بدّ أن نتصالح مع وطننا أولاً، وأن نراجع دفاترنا تجاه سبتة ومليلية والصّحراء المغربية، فلا نفهم، حسبه، لم لا يظهر هذا الحمَاس كله في قضايا وطنية، وفي فضيحة الهروب الجماعي بسبتة، “من تضامن مع تلك المأساة حين تم الزج بأطفال في أزمة ديبلوماسية؟ كيف يعقل أن يقول نقابيون إن القضية الفلسطينية أهم من القضيّة الوطنية الأولى؟”.

هذه السّردية لم تنفذ إلى إقتناع المناضل المغربي اليهودي سيون أسيدون، منسق حركة مقاطعة إسرائيل – المغرب، والمعروف بنصرته الدائمة لفلسطين.

سيون أسيدون يعتبرُ أنّ القضية الفلسطينية بالمغرب هي قضية وطنية، لأن شعوب هذه المنطقة من العالم، بما فيها المغرب وفلسطين، تشاطر مصيراً مشتركاً.

فلا يمكن، مثلاً، فصل ما يجري حالياً في فلسطين، وبالتحديدِ ما تتجرؤ دولة الاحتلال على القيام به من مذابح واعتداءات على الشّعب الفلسطيني، وبعجرفة تعتبره ضوءاً أخضراً، عندما تنسج دول في المنطقة علاقات صداقة معها.

المناضل الحقوقي يضيفُ أنّ دول المنطقة كانتْ تحسب كاحتياط استراتيجي لقضية فلسطين، وهذا لم يبقَ صحيحاً مؤخراً، على الأقل في حالات عدِيدة، إلاّ بالنّسبة للشّعوب وليس الأنظمة… فالشعوب هي التي لم تخدعها رواية التطبيع على حين غرّة!

لا يمكن لشعوب المنطقة أن تعتبر أنفسها صديقة لمن يذبح الشعب الفلسطيني بأطفاله وشيوخه ونسائه….  ولحسن الحظ نرى، أكثر فأكثر، شعوب العالم تتضامن مع الشعب الفلسطيني، لأن قضيته عادلة، ضد ما تقوم به دولة الاحتلال الصهيوني من جرائم، بمشاركة المظلة الأمريكية، وأمام صمت الأمم المتحدة وتخاذل المجتمع الدولي، يختمُ أسيدون حديثه لـ”مرايانا”.

… في النهاية، يبدو أنّ لكلّ طرفٍ مرجعية فكرية يرافع بها عن طرحه، ومنها المرجعية الإنسانوية والأخلاقية والقانونية، ثم المرجعية البراغمَاتية، فالمرجعية الواقِعية والتاريخية… إلخ.

لكن الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في النّقاش، هو المرجعية والوحدة الوطنيتين، في أفق الظفر بمغرب الاختلاف والعيش المُشترك، فالخصم السّياسيّ ليس عدواً لذوذاً، والمُناصر لقضايا غير وطنية، بمنطق إنسانيّ، ليس أيضاً بالضّرورة لاَ مستلباً ولا خائناً… والمناهض للتضامن مع فلسطين ليس حتمياً متصهيناً أو عميلاً.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *