×
×

عن الأحلام التي سبحت نحو سبتة المحتلة. هشام الرميلي يكتب: المغرب الحافي

بنبرة حزينة منكسرة، وبوجه شاحب أصفر لا تزال أثار الصدمة بادية عليه، يجيب أحد الناجين من الحادثة على سؤال الصحفي، عن دوافع رغبته في الهجرة فيقول:
“لقد فكرت في الهجرة لأنه كاين الفقر… الوالد حتى صباط ما عندوش… أمي لابسة غير صباط ديال الميكة”.
هكذا يختزل الشاب الناجي من أهوال البحر، حكاية شقائه في اليابسة: “معدمون حتى الحفاء”.

هشام الرميلي

خفف الوطء فما أظن رمال هذا البحر وقعره إلا من هذه الأجساد… ولا أظن زوابعه وأنواءه إلا غضب هذه الأرواح الساكنة في أعماقه، وحين يسكن الليل ويخفت الهدير، تكون هذه الأرواح قد هدأت، وارتقت إلى السماء ترسل بريقها المنعكس على صفحة الماء تبث أحلامها وشكواها…

العادي هو أن يستقبل الإنسان البحر ويدير ظهره لليابسة، يسترخي ويتملى في الزرقة الممتدة أمامه… يستمتع بهدير الموج وانكساره علىالشاطئ… أو يستلقي فوق رماله الساخنة، يستمتع بحمام شمس في يوم صيفي قائض…

قد يكون شاعرا أو رومانسيا، فيستهويه المشي فوق رمال الشاطئ، تاركا للأمواج الصغيرة أن تبلل قدميه، أو تبث إليه مطلعا جميلا لقصيدة شعرية، أو جملة غزلية رقيقة، أو حتى فكرة حالمة تذهب به إلى ما هو أبعد من حدود البحر.

كل هؤلاء الضحايا، لو فتشنا في البحر عن أحلامهم كما نفتش عن جثتهم، فلن نجد ما هو أبعد من حذاء وكسوة، كسرة خبز وبيت دافئ… وعلى أبعد تقدير، وطن لا يغامر بهم في المحيط.

العادي أيضا أن يدير أحدنا ظهره لليابسة، ويهرب من مشاكلها التي لا تنتهي، ويحرقها في سيجارة ينفث دخانها وهو يتعقب طائرا يخترق الماء ويعود محلقا بغنيمته نحو الفضاء… أو يسكبها في قنينة خمر يحتسيها وهو ينظر إلى الأفق الأزرق الممتد أمامه، فتذهب بعقله إلى ما وراء الظلمات وحوريات البحر، ولا تعود به إلا وهو يدرك أن أحزان اليابسة تافهة أمام حكمة هذا البحر الشاسع، وأنها أهون من أن يضيق بها قلب صغير…

لكن، غير العادي والمفجع…

أن يقرر أكثر من ألفي شاب خوض غمار البحر سباحة، بدل الوقوف عند شاطئه، هربا من اليابسة في عملية شبيهة بانتحار جماعي، تطعن القلب وتقطع ما تبقى متماسكا من أنياطه.

أعادت لي حادثة الشباب المغامرين من مدينة الفنيدق، ذكرى حادث أليم أخر، وكأن الفواجع لا تنفك تذكرنا أنها الأصل، وأن عودتها إلى حياتنا مسألة وقت فقط.

…استيقظ المغاربة ذلك اليوم الحزين، على خبر غرق زورق قرب سواحل “تمارة”، ذهب ضحيته ستة عشرة شابا. لا داعي أن أكون بارد الدم ومتبلد الإحساس، وأصفهم بالورد… لأنهم ليسوا كذلك.

لم ينشؤوا ليكونوا كذلك…

لم تعط لهم الفرصة ليكونوا كذلك…

لم تتفتق براعمهم… ولم يزهروا.

في الشاطئ الكئيب ذلك اليوم، جلس أب مكلوم وأم ثكلى يحدقان في الأفق البعيد أمامهما، ويتابعان تقلب الموج بقلب كسير وعيون باكية.

تنهض الأم مسرعة بين حين وآخر، تتفحص ما يلفظه البحر من أسمال وبقايا لعلها تكون أثرا لابنها الغريق… تتلقفها بلهفة، تقلبها بين يديها وتمعن النظر فيها… تتفحصها طويلا، ثم تلقي بها محبطة، وتعود لترسل نظراتها الحزينة إلى البحر، وتستغرق في عديدها مستعطفة الأمواج أن… تلفظ ابنها أو تأتي بأمارة منه.

بنبرة حزينة منكسرة، وبوجه شاحب أصفر لا تزال أثار الصدمة بادية عليه، يجيب أحد الناجين من الحادثة على سؤال الصحفي، عن دوافع رغبته في الهجرة فيقول:

“لقد فكرت في الهجرة لأنه كاين الفقر… الوالد حتى صباط ما عندوش… أمي لابسة غير صباط ديال الميكة”.

هكذا يختزل الشاب الناجي من أهوال البحر، حكاية شقائه في اليابسة: “معدمون حتى الحفاء”.

حذاء الشاب المسكين، ظل حلما مستحيلا، ضاقت به اليابسة.                                                                          لم يجد الشاب بدا من أن يجذف في البحر نحو الجانب الآخر…                                                          لعل اليابسة هناك أرحم وأوسع من أن تضيق بفردتي حذاء…

لم يكن فان غوخ يدري أن لوحة “الحذاء” التي رسمها، ستستأثر باهتمام كبير من طرف النقاد، بل ستسترعي حتى تأملات الفلاسفة، فقد تصدى لها فيلسوف كبير مثل هايدجر، ومهما يكن غرض فان غوخ أو دوافعه لرسم تلك الصورة، فقد أصبحت رمزا للحرمان وشقاء الانسان على وجه الأرض ومحنته.

…أيضا، حذاء “سعيد” في فيلم “فوق الدار البيضاء الملائكة لا تحلق”، لا يختلف كثيرا عن حذاء “فان غوخ”، وهو حتى إن كان حذاء جلديا لامعا يقبع وراء فترنية أنيقة، إلا انه يختزل، وبنفس القسوة، معاناة الإنسان، ومكابدته في تحقيق أحلامه البسيطة جدا.

فقد جاء سعيد من منطقة فقيرة نائية بين الجبال، يحمل هموما كثيرة، وأحلاما أكثر، لم يصل أكثرها مبالغة في الحلم، أن يظفر بفردتي حذاء أنيق، كان هو بؤرة انفعالات سعيد طوال الفيلم، ومنتهى تشوقه، ليحس بآدميته، ويضع رجله فوق الأرض بكرامة، وتتحقق إنسانيته المفقودة.

مهما كان حذاء فان غوخ معبرا عن الشقاء وتعاسة الإنسان في مجتمع طاحن، فقد استطاعت الفلاحة أن تتوفر على حذاء تخترق به الحقول، وتمشي به بين السنابل، وهو حتى إن كان ملطخا بالوحل وكالحا، فقد كان يقي رجليها من البرد والمطر.

…وكان سعيد أكثر حظا من الشاب الناجي، فقد استطاع أن يتدبر حذاءه داخل حدود الوطن، وفوق اليابسة، واستطاع أن ينتعله ويمشي به مزهوا فرحا، حتى بعد أن غطاه بكيسين بلاستيكيين، ليحافظ على حلمه نقيا من الأزبال والأوساخ المنتشرة في المدينة.

أما حذاء الشاب المسكين، فقد ظل حلما مستحيلا، ضاقت به اليابسة ولم يجد الشاب بدا من أن يجذف في البحر نحو الجانب الآخر، لعل اليابسة هناك أرحم وأوسع من أن تضيق بفردتي حذاء…

كل هؤلاء الضحايا، لو فتشنا في البحر عن أحلامهم كما نفتش عن جثتهم، فلن نجد ما هو أبعد من حذاء وكسوة، كسرة خبز وبيت دافئ… وعلى أبعد تقدير، وطن لا يغامر بهم في المحيط.

مقالات قد تهمك:

تعليقات

  1. عبد اللطيف درويش

    و نَحْنُ لَمْ نَحْلُمْ بِأكثَر مِنْ .. حَيَاةٍ كَالْحياة!
    محمود درويش

  2. عبد اللطيف درويش

    له البردوني: شكرا سي هشام، كلامك لن يقوله إلا من اكتوى بالغربة، وخبرها وخبرته….
    لم أجد ما أعلق به على مقالك أحسن من بيت قاله شاعر اليمن الكبير الراحل عبد البردوني:
    هذي كلها بلادي … وفيها ///// كل شيء … إلا أنا وبلادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *