×
×

المتطرفون في أوروبا: هل ينتجون صداما ضد المسلمين؟

رغم حرص العقلاء الأوروبيين على أهمية التفريق بين المتطرّفين الإرهابين والمسلمين عامّة، فإنّ الإسلاموفوبيا التي كانت مقتصرة على اليمين المتطرّف، قد بدأت تنتشر في صفوف الناس العاديين الذين لا يستطيعون التمييز بين المتطرّفين الذين تمّ شحنهم بأفكار التشدّد والتعصّب، والمسلمين العاديين البسطاء الذين يسترزقون في بلدان أوروبا كغيرهم من مواطني باقي بلدان العالم.

الحسين أخدوش: باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي

عرفت أوربا عدة مراحل من الإرهاب في الأزمنة المعاصرة، مثل موجة الإرهاب الفوضوي التي أثرت على أوروبا، وخاصة أحداث الثورة الفرنسية في نهاية القرن التاسع عشر، فظاعات النازيين والفاشيين، إلخ.

لكن، هل ينطبق الأمر على ظاهرة الإرهاب الجهادي المعاصر؟

في الواقع، ازدادت خطورة التهديد الإرهابي الإسلاموي في أوروبا في الألفية الثالثة، خاصّة بعد أن تعرضت مجموعة من دول الاتحاد الأوربي لهجمات ذات خلفية إسلاموية؛ كان آخرها هجمات إرهابية في فرنسا: اغتيال أستاذ التاريخ والجغرافيا في «كونفلان سانت أونورين» (Conflans-Sainte-Honorine)، واغتيال ثلاثة مؤمنين كاثوليك في كنيسة نوتردام في نيس (Notre-Dame à Nice).

ثمّ جاء دور النمسا أيضا، لتكون الضحية التالية في أحداث ليلة الاثنين إلى الثلاثاء ثالث نونبر من سنة 2020، حيث قتل “متعاطف” مع داعش أربعة أشخاص على الأقل في قلب العاصمة، بالقرب من مقر الجالية اليهودية في النمسا.

لقد تفاقمت التهديدات الإرهابية بشكل شبه دائم منذ مقتل محمد مراح في منطقة تولوز في عام 2012؛ كما ازدادت التوترات مع تركيا، التي أصبحت يُنظر إليها على أنّها زعيمة الإسلام السياسي. هذا الأمر أثار حفيظة المستشار النمساوي سيباستيان كورتز (Sebastian Kurtz)، وهو أحد أكثر القادة الأوروبيين انتقادًا صريحًا للإسلام السياسي.

الواقع أنّه لا يوجد لدى الأوربيين تصور موحّد لمدى «التهديد» الذي يمثّله هذا التيار الأيديولوجي (الإسلام السياسي)؛ بالتالي، فإنّ الاستجابة التي يتم تقديمها، كما خمّن ذلك أرنو دانجيان (Arnaud Danjean)، هي أنّ التهديد قائم باستمرارـ رغم هزيمة داعش في سوريا عام 2017. في نظر «توماس رنارد» (Thomas Renard)، الباحث في معهد «إيغمونت في بروكسل» (Institut Egmont à Bruxelles)، فإن الإرهاب أصبح الآن «أكثر انتشارًا وبالتالي يصعب توقعه».

كثرت الدعوات في أوروبا لمحاصرة الإسلام الراديكالي، وأصبح الخوف كلّ الخوف أن تطال الاجراءات ما تم تحقيقه للجاليات المسلمة من مكاسب حقوقية وقانونية

في «كونفلان سانت أونورين» بمدينة نيس الفرنسية، لا يتعلّق الأمر بمجرّد هجمات مخطّط لها من قبل منظمة إرهابية، بل أكثر من ذلك بخطورة رسالة وخطابات هذه المنظمات الإرهابية التي تجد صدى لها عند الأفراد المتطرفين والضعفاء نفسيا. هناك الآن خطر من اليمين المتطرف، وهو بنفس درجة خطورة المتطرّفين الإسلاميين، لأنه يتصرف تقريبًا بطريقة تشبه الإرهاب الإسلامي، كما يقلق «توماس رنارد».

دفعت موجة الهجمات الإرهابية الأخيرة بعض بلدان أوروبا إلى اتخاذ إجراءات ضبط الحدود. فمنذ الاعتداء على المتحف اليهودي، والذي تسبّب في ارتكابه مهدي نموش في بروكسيل، حيث كان أول “عائد” من سوريا عام 2014، تم تغيير مسار التعامل مع المتطرّفين المحتملين. من ذلك الوقت فصاعدًا، يتم فحص المواطنين الأوروبيين، بل واصلت الوكالة الأوروبية للحدود الخارجية «فرونتكس» (Agence européenne Frontex) تعزيز مواردها. فمن أجل أن تكون هذه الضوابط فعالة، تم بذل جهود لإثراء قواعد بيانات حرس الحدود.

لقد تمّ تعزيز عدة نصوص ومبادرات، مثل: «قابلية التشغيل البيني» لأنظمة الدول الأعضاء، وغيرها؛ كما تتم المناقشات في البرلمان الأوروبي حول هذه المسألة لما يقرب عن عشر سنوات، وقد تم اعتماد «سجل أسماء الركاب» بعد هجمات سنة 2015. ورغم كون الوضع تحسن بفعل الأصوات المتعاطفة مع المهاجرين، إلاّ أنّ ما حدث مؤخّرا من هجوم التلميذ الشيشاني الأصل على أستاذه، وهجوم الشاب التونسي في «نيس»، يظهر أنّه لا تزال هناك فجوة كبيرة بين النظرية والتطبيق.

رغم أنّ عددا كبيرا من البلدان الأوروبية ما زالت تتمسك بضبط النفس، إلاّ أن اليمين المتطرّف يسعى جاهدا لاستغلال الهجمات الإرهابية الغبية التي ارتكبت في الآونة الأخيرة، وذلك للدعوة إلى طرد المسلمين وكراهيتهم

في الواقع، وكما تبيّن أماندا بول (Amanda Paul)، وهي الباحثة المتخصصة في الشؤون الإرهابية في مركز السياسة الأوروبية في بروكسل، فإنّ الدخول غير القانوني إلى أراضي الاتحاد الأوروبي يبقى عيبًا في النظام؛ إذ يبقى من المستحيل جمع البيانات الدقيقة مادام أنّه لا أحد يعلم كيف يعبر المهاجرون السريون الحدود الخارجية. أمّا الأسوأ من ذلك كلّه، فهو بمجرد دخول هؤلاء منطقة «شنغن»، فإنّه يمكنهم عبور الحدود الداخلية بكلّ حرية. يعد هذا الأمر مدخلا أساسيا للأوربيين لمناقشة مشاكل الهجرة، بل يصوغون من خلاله لاتخاذ إجراءات ليست في صالح المهاجرين المنحدرين من البلدان الاسلامية.

فهل نجح المتطرّفون الارهابيون من مصادمة أوروبا بالمسلمين عبر هذه الأفعال الغبية التي يقومون بها؟

«إنّ أوروبا بحاجة إلى سياسة للهجرة بحيث تكون أكثر انضباطا وحزمًا»، هكذا يقول رئيس «مؤسّسة روبرت شومان» (Fondation Robert Schuman)، جان دومينيك غولياني (Jean-Dominique Giuliani). بالنسبة له، “الذي يريد أن يضبط الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، يجب أن يكون أكثر قوة. يجب على دول أوروبا أن تعمل بشكل جماعي للضغط على دول الهجرة كي تقبل بعودة المهاجرين غير الشرعيين وكذا المتطرّفين المتشدّدين من أصول غير أوروبية”.

لقد قطع الاتحاد الأوربي أشواطا كبيرة في مكافحة الإرهاب على أراضيه، ولا سيما منذ هجمات 13 نونبر من سنة 2015 في باريس، حيث تمّت المطاردة الطويلة عبر الحدود للفرنسية البلجيكية للمتشدّد صلاح عبد السلام.

ينبّهنا توماس رنارد إلى كيف سجلّت ملفات «اليوروبول» (Europol) في بداية سنة 2015 ألفًا فقط من بين أربعة أو خمسة آلاف فرد سافروا إلى سوريا أو العراق، لكن الرقم بدأ فجأة في الارتفاع. وقد غيّر الأعضاء السبعة والعشرون للاتحاد (بعد انسحاب المملكة المتحدة) وجهة نظرهم بشأن الترتيبات التي سبق أن وضعها الاتحاد الأوروبي للهجرة والتعامل مع المهاجرين من غير دول الاعضاء.

إنّ همجية الأفعال الإرهابية لا تنال بعض المواطنين الأوروبيين الأبرياء فقط، بل تنال، بشرّها، المهاجرين المسلمين أيضا

يؤكد رئيس «مؤسسة روبرت شومان» بأنّ الكثير من الأشياء يتم القيام بها في مجال التعاون لمكافحة الإرهاب حول «اليوروبول» (الوكالة الأوروبية للتعاون بين قوات الشرطة الوطنية) ويوروجست (Eurojust) (نظيرتها للتعاون القضائي). وقد أصبحت الاجراءات المتخذة تعمل بشكل كامل. هكذا، تم إنشاء مركز أوروبي غير رسمي لمكافحة الإرهاب، مع وجود سكرتارية في لاهاي لتجميع كل الأدوات المخصّصة لمكافحة الإرهاب، كما تشير إلى ذلك فابيان كيلر (Fabienne Keller)، عضوة البرلمان الأوروبي، التي تحلم بجعل «اليوروبول» مكتب تحقيقات فدرالي أوروبي حقيقي.

من جهته، يود أرنو دونجيان (Arnaud Danjean)، عضو البرلمان الأوروبي، أن تذهب الأمور أبعد من ذلك، بحيث يتم التنسيق بين الترسانات التشريعية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتجريم وحظر جميع تيارات الإسلام السياسي الراديكالي. وفي أعقاب هجمات نيس وفيينا الأخيرة، اقترح رئيس الدبلوماسية الإيطالية لويدجي دي مايو (Luigi Di Maio) إحداث «قانون باتريوت» (Patriot Act) أوروبي، على شاكلة قانون مكافحة الإرهاب الأمريكي، مشيرا إلى ضرورة تعزيز المراقبة على المساجد في أوروبى.

كثرت الدعوات إذن في أوروبا لمحاصرة الإسلام الراديكالي، وأصبح الخوف كلّ الخوف أن تطال الاجراءات ما تم تحقيقه للجاليات المسلمة من مكاسب حقوقية وقانونية، جرّاء ذلك. رغم أنّ عددا كبيرا من البلدان الأوروبية ما زالت تتمسك بضبط النفس، إلاّ أن اليمين المتطرّف يسعى جاهدا لاستغلال الهجمات الإرهابية الغبية التي ارتكبت في الآونة الأخيرة، وذلك للدعوة إلى طرد المسلمين وكراهيتهم. إنّ همجية الأفعال الإرهابية لا تنال بعض المواطنين الأوروبيين الأبرياء فقط، بل تنال، بشرّها، المهاجرين المسلمين أيضا.

رغم حرص العقلاء الأوروبيين على أهمية التفريق بين المتطرّفين الإرهابين والمسلمين عامّة، فإنّ الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) التي كانت مقتصرة على اليمين المتطرّف، قد بدأت تنتشر في صفوف الناس العاديين الذين لا يستطيعون التمييز بين المتطرّفين الذين تمّ شحنهم بأفكار التشدّد والتعصّب، والمسلمين العاديين البسطاء الذين يسترزقون في بلدان أوروبا كغيرهم من مواطني باقي بلدان العالم.

يسعى الاتحاد الأوروبي إلى إحداث شبكة للتوعية بالتطرف والتعصّب الديني لتجنّبه، والغرض هو قطع الطريق على الأشخاص المعرضين لخطر التطرف. من أجل هذا الهدف، يركز الاتحاد جهوده على منع المحتوى الإرهابي على الإنترنت؛ وهناك مفاوضات جارية بشأن اللوائح المتعلقة بسحب المحتوى الإرهابي، إذ يمكن لعملية محاصرته والحدّ منه أن تكون ناجحة بمجرد الإبلاغ عن هذا المحتوى، بحيث يتم إزالته في الوقت المناسب حسب المنصات والمواقع.

قد تحدّ هذه الجهود من عملية غسل الدماغ التي تنهجها التيارات المتطرّفة للشباب المندفع والبسيط الفهم، لكن المؤكّد الآن، هو أنّ الإرهابيين قد جنوا على المواطنين المسلمين في بلدان الاتحاد الأوربي بتلك الأفعال الهمجية المقيتة، والتي لا تتصل بسماحة الإسلام بأية صلة فكرية أو عقدية.

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *