×
×

مكافحة الإرهاب: تهديد لكرامة الإنسان؟ 2\2

هناك تعريف اقترحته مجموعة من الشخصيات الرفيعة المستوى والأمين العام للأمم المتحدة في سنة 2004 وتبنته فرنسا آنذاك، يحدّد الإرهاب على أنّه كلّ عمل يرتكب بقصد التسبب في وفاة أو إصابة خطيرة للمدنيين أو غير المقاتلين، والذي يكون هدفه، بحكم طبيعته أو سياقه، هو تخويف السكان أو إجبار حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بذلك

الحسين أخدوش: باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي

ينظر القانون الدولي إلى «الأعمال العدائية» نظرة متباينة، فتصنيف الحقائق الواقعية ليس واضحًا دائمًا، ذلك أنّ بعض الأعمال العنيفة يمكن رؤيتها بشكل مختلف.

لذا، يعتبر بعض الخبراء الأعمال العدائية التي تخرج عن سياق الحروب التقليدية على أنّها إرهابًا، كاستهداف المنشآت، وتوجيه العنف إلى المدنيين، وأخذ الصحفيين رهائن، إلخ.

لكن، حتى بعد استبعاد جرائم الحرب التي يمكن للجيوش النظامية أن تقع في شراكها، فإنّه يظل من الصعب تعريف «الإرهاب» بدقة مرضية من الوجهة القانونية فقط.

من بين التحديدات الموجودة، هناك تعريف اقترحته مجموعة من الشخصيات الرفيعة المستوى والأمين العام للأمم المتحدة في سنة 2004 وتبنته فرنسا آنذاك، يحدّد الإرهاب على أنّه كلّ عمل يرتكب بقصد التسبب في وفاة أو إصابة خطيرة للمدنيين أو غير المقاتلين، والذي يكون هدفه، بحكم طبيعته أو سياقه، هو تخويف السكان أو إجبار حكومة أو منظمة دولية على القيام بعمل أو الامتناع عن القيام بذلك.

أمّا الجمعية العامة للأمم المتحدة، فقد عرّفت الإرهاب على أنّه جرائم صمّمت أو احتُسبت لأغراض سياسية عبر إرهاب الناس، أو مجموعة من الأشخاص، أو في منازل الأفراد، وهي غير مبررة في جميع الظروف مهما كانت خلفية أسبابها: سياسية أو فلسفية أو إيديولوجية أو عرقية أو دينية، أو غيرها من الأسباب التي يمكن التذرع بها لتبريرها.[1]

مهما يكن من أمر، تبقى التعاريف المستخلصة من القوانين، أو التي تقدّم عبر نماذج تفكير نقدية للإرهاب ذات خلفيات سياسية وقانونية وإيديولوجية ومصلحية، سواء للباحثين القانونيين، أو حتى للمفكرين بصفة عامة،[2] وكذلك للدول التي حاولت ممارسة حق مكافحة الإرهاب بشكل فردي.[3]

إلاّ أنّ الكفاح ضد الإرهاب لا ينبغي أن يـتم على حساب الحريات الأساسية والكرامة الإنسانية للأفراد. ولـن يتحقق النجاح في دحر الإرهاب إلا إذا بقينا على تمسُّكنا بذات القيم التي يصدُّ عنـها الإرهابيون [4].

غير أنّ الأعمال الإرهابية تبقى مخالفة لقانون الحرب وحقوق الإنسان، بالتالي تقع خارج القانون. وهذا يعني أنّ قوانين الحرب التي تتطلب تحييد المدنيين (أنظر نصوص اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تحدد مبادئ القانون الإنساني، في حد ذاتها) من النزاع، إنّما تعتمد على قانون الحرب 16 ،17 الذي يستند إلى مبادئ حقوق الإنسان.

لذا، يجب أن يتضمن قانون الحرب في مضامينه احترام مبادئ حقوق الإنسان؛ وهذا الأمر قد نصّت عليه المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة، المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب في 12 أغسطس 1949، حيث تعتبر أن «العقوبات الجماعية، كمثل أي إجراء للترهيب أو الإرهاب، فإنّها محظورة (..) وكذلك الانتقام».[5]

كما تضيف المادة 51 من البروتوكول الأول مسألة حماية السكان المدنيين، فنصّت على ما يلي:

  1. يتمتع السكان المدنيون والأشخاص المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية ويجب، لإضفاء فعالية على هذه الحماية مراعاة القواعد التالية دوماً بالإضافة إلى القواعد الدولية الأخرى القابلة للتطبيق.
  2. لا يجوز أن يكون السكان المدنيون بوصفهم هذا وكذا الأشخاص المدنيون محلاً للهجوم. وتحظر أعمال العنف أو التهديد به الرامية أساساً إلى بث الذعر بين السكان المدنيين.
  3. يتمتع الأشخاص المدنيون بالحماية التي يوفرها هذا القسم ما لم يقوموا بدور مباشر في الأعمال العدائية وعلى مدى الوقت الذي يقومون خلاله بهذا الدور.

هكذا، توفر اتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بقمع الإرهاب إطارًا دقيقًا لقمع بعض الأعمال التي تعتبر عادة أعمالًا إرهابية، مثل اختطاف الطائرات أو أخذ الرهائن أو الهجمات بالقنابل.

والبيّن ممّا سبق أنّ تعقيد أسباب «الإرهاب» يتطلّب استخدام التفكير النقدي لفهم هذه الظاهرة السلبية وتجاوزها. وليس هناك ما هو أقوم في مقاربة هذه الظاهرة الخطيرة وتشخيصها من نهج أسلوب الحوار والتحليل العلمي الرصين لفهم دواعي ارتكابها.

إنّ ترهيب الناس بالهجمات العشوائية، كالتي تشنها بعض المنظمات المتشدّدة، يبرز بما لا يدع مجالا للشك خطورة الارهاب وتعدد أشكاله: عمل فردي أو جماعي يستهدف أفرادا عزّلا، أو مجتمعات أهلية من المدنيين الآمنين.

في الأخير، يمكن القول إنّ الإرهاب لا يلتصق بدين معيّن أو ثقافة محدّدة، بل هو ظاهرة عابرة تخترق كلّ الثقافات والحضارات. غير أنّ هذا الأمر لا ينبغي أن يحول دون إدانة الافعال الإرهابية التي تترك آثارا وخيمة على المدنيين والسلم الأهلي والدولي معا. وتكمن أهمية التحليل المتعدّد الأبعاد: التاريخي والثقافي والقانوني، إلخ، لهذه الظاهرة السلبية في القدرة على كشف واستجلاء أسبابها هذه الخطيرة.

بالمعنى نفسه، يلزم اعتماد مقاربات تشاركية متعدّدة الأبعاد من أجل فهم شامل بهذه الظاهرة السلبية في سبيل تجاوزها ثقافة السلم والسلام والتسامح .

[1]  – الجمعية العامة للأمم المتحدة، تقرير الأمين العام عن أعمال المنظمة، الملحق رقم 1، الدورة التاسعة والخمسون، الأمم المتحدة، نيويورك، 2004، ص 27.
[2]- حسنين المحمدي بوادي، حقوق الإنسان بين مطرقة الإرهاب وسندان الغرب، دار الفكر الجامعي الإسكندرية 2004 – ص54.
[3]- إدريس لكريني، مكافحة الإرهاب الدولي بين تحديات المخاطر الجماعية وواقع المقاربات الانفرادية، مجلة المستقبل العربي، العدد 281، مركز دراسات الوحدة العربية بيروت 2002 ص39.
[4] – أنظر: تقرير الأمين العام عن أعمال المنظمة، الملحق رقم 1، الأمم المتحدة، نيويورك، 2004، مرجع سابق، ص 27.
[5]-  اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب المؤرخة  في جنيف، من 21 نيسان/ أبريل إلى 12 آب/أغسطس 1949، المادة 33 ، والمادة 51.

 

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *