×
×

شارلمان والد أوروبا وقاهر المسلمين… صورة أسطورية كتبت على ضوء الإيديولوجيا

استحضار شارلمان سيزيد مع الوقت، إذ كانت أول نسخة مطبوعة من كتاب اينهارد “حياة شارلمان” سنة 1521. كان إهداء إلى الامبراطور الروماني المقدس كارلوس الخامس، الذي كان يعتبر نفسه استمرارا لأمجاد شارلمان، حتى أنه تلقب بـ “شارلكان”؛ بينما تم في باريس، سنة 1623، إنشاء أول خريطة على الإطلاق لإمبراطورية شارلمان، والتي أنجزت خصيصا للملك الفرنسي لويس الثالث عشر، الذي رأى فيها نموذجا استلهمه من أجل التوسع شرقا.

لازال الإمبراطور شارلمان ملهما للعديد من الأوربيين، ويعتبر النموذج الأعلى للنهضة الكارولنجية، التي تعتبر في السردية التاريخية الأوروبية الرسمية، فترة النهضة الأساسية التي عرفتها العصور الوسطى. هذه الفترة التاريخية مهدت فيما بعد لحركة النهضة الأوروبية، والتي هدفت انتشال أوروبا من ظلمة الجهل والتخلف، ونشر العلم والدين المسيحي، أيضا، للحاق بالعالم الإسلامي المتقدم آنذاك. بل ذهبت بعض الآراء إلى اعتباره كان حاميا للمناطق المقدسة داخل الإمبراطورية الإسلامية.

في هذا المقال، تسلط مرايانا الضوء على بعض من الإشكاليات المقترنة بصورة هذا الامبراطور.

شارلمان مؤسس أوروبا… محارب المسلمين وناشر المسيحية

يعتبر شارلمان واحدا من أبرز أسماء التاريخ الأوروبي، فهو “والد أوروبا الحالية”، بتعبير عدد من المؤرخين؛ وهو ثالث إمبراطور من أباطرة الكارولنجيين، حكم مدة 46 سنة (768 – 814) وأول من حمل لقب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وجمع ألمانيا وفرنسا تحت رايته، ليخلق أول إمبراطورية شمال جبال الألب بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية.

إضافة لهذا، حسب السردية الرسمية دائما، فقد وقف شارلمان في وجه الامتداد الإسلامي في أوروبا، وتمكن من الحد من توغلهم فيها عبر معركة “ممر رونسفال” أو “باب الشزري” سنة 778، كما خاض 45 معركة حربية، خمسة منها ضد إمارة الأندلس، وخمسة ضد إمارة صقلية وجنوب إيطاليا الإسلامية، فيما الباقي كانت ضد باقي أوروبا.

لعب شارلمان دورا أساسيا في تنصير أوروبا في أوائل العصور الوسطى، إذ جلب المبشرين الأنجلوساكسونيين إلى مملكته، من أجل نشر الديانة المسيحية التي لم تكن قد انتشرت آنذاك في أوروبا بشكل كبير. سيعمل أيضا على تطوير نظام التعليم في أوروبا، التي كانت غارقة آنذاك في الجهل، مستلهما التجربة العباسية، إذ استدعى ألكوين من يورك ومجموعة من المثقفين، من أجل إرساء ما سمي بالنهضة الكارولنجية.

علاقات دبلوماسية مع هارون الرشيد: بين الأسطورة والحقيقة

حسب السردية التاريخية السائدة، فإن شارلمان كان رجلا دبلوماسيا أيضا، إذ ربط الاتصالات مع بني العباس، الذين كان يحكمهم هارون الرشيد، وتبادلا السفارات. وإن كانت المصادر الإسلامية لا تشير إلى هذه الاتصالات، فإن المصادر اللاتينية تذكر أن الرشيد أهدى شارلمان فيلا اسمه أبو العباس، وساعة غريبة وعجيبة، بينما أهداه شارلمان جواري وفروا قطبيا وأحجارا كريمة.

أغلب رسومات أو تمثيلات شارلمان مأخوذة من المخطوطات الوسيطية. بحسب بعض الدراسات، فقد أخذت من ستة وثلاثين مخطوطة، يرجع بعضها إلى القرن الخامس عشر، وبعضها إلى القرن الرابع عشر، أبرزها المخطوطة رقم 5 الموجودة في المكتبة الملكية ببروكسل، المؤرخة بين سنتي 1321 و 1340، وتتضمن رسمين لشارلمان.

لكن قصة هذه الصلات لا تعتبر محط إجماع من طرف المؤرخين، بل كانت مثار جدل حقيقي؛ إذ ذهب المستشرق الروسي فاسيلي بارتولد إلى إنكارها، مستدلا على ذلك بغياب أدنى إشارة لها في المصادر الإسلامية، وتضارب المصادر اللاتينية وغموضها، بشكل لا يمكن معه من تصديق هذه الرواية.

إمبراطور القرن التاسع… مصادر القرن الثاني عشر

أثار عدد من الباحثين إشكالية التأريخ لشارلمان، فرغم أن أغلبهم اتجه إلى كونه شخصية واقعية، على عكس الملك آرثر، مستندين في ذلك إلى عدد من الأدلة التاريخية والمستندات الأثرية؛ لكن وضع هذه الأدلة على محك النقد، يجعلنا نطرح عددا من الأسئلة، تبرز معها مناطق ظل غامضة، تسائل السردية ككل.

يعتبر أقدم مصدر أشار لشارلمان هو كتاب “حياة شارلمان Vita Karoli Magni”، الذي كتب في الأغلب بين سنتي 829 و 836، من طرف “اينهارد” الذي كان بمثابة مستشار للامبراطور، ودون سيرته الذاتية، التي تعتبر أول نموذج للسير الذاتية في العصور الوسطى، على غرار الأعمال الأدبية الكلاسيكية.

يطرح هذا المصدر عدة إشكالات، ذلك أن أقدم مخطوطات كتاب “حياة شارلمان Vita Karoli Magni”، ترجع للقرن الثاني عشر، أي أربعة قرون على الأقل بين أقدم مخطوطة وتاريخ وقوع الأحداث.

نفس الأمر ينطبق على معركة “ممر رونسفال”، التي قيل إن شارلمان كان بطلها، إذ أن أقدم دليل عليها هو عبارة عن نشيد أدبي فرنسي (نشيد رولاند)، ترجع أقدم مخطوطاته (باللغة اللاتينية) لنفس الفترة، أي القرن الثاني عشر.

إضافة لهذا، فإن كتاب حياة شارلمان أو نشيد رولاند، عبارة عن نصوص أدبية أكثر منها مصادر تاريخية، حفلت بجوانب أسطورية كثيرة، يجعل من الصعب الركون إليها أو تصديق ما ورد فيها. ولابد من الإشارة إلى أن عددا من المحققين انتقدوا كتاب حياة شارلمان لـ “اينهارد”، واعتبروه يتضمن عددا من المبالغات تصل لدرجة الشطط.

صورة شارلمان لم يتم توظيفها في الصراع مع المسلمين والعرب فقط، بل حضرت حتى في التنافس الأوروبي-الأوروبي، إذ حرص كل من الفرنسيين والإنجليز على استحضاره والانتساب إليه خلال حرب المائة عام (1337–1453). وقد سجل الباحثون في هذا السياق تأليف ما يزيد عن عشر روايات رومانسية مختلفة لشارلمان باللغة الإنجليزية الوسطى بين سنتي 1320 و 1500.

بالعودة إلى إشكاليات المخطوطات، فإن أغلب رسومات أو تمثيلات شارلمان مأخوذة من المخطوطات الوسيطية. بحسب بعض الدراسات، فقد أخذت من ستة وثلاثين مخطوطة، يرجع بعضها إلى القرن الخامس عشر، وبعضها إلى القرن الرابع عشر، أبرزها المخطوطة رقم 5 الموجودة في المكتبة الملكية ببروكسل، المؤرخة بين سنتي 1321 و 1340، وتتضمن رسمين لشارلمان.

أما مخطوطة شارل الخامس، الموجودة في المكتبة الفرنسية تحت رقم 2813، والتي تتضمن تسع رسومات (منمنمات) لشارلمان، فتؤرخ بين سنتي 1375 و1380 (أكثر من خمس قرون بعد وفاة شارلمان)؛ ولا وجود لأي مخطوط قبيل القرن الثاني عشر (على الأقل) يؤرخ لشارلمان.

على المستوى الأثري، تطرح مجموعة من الإشكاليات الأخرى، فإذا كان عدد من الأثريين ينسبون مجموعة من المعالم المعمارية والأثرية إلى الفترة الكارولنجية، فليس ثمة دليل مادي على هذا التأريخ، إذ يظل مبنيا على المقارنة والاستنباط، وهو لا يقوم دليلا علميا.

شارلمان صورة مؤدلجة

من خلال استقراء التاريخ الأوروبي، نجد أنه، انطلاقا من أواخر القرن الحادي عشر ميلادي، وتزامنا مع الحروب الصليبية، برز حضور شارلمان كبطل قومي، خاصة عند الفرنسيين، في الأشعار والملاحم حيث تم تقديمه كنموذج أعلى للبطل الموحد لأوروبا المسيحية… البطل الذي أوقف زحف الكفار (المسلمين)! كما نُظر إليه كصليبي أول وقائد عسكري وملك مقدس روع الأعادي.

في هذا السياق، لاحظ بعض الباحثين أنه، بعد هزيمة القوات المسيحية في “حملة نيقوبوليس الصليبية” سنة 1396 أمام جيوش الإمبراطورية العثمانية، تم الإعلاء من صورة شارلمان بشكل أكبر، وذلك لتعزيز الروح المعنوية للمسيحيين.

صورة شارلمان لم يتم توظيفها في الصراع مع المسلمين والعرب فقط، بل حضرت حتى في التنافس الأوروبي-الأوروبي، إذ حرص كل من الفرنسيين والإنجليز على استحضاره والانتساب إليه خلال حرب المائة عام (1337–1453). وقد سجل الباحثون في هذا السياق تأليف ما يزيد عن عشر روايات رومانسية مختلفة لشارلمان باللغة الإنجليزية الوسطى بين سنتي 1320 و 1500.

استحضار شارلمان سيزيد مع الوقت، إذ كانت أول نسخة مطبوعة من كتاب اينهارد “حياة شارلمان” سنة 1521. كان إهداء إلى الامبراطور الروماني المقدس كارلوس الخامس، الذي كان يعتبر نفسه استمرارا لأمجاد شارلمان، حتى أنه تلقب بـ “شارلكان”؛ بينما تم في باريس، سنة 1623، إنشاء أول خريطة على الإطلاق لإمبراطورية شارلمان، والتي أنجزت خصيصا للملك الفرنسي لويس الثالث عشر، الذي رأى فيها نموذجا استلهمه من أجل التوسع شرقا.

خلال القرن التاسع عشر، وفي سياق التنافس الفرنسي الألماني، حضر شارلمان بشكل كبير، لدرجة جعلت الكتاب يتسابقون لإعادة إحياء سيرته، وفق خلفياتهم ومرجعياتهم وانتماءاتهم، وأصبحت كلتا الدولتين تبحثان فيه عن المشروعية.

تقود الدراسة المتأنية إلى سيرة شارلمان، إلى الوقوف على مناطق ظل كثيرة، تجعل من القول إننا أمام صورة مؤدلجة أمرا طبيعيا وعاديا…

لكن السؤال الذي يطرحه أصحاب كثير من النظريات النقدية الجذرية (رواد نظرية الزمن الشبحي مثلا) هو…

ألا يحتمل أن الأمر يتعلق بشخصية “مختلقة” أو، على الأقل، ملفقة تم نسبها لزمن ولمكان غير زمانها ومكانها؟

أسئلة تظل لحد الآن منتمية إلى اللامفكر فيه ربما.

 

مقالات قد تهمك

الزمن الشبحي: قصة 3 قرون اختفت من التاريخ

هذه 5 شخصيات تاريخية شهيرة… مشكوك في وجودها!

تاريخنا المجهول: مدينة البصرة المغربية… قصة ثاني عاصمة للأدارسة (صور)

العكاكزة: قصة طائفة مغربية جعلت من الجنس الجماعي وزواج الكبيرة بالصغير طقوسا تعبدية 1\3

هل وصل المسلمون إلى أمريكا قبل كولمبوس؟

 

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *