×
×

المُلك عقيم… وحشية العرش العثماني 1/5

على اعتبار أنّ “للمُلك طبائع مستقلّة عن شخص السلطان”، فقد ساد الدولة العثمانية المتدثرة برداء التقوى تقليدٌ استئصالي عنيف؛ قائم على إباحة إراقة الدماء الأسرية للسلطان، تحت غطاءٍ شرعي مرتكزٍ على فتاوى دينية، مستصدرة من مفتي الأسِتانة، تبرر قتله لأبنائه أو أحفاده أو أشقّائه إذا ما حدث وصدر ما ينبئ عن نية أحدهم في الخلاص منه أو النّيل من سلطانه عن طريق الإنقلاب عليه، أو حتى خامره الشّك وساوره الظّن في تهديد أي منهم لملكه… حتّى لو كان على سبيل الوشاية.

يُقال… “المُلك عقيم”.

عبارة متداولة على ألسن العرب القدامى، “يريدون-بها- أن المَلِك لو نازعه ولده المُلك، لقطع رحمه حتّى يهلك، فكأنه عقيمٌ لم يولد له، وإنّما ذلك الانفراد بالملك، وأن ليس في المُلك شريك، فكأنّه لذلك عقيم”[1].

وردت هذه العبارة الحادّة على لسان هارون الرشيد في محادثة منسوبة له مع ابنه المأمون: “يا بني المُلك عقيم، ولو نازعتني أنت على الحكم لأخذت الذي فيه عيناك“، أي: لقطعت رأسك. ولقد تأكد بالملموس، عبر حوادث التاريخ الإسلامي، أن هذا القول لم يكن قطُّ مجرد صيغة مبالغة بل أمرا واقعاً؛ فكتب التاريخ تحمل بين دفّتيها بعض الوقائع التي تمثِّل التطبيق العملي لما جاء على لسان الرشيد.

شكّلت عبارة “الملك عقيم” قاعدةً في حيازة الملك وتثبيت السلطان، لما تحمله في طياتها من دلالاتٍ تتعلّق بشهوة المُلك، وسطوة السلطان الغالبة؛ والتي تعلو فوق كلّ ما عداها، فالسُّلطان لا يقبل القسمة في عُرف السياسة.

لعل الأمثلة على ذلك معينٌ لا ينضب، إلّا أن المقام لا يتّسع لأجل تسليط الضوء على كلِّ الحوادث المتعلقة بتلك العبارة التي تحيل على اجتثاث الأصول، ووأد الفروع. من أجل الحكم، يقتل الأب ابنه، والابن يغدر بأبيه، ودماء الأخوة تستباح في رمشة عين، لا لشيء سوى أنّ القاعدة تقضي بكون الأقرب إلى السُّلطان، الأقرب إلى حتفه إذا ما زلّت به قدمه.

الصورة النمطية التي دأب أنصار الإسلام السياسي على تسويقها للتاريخ العثماني، خاصةً بعد صعود المد الإسلامي في شخص رجب طيب أردوغان إلى رأس هرم السلطة، لم تكن على قدرٍ كافٍ من الصدق، حيث تم نقل الجانب المتعلق بورع سلاطين الدولة العثمانية الذين يرفلون في التقوى، والاحتفاء بتعلّق هؤلاء بأهداب الدين، مقابل إخفاء تعلق أغلبهم بالسلطة والملك

بيد أنّه، عوض الإتيان بجملة لا حصر لها من الأمثلة التي تعود إلى البدايات الأولى من التاريخ الإسلامي، سنركز في هذا الملف على آخر دولة مثلت ما سُمي بـ “نظام الخلافة”، على اعتبار أن أنصار الإسلام السياسي دأبوا منذ 1928 وإلى غاية اليوم على ترويج صورة تزخر بعبارات التفاخر بالإرث التاريخي لسلاطين الدولة العثمانية.

ابتداءً بمحمد (الفاتح) -1429_1481- الذي استأثر دون غيره بنبوءة “فتح القسطنطينية”، كما جاء في حديث نبي الإسلام (لتفتحن القسطنطينية، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)[2]، مروراً بسليمان القانوني -1494_1566- بما يمثله من حمولة تاريخية في المخيال الإسلامي، انتهاءً بالسلطان عبد الحميد الثاني -1842_1918- أو كما تلقّب في أوساط العالم الإسلامي بـ “السلطان المظلوم”.

على الرغم من كون الأخير لا يعتبر آخر سلاطين الدولة العثمانية، غير أنّ أنصار الإسلام السياسي يتوقّفون عنده على اعتبار أنّه آخر من امتلك سلطة فعلية في دولة بني عثمان تحت راية “الخلافة”.

من أجل الحكم، يقتل الأب ابنه، والابن يغدر بأبيه، ودماء الأخوة تستباح في رمشة عين، لا لشيء سوى أنّ القاعدة تقضي بكون الأقرب إلى السُّلطان، الأقرب إلى حتفه إذا ما زلّت به قدمه.

إلّا أن الصورة النمطية التي دأب أنصار الإسلام السياسي على تسويقها للتاريخ العثماني، خاصةً بعد صعود المد الإسلامي في شخص رجب طيب أردوغان إلى رأس هرم السلطة، لم تكن على قدرٍ كافٍ من الصدق، حيث تم نقل الجانب المتعلق بورع سلاطين الدولة العثمانية الذين يرفلون في التقوى، والاحتفاء بتعلّق هؤلاء بأهداب الدين، مقابل إخفاء تعلق أغلبهم بالسلطة والملك.

على عكس الصورة التي تسعى إلى تلميع تلك الحقبة الغائبة/الحاضرة في التاريخ الإسلامي؛ فإنّ الحقيقة لا تكتمل سوى بالتحام أجزائها، وإظهار الجانب المظلم جنباً إلى جنب رفقة الجانب المشرق.

خلف التدين “الاستعراضي” الذي حفِلت به الدولة العثمانية، تتخفّى وحشية العرش العثماني المتعطِّش للدماء، والقائم على الاغتيالات الأسرية لاحتكار السّلطة والانفراد بالحكم.

على اعتبار أنّ “للمُلك طبائع مستقلّة عن شخص السلطان”، فقد ساد الدولة العثمانية المتدثرة برداء التقوى تقليدٌ استئصالي عنيف؛ قائم على إباحة إراقة الدماء الأسرية للسلطان، تحت غطاءٍ شرعي مرتكزٍ على فتاوى دينية، مستصدرة من مفتي الأسِتانة، تبرر قتله لأبنائه أو أحفاده أو أشقّائه إذا ما حدث وصدر ما ينبئ عن نية أحدهم في الخلاص منه أو النّيل من سلطانه عن طريق الإنقلاب عليه، أو حتى خامره الشّك وساوره الظّن في تهديد أي منهم لملكه… حتّى لو كان على سبيل الوشاية.

[1] – الأمثال، لإبن سلام، ص: 148
[2] – التاريخ الكبير، البخاري، (2/81)

 

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *