×
×

وحشية العرش العثماني… بايزيد الأول يؤسس لقتل الإخوة 2/5

ابتدأ الصراع على العرش العثماني مبكّراً، وأبان عن وحشيته في سنوات عُمره الأولى.
عدَّة روايات تنسب إلى بايزيد الأوَّل “شروعه بِعادة قتل الإخوة، إذ قيل إنه أوَّل سُلطان عُثماني قتل أخاه لِضمان عدم مُنافسته على السُلطة”.
كان أوَّل عمل قام به، هو قتل أخيه الوحيد يعقوب، الذي كان يصغره سنا بِقليل، بعد أن حاول مُنافسته على السُّلطة. هذه العادة السيئة… أضحت بعد ذلك سُنَّةً سار عليها سلاطين آل عُثمان حتَّى عهد الإصلاح.

لا غرابة في إطلاق وصف العقم على الملك؛ على اعتبار أن طبيعته لا تحتكمُ للعاطفة، ولا تراعي صلة القرابة والدّم؛ ففيه تُقطع الأرحام بالقتل والعقوق.

بسبب عقمه، استنّ السلاطين سُنّة قتل الأبناء والأشقاء والأرحام، بل وكل ذي صلةٍ بالأمر؛ فصارت القاعدة عُرفاً في نظام الملوك الإجتماعي حتّى أقره آل عثمان في السلطنة العثمانية، فأمسى قانوناً في نظام الملوك السّياسي أو ما عُرف بـ”القتل سياسة”.

بالرجوع إلى السنوات الأولى من عُمر الدولة العثمانية، تكتنفُ الصورة مشاهد سريالية تميزت باختلاط الأحداث الواقعية بالأساطير زُهاء ستة قرون أو يزيد، أي منذ ظهرت الدولة العثمانية ككيان سياسي فعليّ على يد عثمان الأول سنة  1299 إلى أن زالت ككيان سياسي، وانهارت كإمبراطورية عالميّة بعد الهزيمة التي لحقت بها إبّان الحرب العالمية الأولى، بدايةً كسلطنة إبّان فترة حكم السلطان محمد السادس سنة 1922، ثم كنظامٍ للخلافة في شخص السلطان عبد المجيد الثاني، مفسحةً المجال بذلك لولادة الجمهورية التركية سنة 1924 على يد الأب الروحي للأتراك مصطفى كمال أتاتورك.

في فترة حكم الدولة العثمانية، اتخذ نظام الحكم بادئ الأمر صورة الملكية المطلقة خلال الطّور الأول/الأعظم من تاريخها، ثم تحوّل بعد ذلك ليتّخذ هيأة الملكية الدستورية في بدايات عهد السلطان عبد الحميد الثاني خلال القسم الثاني أواخر عُمر الدولة.

وبما أنّ السلطان يقبع على رأس الهرم العثماني، فإنّ السلط -السياسية، العسكرية، القضائية، الإجتماعية، والدينية- ترتكز بين يديه.

ولعل اختزاله لكل السُّلط في شخصه، نابعٌ من مكانته في المعتقد الإسلامي بما يمثل من رمزيةٍ دينية بوصفه “ظلّ الله في الأرض” كخليفة للمسلمين؛ خاصة بعد تنازل الخليفة العباسي المتوكل على الله الثالث عن الخلافة وتسليم ما يتعلق بها من رموزٍ لسليم الأول، لتنتقل حينئذٍ الخلافة من «الفرع العربي/القرشي» إلى «فرع آل عثمان».

في حقيقة الأمر، لم يكن المسوغ الديني وحده كافياً لأجل تثبيت دعائم سلطة الدولة العليّة وتزكية النظام العثماني. لهذا، فقد تمكّن السلطان الذي يستمد الشرعية المطلقة من الدين من تعزيز سلطانه، وتوطيد أركان حكمه عن طريق القانون أيضاً؛ وهو ما يتّضح جلياًّ في المبدأ الأساسي لـ”القانون العثماني/نامه”، القاضي بكون “الرّعية والأرض تعود إلى السّلطان”. بعبارةٍ أخرى، فقد كان لا يحقُّ لأحد، ولا يمكن لأحد بأي شكلٍ أن يمارس أي سلطة على الرعية والأرض دون إذن خاص من السلطان. وقد كان هذا المبدأ يوفِّر للسلطان السيادة المطلقة في الدولة. لقد كان هذا المبدأ، في الحقيقة، حجر الزّاوية للنظام الأوتوقراطي المركزي العثماني”[1].

رُغم أنَّ سُلطة السلاطين كانت تبدو ثيوقراطيَّة ومُطلقة من حيثُ النظريَّة والمبدأ، غير أنَّها كانت مُقيَّدة في واقع الأمر؛ فالقرارات السياسيَّة البارزة والمُهمَّة كان لا بُدَّ فيها من استشارة كبار أفراد الأُسرة الحاكمة قبل اتخاذها، بالإضافة لمُمثلي الهيئات البيروقراطيَّة والعسكريَّة، والزُعماء الروحيّون[2].

غير أنّ هذه القاعدة التدبيرية المقننة والصورية أحياناً، لم تكن تغنِ عن نشوب نزاعات بين العثمانيين وأبنائهم من جهة، وأشقائهم من جهة أخر، وذلك خوفاً على الكرسي وصوناً للعرش.

ابتدأ الصراع على العرش العثماني مبكّراً، وأبان عن وحشيته في سنوات عُمره الأولى. عدَّة روايات تنسب إلى بايزيد الأوَّل “شروعه بِعادة قتل الإخوة، إذ قيل إنه أوَّل سُلطان عُثماني قتل أخاه لِضمان عدم مُنافسته على السُلطة”[3]، “فقيل إن أوَّل عمل قام به هو أنَّه قتل أخاه الوحيد يعقوب، الذي كان يصغره سنا بِقليل، بعد أن حاول مُنافسته على السُّلطة، ما كان سيؤدي إلى التمزُّق، وأنَّ هذه العادة السيئة أضحت بعد ذلك سُنَّةً سار عليها سلاطين آل عُثمان حتَّى عهد الإصلاح[4].

إلَّا أن الغريب في الأمر، أن هذه الحادثة سرعان ما أُلبست لبوساً دينيا؛ فقد “ادعى بعض المُؤرخين الغربيين أنَّ قتل يعقوب بك كان بناءً على فتوى شرعيَّة أفتى بها عُلماء ذلك الزمان منعًا لِحُصُول الفتنة بناءً على ما ورد في القُرآن: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}”[5]، في تعبيرٍ عن إقامة حد البغي الذي يُعنى بالخروج عن طاعة الحاكم بُغية خلعه.

شكّلت هذه الحادثة المدعومة بفتوى شرعية اللبنة الأولى لبداية الإحتيال على النّص الديني. من جهة أخرى، فتحت الباب على مصراعيه أمام “أوّل عملية استباقيّةٍ حصلت في عهد “بايزيد” (1389_1403)؛ حيث كانت أول أعماله التّخلص من أخيه يعقوب خنقاً، مبرِّرا عمله هذا بالحرص على وحدة البلاد؛ لاسيما أنّ حادثة أخيه “صاووجي” المتمرد على أبيه السلطان “مراد الأول” كانت لا تزال ماثلةً أمامه. وبعد هذا، بدأ تقليد -وليس تشريع- قتل الإخوة في الدَّولة العثمانية[6].

لم تكن عمليّة قتل بايزيد لأخيه يعقوب بك سوى الحجر الأساس الذي سيكون بدايةً لسلسلةٍ من الحوادث المتلاحقة الموسومة بـ”القتل الأسري”؛ فما أن انتهت حقبة “بايزيد الأول”، حتّى اندلع الصِّراع بين أبنائه خلال ما عُرف بـ”الفترة الدوريَّة”، حيث دام الصراع على العرش ردحًا من الزمن “سادت خلاله الفوضى في جسم الدولة العُثمانيَّة واستمرَّ من عام 1402م إلى عام 1413م. بدأت تلك الفترة بعد إنهزام العُثمانيين ووقوع السُلطان بايزيد الأوَّل في الأسر بعد معركة أنقرة التي جرت بين العُثمانيين والقبائل التُركيَّة المغوليَّة بقيادة تيمورلنك، وذلك يوم 20 يوليو 1402م.

حارب أبناء بايزيد بعضهم بعضًا طيلة عقدٍ من الزمن تقريبًا بعد أن رغب كُلٌّ منهم بالحُكم، إلى أن تمكَّن ابنه مُحمَّد من الإنتصار على إخوته والخروج ظافرًا سنة 1413م[7].

 

 

[1] – خليل اينالجيك، تاريخ الدولة العثمانية: من النشوء إلى الإنحدار، ترجمة: محمد الأرناؤوط، الطبعة الأولى، دار المدار الإسلامي، الصفحة: 116_117
[2] – جليزر، ستيفن أ. (1996) “الفصل الأول: الإعداد التاريخي” دراسة قطرية: تركيا. (الطبعة الخامسة)
[3] – محمد سهيلطقّوش، تاريخ العثمانيين: من قيام الدولة إلى الإنقلاب على الخلافة، الطبعة الثانية، دار النفائس، الصفحة: 55
[4] –  آرنولد طوماس ووكر باسيه رينيه، دائرة المعارف الإسلامية، الجزء الثالث، الطبعة الأولى، مركز الشارقة للإبداع الفكري، الصفحة: 328
[5] – فريد بك محمد، تحقيق إحسان حقي، تاريخ الدولة العلية العثمانية، الطبعة العاشرة، دار النفائس، الصفحة: 137
[6] – أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني، الصفحة: 50
[7] –  پيتر شوگر ، جنوب شرق اوروبا تحت الحكم العثماني، 1354-1804″، ترجمة: عاصم الدسوقي، دار الثقافة الجديدة

 

اقرأ أيضا: 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *