×
×

وحشية العرش العثماني… دماء وقطع أرحام قربانا للحكم 5/5

مراد الثالث قتل إخوته الخمسة، ومحمد الثالث أقام حفل تنصيبه على العرش بالتزامن مع خروج تسعة عشر نعشاً لإخوته من القصر أمر بخنقهم جميعا قبل دفن أبيه… ومحمد الرَّابع وصل إلى العرش تحت وصاية أمه السُّلطانة “كوسيم”، التي قامت بعزل ابنها السُّلطان “إبراهيم” وقتله لأنه حاول الحد من نفوذها القوي…
هي بعض حكايات تاريخ طويل، صار فيه الدم، أهم قرابين الخلفاء لعرش لم يرتو قط.

خلال ستة قرون، قدَّمت الأسرة العثمانية ستة وثلاثين عاهلا[1]، إلا أنّ أغلب هؤلاء، ممن شكّلو اللبنات الأولى لقيام الدولة، قدَّموا أبناءهم، أشقاءهم، وكل ذي صلة… أو قُدِّموا هم أنفسهم كقرابين لإشباع وحشية العرش العثماني.

بموجب التقاليد الإسلامية، يجب أن يكون السلطان ذكراً، في سن الرشد، وأن يتمتع بعقلٍ سليم؛ بينما لم تكن هنالك أية قواعد لوراثة العرش. حسب المعتقدات التركية القديمة، فقد كان تعيين السلطان بيد الله[2]. لذلك، كانت نتيجة الصراع بين الإخوة على العرش، تعتبر حكما إلهيا؛ إلى أن شرَّع محمد الفاتح قانون “نامه” الذي ينصُّ على إمكانية التّخلص من الإخوة في حالة النزاع حول السلطة، وجاء فيه: “يمكن لأي من أبنائي، الذي سيهبه الله السلطنة، أن يتخلص من إخوته لأجل مصلحة الدولة، وهو ما تقره غالبية العلماء”. إلا أن هذا الحل لم يمنع بدوره الحروب الأهلية[3].

هكذا، وبفضل هذا القانون الدموي، إضافة إلى الفتاوى الشرعية الصادرة/المستصدرة عن ومن شيوخ الإسلام في الدولة العثمانية، تمكّن السلاطين من إيجاد مسوغاتٍ قانونية وفقهية تزكي قتل الأبناء والتخلص من الإخوة من أجل “مصلحة الدولة”.

لم يكن هذا الأمر يفوت السُّلطان مراد الثَّالث الذي اعتلى العرش العثماني بعد وفاة والده السُّلطان “سليم الثاني”.

مراد الثالث “أمر في الوقت نفسه، بقتل إخوته الخمسة وهم (محمد، سليمان، مصطفى، جهانكير، وعبد الله)، بحسب السِّياسة الدموية العثمانية، ليأمن على ملكه من النِّزاع”[4]؛ فكانت فاتحة عهده وبداية حكمه… خنق إخوته الخمسة.

بعد وفاة هذا الأخير سنة 1596، تولَّى من بعده إبنه السُّلطان “محمد الثَّالث”، وكان له تسعة عشر أخاً، أمر بخنقهم جميعاً قبل دفن أبيه، ودفنوا معاً في جامع “آيا صوفيا” في إسطنبول[5]. يقول أحد المؤرخين: “ومع أنّ الرأي العام لم يكن يتقبل قتل الأطفال الأبرياء، إلا أن وصول “محمد الثَّالث” إلى العرش قد صاحبه خروج تسعة عشر نعشاً لإخوته من القصر، وذلك بعد تشييع والده مراد الثَّالث”[6].

بعد وفاة محمد الثَّالث، جاء إلى العرش إبنه الأكبر أحمد الأوَّل -1603_1617- الذي أخذ بنصيحة أحد مستشاريه ولم يقتل أخاه الأصغر مصطفى الذي كان يُعاني من قصورٍ عقلي.

بذلك، كان محد الثالث أوّل من أبطل شريعة قتل الإخوة، إذ تولَّى المُلك ولم يتجاوز الرَّابعة عشر من عمره، ولم يكن له أبناء. لذا، لم يقتل أخاه كما جرت العادة في تعاقب سلاطين آل عثمان خوفاً من انقطاع النَّسل. “إلَّا أنَّ السلطان “أحمد الأوَّل” سرعان ما حاول أن يتراجع عن قراره هذا حينما رُزق عام 1605 بابنه “عثمان”، إذ حاول أن يقتل أخاه “مصطفى” إلَّا أن الأمراء ورجال البلاط منعوه من القيام بذلك.

توفي السُّلطان “أحمد الأوَّل” سنة 1917، وله من العمر سبعة وعشرين عاماً. ونظراً لصغر سن ولده “عثمان”، أوصى السُّلطان بالحكم لأخيه الأمير “مصطفى”، الذي لم يكن يدري ماذا يجري حوله، بعد أن عاش معزولاً في القصور بين الحريم معظم سنين عمره”[7].

ومع ذلك، لم يبق السُّلطان “مصطفى” في الحكم سوى ثلاثة أشهر؛ إذ أنه أُبعد بعد ذلك لصالح إبن “أحمد”، “عثمان الثَّاني”؛ وقد حرص السُّلطان “عثمان الثَّاني” قبل حملته على “بولونيا” أن يستصدر فتوى تبيح له قتل أخيه “محمد”، إلا أنَّ “عثمان الثَّاني” قُتِلَ في عام 1622 على يد الإنكشارية ليعود عمه “مصطفى” مرةً أخرى إلى العرش.

لكن…

“مصطفى” لم يبق طويلًا، إذ أُبعد مرةً أخرى ليتسلم العرش الأخ الآخر لـ”عثمان”، “مراد الرَّابع”؛ وقد قام “مراد الرَّابع” حينئذ بقتل ثلاثة من إخوته، بينما حافظ على حياة الرَّابع “إبراهيم” لأنه لم يكن له ولد. وبالفعل، فقد أصبح “إبراهيم” السُّلطان الجديد بعد وفاته.

حين تولى “محمد الرَّابع” العرش في السَّابعة من عمره، حافظ على أخويه سليمان وأحمد. هكذا، فقد تولى “سليمان الثاني” العرش بعد إبعاده، وخلفه بعد وفاته “أحمد الثَّاني”، ولَم يقم هذا السُّلطان بقتل أولاد السُّلطان “محمد الرَّابع”، الذين سيتولون العرش فيما بعد.

هكذا، لم تعد وراثة العرش تنتقل من الأب إلى الإبن، بل أصبحت تعتمد على أكبر أعضاء الأسرة سنًا، وبقيت على هذا النَّحو، دون وجود قانون ينظم ذلك، حتى إعلان الدُّستور الأول في عام 1876م”[8].

“بعد إعتلاء السُّلطان “محمد الرَّابع” العرش تحت وصاية جدته السُّلطانة “كوسيم”، التي قامت بعزل ابنها السُّلطان “إبراهيم” وقتله لأنه حاول الحد من نفوذها القوي، نلاحظ أنه تمت الإستعاضة عن قتل الإخوة بتحديد إقامتهم داخل غرفٍ مخصَّصة لهم في جناح الحريم داخل البلاط، وهي الغرف التي عرفت باسم {الأقفاص}، وقد حظر حينئذ على هؤلاء الأمراء الخروج من الأقفاص أو الزَّواج، حتى يضمن السُّلطان أن لا يتم التَّمرد عليه من قِبل إخوته.

نتيجة للخوف من القتل، أصبح غالبية الأمراء يعانون من اضطرابات نفسية. هكذا، حين دعي “سليمان الثَّاني” (1687_1691) لتولي العرش، أخذ يشكو حاله أمام كبار الشَّخصيات في البلاط التي جاءت كي تخرجه من القفص:

 “قولوا لي إذا كان أجلي قد حان، اسمحوا لي بالصلاة، ثم نفذوا فيَّ ما قررتم. إنني هنا منذ طفولتي، منذ أربعين سنة، من الأفضل الموت بسرعة على الموت ببطء كل يوم… نعاني هنا من الرُّعب لكي نتنفس فقط”.

…هكذا، سُحِبَ سليمان بصعوبة من القفص لكي يوضع على العرش آنذاك[9].

لا غرو إذن، بعد كل هذه المشاهد المعبِّرة عن “القتل الأسري”، سواء عن طريق الموت السريع أو البطيء، والمستثرة تحت رداء القانون تارةً، واللَّابسة لبوس الدين أخرى، من الإعتراف بوحشية العرش العثماني، والتأكيد على صوابيَّة عبارة “المُلك عقيم”، لكونه يقطع الأرحام، فلا يُبق على أحدٍ قريب من دائرة السلطان.

السُّلطة، إن صحَّ التَّعبير، عبارةٌ عن حبيبة غيورة لا تقبل أي منافس، فإمَّا أن تكسب أو أن تموت…

 

 

[1] – خليل اينالجيك، تاريخ الدولة العثمانية: من النشوء إلى الإنحدار، ترجمة: محمد الأرناؤوط، دار المدار الإسلامي: الصفحة: 97
[2] – المرجع نفسه، الصفحة: 95
[3] – المرجع نفسه، الصفحة: 96
[4] – نزار قازان، سلاطين بني عثمان بين القتال وفتنة الإنكشارية، الصفحة: 57
[5] – محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، الصفحة: 117
[6] – خليل اينالجيك، تاريخ الدولة العثمانية: من النشوء إلى الإنحدار، ترجمة: محمد الأرناؤوط، دار المدار الإسلامي: الصفحة: 97
[7] – المرجع نفسه، الصفحة: 119-118
[8] – خليل اينالجيك، تاريخ الدولة العثمانية: من النشوء إلى الإنحدار، ترجمة: محمد الأرناؤوط، دار المدار الإسلامي: الصفحة: 98-97
[9] – المرجع نفسه، الصفحة: 97

 

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *