×
×

وحشية العرش العثماني… سليمان القانوني، الإمبراطور الذي رق قلبه للطير وقتل أولاده وأحفاده 4/5

مع سليمان القانوني، صارت الدولة العثمانية إمبراطورية مترامية الأطراف…
سليمان القانوني… اشتهر برفقه بالحيوان حيث قام بإنشاء بيوت للطيور لحمايتها من البرد وتأمين مأوى لها، وأصدر قرارًا منع بمقتضاه زيادة الثقل على الحيوانات أثناء إنشاء جامع السليمانية، كما كانت الأحصنة التي تحمل ثقلا ترتاح في يوم الجمعة، ولا يركب عليها أحد حتى ترتاح جيدا.
في المقابل، لم يتردد السلطان العثماني في… قتل ولديه مصطفى وبايزيد وأحفاده منهما.

باتت الإمارة الحدودية التي نشأت في القرن الرابع عشر على يد عثمان، مؤسس السلالة العثمانية، قوَّةً عالمية بفضل “الفتوحات” المتتابعة التي تمتد من أوروبا الوسطى إلى المحيط الهندي، والتي تمت على يد سليمان الأول المعروف بـ(القانوني) -1520_1566-.

في “نقش يعود إلى سنة 1538 بقلعة بندر، سجل السلطان سليمان القانوني ما وصل إليه من قوة:

“أنا عبد الله وسلطان هذا العالم، ورأس ملة المسلمين بفضل الله عليّ… أنا سليمان الذي يذكر اسمي في الخطبة بمكة والمدينة، في بغداد أنا الشاه، وفي بزنطة أنا القيصر، في مصر أنا السلطان. أرسل سفني في مياه أوروبا والمغرب والهند. أنا السلطان الذي حاز على تاج وعرش هنغاريا، وحوّل سكانها إلى رعية مطيعة. تجرأ القائد بترو على التمرد ضدي ولكنَّني دسته بحوافر حصاني وأخذت بلاده مولدافيا”[1].

سواءٌ اتفق المرء مع ما جاء أعلاه أم اختلف، فلا يملك سوى الاعتراف بتمكن سليمان القانوني من توطيد سلطته وتعزيز مكانته، والبلوغ بدولته أقصى الاتساع، على غرار مثله وقدوته “الإسكندر المقدوني”، حتّى أمست إمبراطورية عالمية مترامية الأطراف.

إلّا أنه، وبقدر عزيمته على بلوغ مراميه، أطلق العنان لنفسه في رحلة توطيد ركائز السلطة، عبر سفك دماء مقرَّبيه دون أن يراعي فيهم إلاًّ ولا ذمة؛ عملا بمقتضى أن الأقرب إلى السلطان الأقرب إلى حتفه إذا ما زلّت به قدمه، في تعبيرٍ عن عقم المُلك الذي لا يعترف بشريك.

في عهده، أعدم ولديه مصطفى (1553) وبايزيد (1561) بعد أن تمرَّدا على حكمه.

تذكر المصادر التاريخية أن السلطان سليمان وقع تحت تأثير زوجته “خُرم” المعروفة في أوروبا بـ”روكسلانا”، والتي تدخلت للتآمر ضد الأمير مصطفى، أكفأ أبناء القانوني من زوجته الأولى “مهدفران سلطان”، فأوغرت رفقة الصدر الأعظم “رستم باشا” صدر السلطان سليمان عليه، وأقنعاه بأنَّه يقود تمردا ضده لتقويض حكمه، مُحاولةً بذلك إفساح المجال أمام ابنها “سليم”، وتمهيد الطريق له نحو العرش.

لم يكن قرب الأمير مصطفى من أبيه السلطان سليمان الأول ليعصمه من بطش الأخير به، وإرساله إلى حتفه بعد كمِّ الرسائل المزورة والدسائس التي رتبت حول هذا الأمر بُغية تلفيق جُرم الخيانة له.

ولأن المُلك عقيم، فلم يذخر سليمان القانوني جهداً في إيجاد المسوغات القانونية والفقهية لإعدام ابنه؛ إذ سرعان ما استحصل على فتوى من شيخ الإسلام “أبو السعود أفندي” مفادها أنَّ الأمير مصطفى أعلن العصيان ضد الدولة، وهذا ما يجعل الجريمة تدخل في حد البغي.

في 1553، نُفِّذ الإعدام عندما حضر الأمير مصطفى للقاء والده في خيمته أثناء الحملة، ثم القبض عليه وخنقه؛ حيث أعدم بخيطٍ من حرير من قِبل أشخاص صم بكم وِفقاً للتقليد العثماني في إعدام الشخصيات الهامة[2].

لم يبق للسلطان سليمان بعد إعدام وليّ عهده الأول مصطفى “سوى ولدين هما سليم وبايزيد، وكان “بايزيد” مؤهلا للحكم أكثر من أخيه “سليم” بالرغم من أنَّه الأصغر في السن؛ لذلك خشي “سليم” من أن يوصي السلطان بالملك لأخيه من بعده، فاتفق مع مربي “بايزيد”، بعد أن أغراه بالأموال، على التَّخلص منه.

كتب مربي “بايزيد” إلى “بايزيد” بأن السُّلطان “سليمان” مصمم على تولية “سليم” من بعده بالرغم من انغماسه بالشَّهوات والمعاصي؛ فكتب “بايزيد” إلى أخيه “سليم” كتابًا تعرض فيه لأبيهما السُّلطان، فأرسل “سليم” الكتاب إلى والده، الذي ما أن اطلع عليه حتى أرسل بطلب إبنه ــ وكان حاكمًا على “قونية”– فخشيَّ “بايزيد” مِن غدر أبيه وأظهر التَّمرد عليه، فأرسل السُّلطان قوات استطاعت أن تهزمه، فتقهقر إلى “أماسيه” ثم إلتجأ مع أولاده إلى بلاد فارس.

لكن… “الشَّاه” خانهم وسلمهم إلى رسل السُّلطان، فقتلوهم جميعا، “بايزيد” وأولاده الأربعة (أورخان ومحمود وعبد الله وعثمان) في مدينة “قزوين” في بلاد فارس، ونقلت جثثهم إلى مدينة “سيواس” ليواروا الثَّرى. كان لـ”بايزيد” إبنٌ صغير في مدينة “بورصة”، فخُنق ودفن إلى جانب والده وإخوته ليكون الحُكم لـ”سليم الثَّاني” من دون أي منافس”[3].

قد يبدو للوهلة الأولى أنَّ سليمان الأول (القانوني) رجل المتناقضات، خاصة إذا ما تم تسليط الضوء على الجانب الآخر من شخصيته كشخص مهتمٍّ بالحيوان؛ فقد عُرف عنه رفقه بالحيوان حيث قام بعد أن أنشأ العديد من المساجد والخانات والحمامات والقلاع لخدمة رعاياه، بإنشاء بيوت للطيور لحمايتها من البرد وتأمين مأوى لها. كذلك، في عام 1550، أصدر السلطان سليمان القانوني قرارًا وأعلن فيه منع زيادة الثقل على الحيوانات أثناء إنشاء جامع السليمانية. كما كانت الأحصنة التي تحمل ثقلا ترتاح في يوم الجمعة، ولا يركب عليها أحد حتى ترتاح جيدا.

لكن، سرعان ما يتبدَّد هذا اللُّبس إذا ما تمَّ لفتُ الإنتباه إلى فكرةٍ مُؤدَّاها أنّ…

للمُلك طبائع مستقلة عن شخص السُّلطان.

 

 

[1] – خليل اينالجيك، تاريخ الدولة العثمانية: من النشوء إلى الإنحدار، ترجمة: محمد الأرناؤوط، دار المدار الإسلامي، الصفحة: 67
[2] – أحمد آق كوندوز، سعيد أوزتوك، كتاب الدولة العثمانية المجهولة 303 سؤال وجواب توضح حقائق غائبة عن الدولة العثمانية. مكتبة Amro Turan. صفحة 347-350
[3] – محمد فريد بك، تاريخ الدَّولة العلية العثمانية، تحقيق: إحسان حقي، دار النفائس، الصفحة: 105

 

اقرأ أيضا:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *