هشام روزاق يكتب: مجرد حملة… على مجرد فساد؟ - Marayana - مرايانا
×
×

هشام روزاق يكتب: مجرد حملة… على مجرد فساد؟

في أحيان كثيرة، كان المغربي البسيط يتساءل عن المعجزة التي جعلت فلانا أو علانا، يتحول في نفس اللحظة، وبكثير من السرعة، من مواطن عادي فقير، إلى فاحش ثراء وقائد سياسي…
كان المغربي البسيط يطرح السؤال… وكان الذي يفترض أن يجيب، يجلس في مقعده الوثير بواحدة من غرفتي التشريع في المغرب. وكان ذلك في النهاية… أفظع جواب!

… السجن في النهاية، صار أهم وأكبر تنظيم سياسي في المغرب.

برلمانيون، ساسة، رجال أعمال اختلط فيهم الريع بالسلطة والنفوذ…

صارت سجون المملكة تنظيما سياسيا قائم الذات، يجتمع فيه البوصيري والناصيري، أبركان والبدراوي، كريمين والبعيوي وياسين الراضي ومحمد مبدع… إضافة إلى أسماء أخرى، شملت إلى جانب الساسة، قضاة ومسؤولين أمنيين.

طيب…

مالذي يحدث بالفعل؟

هل نحن أمام “حملة تطهير جديدة”؟

هل هي بالفعل، بداية عملية تنظيف لمشهد سياسي، أثبت وسخه قبل حتى أن يثبت فشله.

لنكن متفائلين، ونعتبر أنه مهما كانت القراءات، فإن النتيجة في النهاية، ستكون جيدة…. تنقية المشهد السياسي من الفاسدين ومرتكبي الجرائم، لا يمكن إلا أن يكون أمرا جيدا. لكن…

هل هذه هي البداية الفعلية؟

إذا كان الأمر، مرة أخرى، يتعلق بــ “حملة”، وبمنطق الحملة الذي يفترض كثيرا من الصخب والبهرجة، مع جعل الأمر مرتبطا بمدة زمنية، تؤدي فيها الــ “حملة” دورا وتحقق هدفا، لتعود الأمور بعدها إلى سابق “عهودها”، فإننا سنكون، مرة أخرى، أمام تأجيل آخر للبداية الحقيقية، وأمام عملية تأبيد أخرى للقائم المستعصي على التغيير.

منطق الحملة، جربته الدولة المغربية غير ما مرة، وأثبت قصوره في كل مرة، وأبقى على شكل وجوهر الفساد كما هو.

حدث ذلك حين أقامت الدولة المغربية “مهرجانا قضائيا”، لتحاكم فيه وزراء ومسؤولين اتهموا بالفساد بداية سبعينات القرن الماضي… لينتهي الأمر بأحكام مضحكة!

ثم حدث ذلك سنة 1996، حين تحول رمز الفساد، كما كان يصفه الكثيرون حينها، إلى مسؤول أول عن الحملة التطهيرية، ومحارب للفساد.

حملة… عوض أن تحارب الفساد، منحت وزير الداخلية القوي حينها، إدريس البصري، قوة وسلطات أكبر.

هل تختلف الأمور اليوم؟

هل سجن والتحقيق مع ساسة ومسؤولين مختلفين، يمكن أن يكون أمرا مختلفا؟

هل يمكن اعتبار ما يجري، المدخل السليم والأساسي لمباشرة ملف الفساد، ومقاربة سؤال العفن الذي أتى على المشهد السياسي المغربي؟

طبعا… في انتظار ما ستسفر عليه التحقيقات والمحاكمات، تبقى كل النوايا طيبة، وكل الآمال قابلة للتحقق. غير أن البشع في الحكاية سيكون، مرة أخرى، هو استمرار منطق الحملة الذي يصر على معالجة بعض الظاهر، والقفز على جوهر الجانب المخفي في المعادلة.

… منذ سنوات غير قليلة، عمدت الدولة عندنا إلى صنع ودعم بروفيلات سياسية جديدة، وأدمجت بشكل غير سوي، السياسة بالرياضة بالاقتصاد…

قامت الدولة، بصناعة كائنات سياسية، أحزابا وأشخاصا، وعبدت لهم الطريق كي يعيثوا في الفضاء العام خواء وفشلا، وكأنما الدولة عندنا عكس الطبيعة… لا تكره الفراغ، بل تعشقه.

في النهاية… بروفيلات الفساد التي تقوم الدولة اليوم بمواجهتها، لم تنبت بعيدا عنا… نبتت في أرض وفي تربة وفرت لها كل أسباب الحياة والبقاء.

في أحيان كثيرة، كان المغربي البسيط يتساءل عن المعجزة التي جعلت فلانا أو علانا، يتحول في نفس اللحظة، وبكثير من السرعة، من مواطن عادي فقير، إلى فاحش ثراء وقائد سياسي…

كان المغربي البسيط يطرح السؤال… وكان الذي يفترض أن يجيب، يجلس في مقعده الوثير بواحدة من غرفتي التشريع في المغرب. وكان ذلك في النهاية… أفظع جواب!

نهاية شهر يناير 2024، اعتبر التقرير السنوي لمنظمة “ترانسبرانسي” الدولية، أن المغرب يغوص في ما اعتبرته المنظمة، “فسادا منهجيا ومستوطنا”.

نعم… فساد منهجي ومستوطن، وليس فسادا طارئا أو مرحليا وعابرا.

المنظمة الدولية في تقريرها السنوي، ذهبت أبعد من ذلك، حين اعتبرت أن هذا “الفساد المنهجي والمستوطن”، يهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للبلاد، ودعت السلطات المغربية إلى اتخاذ إجراءات “طارئة” لمكافحته.

… في بيان يتعلق بمؤشر مدركات الفساد سنة 2023، أنجزته “ترانسبارنسي” تحت عنوان “المغرب وقع في مستنقع الفساد”، أشارت اللجنة التنفيذية للمنظمة، أن المغرب يحتل حاليا المركز 97 من أصل 180 دولة، أي بتراجع قدره 24 مركزا عما كان عليه الحال… قبل 5 سنوات.

الواضح إذن… أن الأمر جدي وملح!

والواضح أكثر، أن منطق تدبير جوهر الفساد، بمنطق “الحملة”، لن يفعل أكثر مما فعلته محاكمات السبعينات، وحملة تطهير التسعينات…

مع فارق بسيط ومفزع… أن الاستمرار في صناعة الخواء، لن يترك للدولة ما تملأ به ورقة تبرير الفشل.

وهذا… بعض من كلام.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *