×
×

علي اليوسفي العلوي يكتب: خلافة أبي بكر: بؤرة التوترات

موت الرسول عرى هشاشة روابط مكونات دولة المدينة، حيث بزغت النعرات العرقية والقبلية في طرفة عين، وطفت المصالح الشخصية والقبلية على السطح، ولم يستحضر المتنازعون كتاب الله ولا سنة رسوله، ولم يراعو حرمة جثمانه، ولا صانوا أسرته…
ولولا أن أبا بكر أشهر سيفه في وجه ما أسماه ردة، فوحد الأنصار والمهاجرين على غزو جديد، لَتشظى هذا المجتمع وتفككت أوصاله بوفاة الرسول. ولكن نار الشقاق لم تنطفئ، وإنما خبت إلى حين.

بعد بضعة أشهر من عودة الرسول من حجة الوداع، أصيب بمرض ما انفك أن طرحه الفراش ليسلم الروح يوم 8 يونيو من سنة 632م، أي بعد عشر سنوات من هجرته إلى المدينة.

632-622، عشر سنوات حافلة بالأحداث، أسس خلالها الرسول دعائم دولة الإسلام عقديا واقتصاديا وعسكريا. لكن موته المفاجئ كان سيؤدي إلى تقويض كل البناء، خاصة وأنه لم يترك وصية تحدد مَن مِن صحابته أو أقربائه يجب أن يواصل قيادة السفينة. وهذا ما يحير كل المؤرخين الذين تعاملوا مع هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، والتي لا يزال المسلمون يجرون عواقبها، لما يكتنفها من غموض، وما يحيط بها من تأويل وافتعال ومزايدات؛ خاصة بين تياري السنة والشيعة. فكيف يعقل أن يبذل الرسول كل ما بذله من الجهد في إرساء دعائم الدولة ثم يتركها للمجهول؟ أيعقل أن يوصي الرسول بأمور الدين (حجة الوداع) ويهمل أمور السياسة، خاصة وأنه كان يعلم أن الخطر كان يتربص بهذا الصرح داخليا وخارجيا؟

لعل الرسول قد أدرك حلول ساعته، فطلب، صباح يوم الإثنين 8 يونيو (سويعات قبل موته) لوحا ودواة ليكتب وصية تحفظ أمته من الشقاق. لكن أهله وصحابته المحيطين به قالوا إنه يهذي، وإنه يمكن أن يكتب شيئا مخالفا للقرآن، فلم يناولوه ما طلب.

هنا، لا يمكن للمرء إلا أن يتساءل هل كان المانع الحرص على القرآن، أم أن كلا من صحابة الرسول وأهله كان يطمح إلى خلافته، ويخاف أن يوصي الرسول بعكس تطلعاته؟ إن هذا الاحتمال الثاني غير مستبعد البتة. فهذا ابن العباس، يدعو عليا إلى سؤال الرسول عمن سيتولى الأمر بعده، فيرفض عليٌّ خوفا أن يوصي الرسول بغير الهاشميين فيحرمون نهائيا من الخلافة.

أما الخزرج، فما إن علموا بوفاة الرسول، حتى اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة ينصبون زعيمهم الصحابي سعد بن عبادة خليفة. وقد أكد سعد بن عبادة على قومه أن يتمسكوا بحقهم في الخلافة دون منازع، حيث أنهى كلمته بالقول: “استبدوا بهذا الأمر فإنه لكم دون الناس”. وعندما قال أحد الخزرج: “فإن أبت قريش، قلنا: منا أمير ومنكم أمير”، أجاب سعد غاضبا: “هذا بداية الوهن”.

على غرار سعد بن عبادة، كان الحباب بن منذر حاسما في أحقية الأنصار (الخزرج) في قيادة المسلمين جميعا بعد الرسول؛ فإن لم يكن، فعليهم أن يسترجعوا زمام أمور المدينة، وفي حال رفض المهاجرون أحد الحلين، فإن على الأنصار طردهم من المدينة كما يطرد أي مستعمر: “فإن أبوا عليكم ما سألتموه، فاجلوهم عن هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم؛ فإنه بأسيافكم دان لهذا الدين من دان ممن لم يكن يدين”.

أما المهاجرون، فما إن علموا باجتماع سقيفة بني ساعدة، حتى ترك ثلاثتهم الكبار – أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة -جثمان الرسول ينتظر من يغسله ويكفنه، وهرولوا إلى سقيفة بني ساعدة وكلهم عزم على أن الخلافة لن تكون إلا لهم، ولهم وحدهم دون غيرهم.

خاطب أبو بكر الخزرج بلباقة، فمجد المهاجرين وأثنى على الأنصار، قبل أن ينبههم بكل حزم إلى أن كل ما فعلوه لفائدة الإسلام لا يشفع لهم في الترامي على الخلافة التي هي حق للقريشيين دون غيرهم من الناس. يقول:  “المهاجرون هم أول من عبد الله في الأرض، وآمن بالله وبالرسول. هم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده؛ ولا ينازعهم في ذلك إلا ظالم، (…) فنحن الأمراء وأنتم الوزراء”.

وعندما اقترح الحباب بن منذر اقتسام السلطة بين الطرفين، “منا أمير ومنكم أمير”، رد عمر بن الخطاب بما عُرف عنه من عنجهية: “هيهات أن يجتمع اثنان في قرن. والله لن ترضى العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم. (…) من ذا ينازعنا سلطة محمد وإمارته، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، ومتورط في هلكة”.

اغتنم عمر ارتفاع الأصوات، وكثرة اللغط، وسارع إلى مبايعة أبي بكر، فتبعه أبو عبيدة بن الجراح، ثم بشير بن سعد الخزرجي، ثم نزونا – يقول عمر- على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتم سعد بن عبادة! فقلت: اقتلوه قتله الله.”

كان كل هم القريشيين أن يظفروا بالخلافة، وكذلك كان. هكذا، يبرر عمر في وقت لاحق ما فعله بخوفه أن ينفك اللقاء دون حسم فتضيع الخلافة من قريش: “وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر؛ خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما نرضى، أو نخالفهم فيكون فساد”. وهذا ما يسميه بعض الظرفاء: شورى سقيفة بني ساعدة!

أما الأوس، التي فقدت نصرة اليهود بعدما كسر الإسلام شوكتهم، فكان كل خوفهم أن تتولى الخزرج الخلافة فتتقوى عليهم، ولا تجعل لهم فيها نصيب. لذلك، سارعوا إلى مبايعة أبي بكر. بذلك، سقط مخطط الخزرج، واستبد القريشيون بالسلطة دون غيرهم، ولم يبق لسعد بن عبادة إلا الامتناع عن مبايعة أبي بكر، ثم بعد ذلك عن مبايعة عمر الذي لم يخف ردة فعل الخزرج لقتله، ولكنه فضل طرده من المدينة، فقصد سوريا حيث تكفل “جني” بقتله!

أما بنو هاشم، عائلة الرسول وأقرب أقربائه “العباس، وعليّ وفاطمة، وإلى جانبهم طلحة والزبير وأسامة بن زيد”، فلم يكلف أي من القريشيين ولا الأنصار نفسه عناء استشارتهم في الأمر، ولا فكر أحد في أحقيتهم في الخلافة، ولا مجرد إخبارهم بما يجري. لقد تُركوا لتحضير جثمان الرسول للدفن. وما دام القوم كانوا في شغل عن دفن الرسول، فقد ظل جثمانه ينتظر من ظهر يوم الإثنين إلى ليلة الأربعاء. بل إن الطبري يورد رواية أفظع تقول: “لما قبض النبي، كان أبو بكر غائبا، فجاء بعد ثلاث، ولم يجترئ أحد أن يكشف عن وجهه؛ حتى اربدَّ بطنه؛ فكشف عن وجهه، وقبل بين عينيه”… وفي رواية عن عائشة أن الرسول توفي يوم الإثنين ودفن يوم الأربعاء، وأن دفنه كان ليلا. يورد ابن إسحاق عن عائشة: “ما علمنا بدفن رسول الله حتى سمعنا صوت المساحي، من جوف الليل من ليلة الأربعاء”.

اعتبر بنو هاشم تعيين أبي بكر خليفة غصبا لحق هم أولى به. لذلك، رفضوا مبايعة الخليفة… لقد تخلف عليّ والزبير، واخترط الزبير سيفه، وقال لا أغمده حتى يُبايَع عليٌ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خذوا سيف الزبير، واضربوا به الحجر. قال: فانطلق إليهم عمر، فجاء بهما تعبا (بالقوة)، وقال: لتبايعان وأنتما طائعان، أو لتبايعان وأنتما كارهان، فبايعا. بل إن رواية شيعية تذهب إلى أن تعيين أبي بكر يعتبر انقلابا ومكيدة دبرت منذ وقت قديم لإبعاد عليّ من السلطة، هو الذي كان الرسول قد عينه لخلافته بشكل واضح يوم قال: “من كنت وليه فإن عليا وليه”. وتورد نفس الرواية أن عمر بن الخطاب هاجم بيت علي وأحرقه، وأمر بضرب فاطمة مما أدى إلى فقدها جنينها، وموتها بعد وقت وجيز من ذلك. أما عليّ وابناه الحسن والحسين، فقد قبض عليهم، فأجبر عليّ على مبايعة أبي بكر لحماية ابنيه. قد لا تخلو الرواية الشيعية من مبالغة، لكن الرواية السنية نفسها تومئ إلى هذا العنف؛ مما يدفعنا إلى عدم رفض الرواية جملة وتفصيلا.

لم يكتف أبو بكر بإقصاء عليّ من التنافس على الخلافة، بل إنه حرم آل البيت من حقهم في الميراث. فعن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يطلبان ميراثهما من رسول الله، وهما حينئذ يطلبان أرضه من فَدَك، وسهمَه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إني سمعت رسول الله يقول: لا نورَث، ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال.  (…) قال: فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت – ستة أشهر بعد وفاة الرسول- فدفنها عليّ ليلا، ولم يؤذن بها أبا بكر. ولم يبايع عليّ ولا أي من بني هاشم أبا بكر طوال الستة أشهر.

لا يستبعد أن تكون لكل هذا العداء لآل البيت- عليّ وفاطمة-، علاقة بـ حادثة الإفك التي اتُّهمت فيها عائشة بافتعال قصة ضياع عقدها، فتخلفت عن ركب الرسول بعد غزوة بني المصطلق حتى تقضي الليلة مع عشيقها صفوان بن المعطل؛ فلما ذاع الخبر، أصر عليٌّ على الرسول بأن يُطلّق عائشة. وعلى الرغم من أن القرآن برَّأ عائشة مما نسب إليها، بعد حوالي شهر من القيل والقال، فإن أبا بكر وعائشة لم يغفرا لعلي أبدا صنيعه. بل إن في خروج عائشة إلى جانب طلحة والزبير لمحاربة علي في ما سيعرف بـ معركة الجمل، لدليل على بقايا ذلك الحقد الدفين.

هكذا، يكون موت الرسول قد عرى هشاشة روابط مكونات دولة المدينة، حيث بزغت النعرات العرقية والقبلية في طرفة عين، وطفت المصالح الشخصية والقبلية على السطح، ولم يستحضر المتنازعون كتاب الله ولا سنة رسوله، ولم يراعو حرمة جثمانه، ولا صانوا أسرته…  ولولا أن أبا بكر أشهر سيفه في وجه ما أسماه ردة، فوحد الأنصار والمهاجرين على غزو جديد، لَتشظى هذا المجتمع وتفككت أوصاله بوفاة الرسول. ولكن نار الشقاق لم تنطفئ، وإنما خبت إلى حين.

 

المراجـــع:

1-  أبو محمد عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، دار الحديث، القاهرة، 2006

2-  أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الخامسة، 2012

3-  A. GUILLAUME, The life of Muhammad, a translation of ibn Ishaq’s Sirat Rasul Allah. OXFORD University Press, 2017.

4-  Wilferd Madelung, The succession to Muhammad, A study of the early Caliphate, CAMBRIDGE University Press, 2004

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

  1. Rabab

    كان الموضوع جميل

  2. فاطمة

    والله متم نوره و لو كره الكافرون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *