×
×

عبد القادر الشاوي يكتب: التأويل المقاصدي

واقع الحال أن الفقهاء عندما يتكلمون في هذا وذاك، فإنهم يفعلون ذلك من باب ما يفترضونه، بكل يقين، أنه النصح أو محاربة المنكر أو تأويل النصوص.. وَلمَ لا حُب وموالاة السلطان بالقلب والوجدان…
وكأن ذلك من الموجبات التي أوجبها الدين عليهم… وما هي إلا مصالحهم الدنيوية التي يَصْرِفونها على وجه المنافع…

أصبحتُ مقتنعا أن ما يُقصَد بـ (المَقْصِد أو المقاصد أو المَقْصِدِيَّة) هو ما يطلبه المرء في نفسه لنفسه عندما يفكر فيه ويريد أن يبلغ مراده منه، إما بالوصال أو بالنقد أو بالهجوم الاعتيادي المليء بالحقد أو بطرق أخرى غير هذه. وغاية الشيء في المقاصدية هي الوسيلة. ومن (المقصد أو المقاصد أو المَقْصِدِيّة) صنف آخر يكون بما في نفس بعض الفقهاء من غِلّ تجاه مختلف الأشخاص أو التطورات التي لا تتناسب أو تنسجم مع القياس الفقهي الذي يتصورونه لكل ممارسة أو سلوك أو تصور.

واقع الحال أن الفقهاء عندما يتكلمون في هذا وذاك، فإنهم يفعلون ذلك من باب ما يفترضونه، بكل يقين، أنه النُّصح أو محاربة المنكر أو تأويل النصوص.. وَلمَ لا حُبُّ وموالاة السلطان بالقلب والوجدان… وكأن ذلك من الموجبات التي أوجبها الدين عليهم… وما هي إلا مصالحهم الدنيوية التي يَصْرِفونها على وجه المنافع…

ليس فيهم، في المغرب المالكي على الأقل، من فتح دماغه في وجه التحولات الجارية، على جميع الأصعدة، وقال فيها قولا حكيما أو إيجابيا قد يخفف، نسبيا، من فَرْطِ التأويل الشيطاني الرجيم لكل ما يشتبهون فيه.

من ذلك مثلا: هل نعتبر المثلية تحولا طبيعيا في الهيئة الجنسية للأفراد (نساء ورجالا) أم هي من (الشذوذ الجنسي) اليهودي-الصهيوني الذي يُراد من ورائه إغراق الأمة الإسلامية في الانحراف طمعا في القضاء على دينها الحنيف ومؤمنيها الأتقياء؟ ربما وجب أن نقول: إن الأمر لا يتعلق هنا بالتأويل المقاصدي فقط، بل إنه، إن كان يحتمل أي تأويل، هلوسة يَهْذِي بها مُصَاب… ليس فقط في ربط المثلية باليهودية (المذمومة) أو بـ(الصهيونية) الممقوتة، بل وأيضا في فهم الجِبِلَّة، أو الطبيعة البشرية، التي تتكون في الأفراد بطريقة بيولوجية قبل الازدياد تماما، والمثلية خاصية بيولوجية. دون أن ننسى أيضا أن من الحقوق المصونة، في أي مجال ديموقراطي، أن يكون الفرد حرا في ميولاته الجنسية أو العاطفية أو السياسية أو الدينية (واللادينية) كذلك. وهذه أمور مقررة في الشرائع الدنيوية التي تحكم وتنظم العلاقات بين الأفراد داخل المجتمعات التي تحترم الاختيارات الخصوصية والتوجهات المستقلة أو الطبائع الفردية التي لا تُؤْذِي أحدا.

في الأديان كلها خوف رهيب من المثلية لأنها تتعارض، فيما يبدو، مع الإنجاب (الطبيعة) والإكثار من النسل (السَّواد، الأغلبية)، وترتبط بالزنا واقتراف المعاصي الجنسية، وما شابه واتفق مع التأويل الديني المُغرض في كل ما يرجع للاختلاف والتنوع والحرية والحقوق في المجتمعات. وفي هذه الأديان أحكام مطلقة لا تعتبر بالفرد خارج الجماعة المؤمنة والتسليم الواجب بالسلطة الدينية، بل وفيها من الأحكام ما يعاقب التوجه الفردي، ويدين التنوع، وَيَزْجُرُ الاختلاف لمجرد أنه لا يأتي على مثال مقرر، أو رأي لا اجتهاد فيه أجمع عليه الفقهاء، وفي كثير من الحالات اعتمادا على منظور أخلاقي يدين جميع التصرفات والممارسات المخالفة لدين الفقيه أو سياسة حاكم الدولة الدينية.

والغريب في (نظر) الفقهاء أن المثلية تعتبر (شذوذا) و(زِنا) و(خروجا عن فطرة الإنسان)، كما تُصَنَّفُ كخطيئة، بل وجريمة توجب الحد على المشارك، بينما لا يعتبرون (السِّحاق)، مثلا، حداً لأنه ليس بزنى، وما فيه إلا التعزيز، أي العقوبة المشروعة بغرض التأديب على معصية أو جناية لا حَدَّ فيها ولا كفارة.

أفلا يمكن الاستنتاج، إذن، بأن التأويل المقاصدي ليس إلا سُبَّة دينية بمبرر مفتعل (اليهودية-الصهيونية) لمحاربة الطبيعة البشرية القائمة على الاختلاف والحق والحرية والتنوع… التي هي جميعا من مقومات الاجتماع الإنساني؟

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *