×
×

عن الحرية والعدل والكرامة الإنسانية: المقاصد بين مفكري الغرب وفقهاء الشرق

كيف يُعقل أنه منذ استيلاء الأمويين على حكم العالم الإسلامي، لم ينجح المسلمون، علماؤهم وعامتهم، في النهضة والثورة، وخلق نموذج يُحتذى وأثر يُقتفى، يوفر للناس بيئة اجتماعية حرةٍ مكتفية للعيش والإبداع، وفي كل قرن… تجد المتباكين على الخلافة والناعين واقعهم المليء بالظلم والآلام!
ثلاثة عشر قرنا… لم يطوروا نظاما سياسيا، لم يكبحوا جماح حاكم مستبد، لم يوفروا الاكتفاء في القوت لكل الأفواه، لم يبدعوا فقها يحرم استعباد البشر، ولازال المسلمون يشتكون من المؤامرة وتكالب الأمم، بل منهم من يئس من المحاولة، وجلس ينتظر المهدي وعيسى بن مريم، ليعيد فتح القسطنطينية وغزو البلدان وتخيير الناس بين الإسلام أو القتل، لأن الجزية… ستلغى في آخر الزمن.

حسن الحو
حسن الحو

منذ بداية التدوين الأصولي، حدد فقهاء الإسلام خمس كليات أساسية، جاء الشرع لحفظها من حيث الإيجاد والصيانة، وزعموا أن الحياة لا تقوم إلا بها، فإذا تأخر واحد منها… انخرمت على الناس دنياهم وضاعت أخراهم.

يقول أبو عبد الله بن الأزرق: “مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة على الكليات الخمس، بحيث لو انحرفت لم يبق للدنيا وجود من حيث الإنسان المكلف“.

ولازال كل مجتهد في الدين، من المقاصديين الجدد، يفتخر بكون الشريعة مرنة واسعة من حيث كلياتها ومقاصدها، لتشمل كل جديد في حياة الناس، وتؤسس له حكما بالحل والإباحة. لكن المتأمل لواقع الناس يرى نقيض ما يقرره الأصوليون والمقاصديون، فرغم اجتهاد الأمة منذ بادئ أمرها في صيانة الكليات الخمس والحفاظ عليها، ضاعت الأمة وتذيلت الأمم إبداعا وعلما وتحضرا…

حتى الجماعات الإسلامية التي تأسست بعد انهيار الخلافة العثمانية، واجتهدت في تحديث شرائع الإسلام، فدخلت البرلمان بعد الافتاء بحرمته، وابتعثت البعثات لتلقي العلوم الغربية بعد تجاوز أزمة أولوية العلم الشرعي على ما سواه، وغض الطرف عن حرمة الإقامة بين ظهراني المشركين، حتى هي فشلت في النهوض بالدين، رغم أن بعضها وصل لسدة الحكم في السودان ومصر وإيران.

أسباب حفظ وصيانة الكليات الخمس التي حددها الفقهاء، ليست أسبابا مطلقة، بل مقيدة بضوابط واحترازات شرعية، كما أن ترتيبها بشكل تنازلي، يجعل الأدنى مسخرا للأعلى، فالنفس والعقل والمال مسخر لحفظ الدين، ومن أهلك نفسه وماله ونسله في سبيل الدين… فلا حرج عليه، بل هو محمود الفعلِ حسنُ العاقبة.

نعم، فشلت في تحقيق ذاتها وسيادتها، ثم تصدير نموذج حضاري يستبدل كل سلبيات النظريات السياسية والاجتماعية الحديثة كالديمقراطية والليبرالية والحداثة… رغم التمسك بمبررات نظرية المؤامرة، ولبس عباءة المظلومية، ولعب دور الضحية، فلم ينجهم كل ذلك من الغرق في لجة التاريخ مع الغارقين والفاشلين.

فكيف يُعقل أنه، منذ استيلاء الأمويين على حكم العالم الإسلامي، لم ينجح المسلمون، علماؤهم وعامتهم، في النهضة والثورة، وخلق نموذج يُحتذى وأثر يُقتفى، يوفر للناس بيئة اجتماعية حرةٍ مكتفية للعيش والإبداع، وفي كل قرن… تجد المتباكين على الخلافة والناعين واقعهم المليء بالظلم والآلام؟

ثلاثة عشر قرنا… لم يطوروا نظاما سياسيا، لم يكبحوا جماح حاكم مستبد، لم يوفروا الاكتفاء في القوت لكل الأفواه، لم يبدعوا فقها يحرم استعباد البشر، ولازال المسلمون يشتكون من المؤامرة وتكالب الأمم، بل منهم من يئس من المحاولة، وجلس ينتظر المهدي وعيسى بن مريم، ليعيد فتح القسطنطينية وغزو البلدان وتخيير الناس بين الإسلام أو القتل، لأن الجزية… ستلغى في آخر الزمن.
فما الفرق بين كلياتنا وكلياتهم، ولم فشلنا رغم محاولة صيانة هذه الكليات، ونجحوا رغم اختلاف كلياتهم عن كلياتنا؟؟

أجمع أغلب علماء الأصول، منذ نشأة هذا العلم مع الإمام الشافعي إلى عصرنا اليوم، على أن كليات الشريعة خمسة مرتبة حسب الأولوية: الدين، النفس، العقل، النسل، المال

هذه الكليات، أو الضروريات حسب ما يقولون، أجمعت عليها كل الديانات وكل حكماء الأرض، وجاء الشرع الإسلامي بها من حيث إيجادها والحفاظ عليها، فالدين يوجد بتلقينه للصغار وتعهدهم بالتربية وغرس القيم الدينية، ويحفظ بحد الردة وقتل المرتد وجهاد الدفع والطلب، وأما النفس فتحفظ بالأكل والشرب والقصاص وتحريم الانتحار… وأما العقل فيحفظ بتعلم العلم ويُصان بتجنب المسكرات والمخدرات… وأما النسل فيحفظ بالزواج الشرعي والتناسل ويُصان بتحريم الزنا. والمال يحفظ بالمعاملات الشرعية المختلفة كالبيوع والإجارة وغيرها… وتحريم الربا والمعاملات التي نهى الشارع عنها.

لكن أسباب حفظ وصيانة هذه الكليات ليست أسبابا مطلقة، بل مقيدة بضوابط واحترازات شرعية، كما أن ترتيبها بشكل تنازلي، يجعل الأدنى مسخرا للأعلى، فالنفس والعقل والمال مسخر لحفظ الدين، ومن أهلك نفسه وماله ونسله في سبيل الدين… فلا حرج عليه، بل هو محمود الفعلِ حسنُ العاقبة.

كما أن حفظ العقل لا يُسَوِّغُ له الاجتهاد خارج حدود الدين، بل عليه الانقياد للشرع تابعا مفسرا ومبتعدا عما يزرع الشك ويزحزح اليقين، فالفلسفة منهي عنها ومن تمنطق تزندق، والنظريات العلمية الحديثة، التي تحاول إيقاف الناس على أصل الأنواع وبداية الكون، كنظرية التطور والانفجار العظيم، محرمة حرمة تؤدي بمعتقد صحتها إلى الكفر. وحفظ النفس، يكون لغاية عظمى ومقصد وحيد هو… التعبد والسعي للتمكين للدين.

قبل أن نعرج على كليات الدول المتقدمة، لابأس أن نذكر أن هذه الكليات ظلت ثابتة جامدة رغم محاولات بعض الأصوليين، كالشوكاني والآمدي إضافة كلية العرض، كضرورة سادسة أو دمجها مع النسل، ومحاولة البعض الآخر إعادة ترتيبها على استحياء، دون الخروج عن روح هذه المقاصد بتقديم الدين كضرورة الضروريات. ليستمر ثبات هذه الكليات كمرجع لأفعال المكلفين، وليستمر التساؤل عن سبب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم.  ولِم لَم تختل مجتمعاتهم، رغم اختلاف ضرورياتهم عن ضرورياتنا.

• كليات العالم المتحضر

يمكن استخلاص هذه الكليات من نظريات العقد الاجتماعي لفلاسفة التنوير، والمواثيق والاعلانات الدولية، كإعلان الثورة الفرنسية، وإعلان فرجينيا للحقوق، والإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الأمم المتحدة، ودساتير الدول المتحضرة، لتتشكل لدينا عدة ضروريات أو كليات، أنتجت غربا متحضرا حاكما بقيَمه وقوته على بقية العالم، وليس من اللازم حصرها في خمس أو ست كليات، بل هذه الكليات تتطور وترقى، ويضاف لها حسب التطور العلمي والأخلاقي، بحيث تكون مرنة وليست جامدة كضروريات الأصوليين والفقهاء.

وسنحاول ترتيب هذه الكليات بشكل تنازلي، بحيث أن الأسفل يخدم الأعلى، ويمكن التضحية به لخدمة الضروريات الأخرى كما أثبته التجربة.

1-    كلية الحرية

وهي كلية الكليات، وضرورية الضروريات، والغاية الفضلى والذروة العليا والحق الأصيل الذي تنبثق عنه باقي الحقوق، فللإنسان الحرية في اعتقاد ما يريد، وتغيير دينه متى شاء، وممارسة شعائر دينه علانية بشكل فردي أو جماعي، وله الحرية في اعتناق المذاهب والآراء السياسية والفكرية التي يريد، وله الحق في التعبير عن رأيه متى وكيفما يريد.

حتى الجماعات الإسلامية التي تأسست بعد انهيار الخلافة العثمانية، واجتهدت في تحديث شرائع الإسلام، فدخلت البرلمان بعد الافتاء بحرمته، وابتعثت البعثات لتلقي العلوم الغربية بعد تجاوز أزمة أولوية العلم الشرعي على ما سواه، وغض الطرف عن حرمة الإقامة بين ظهراني المشركين، حتى هي فشلت في النهوض بالدين، رغم أن بعضها وصل لسدة الحكم في السودان ومصر وإيران.

لا شيء يحد من هذه الحرية، لا دين ولا قانون ولا أعراف اجتماعية، بل حدودها رهينة بعدم أذية الآخرين. وإذا كان الدين في أصول الشريعة يُضحَى بالغالي والنفيس من أجله، فالعالم الغربي أثبت أنه مستعد في غير ما مرة للدفاع عن هذا الحق، كلما انتهكت حرية الأفراد أو الأقليات الدينية والعرقية. والمواطن في هذه الدول، لا يغضب لشيء كما يغضب إذا أحس بانتقاص حريته، أو شُرعت قوانين تحد منها. والحرية مكفولة لكل الناس، سواء المواطن الأصلي أو اللاجئ والمهاجر. ففي أوروبا، يجد المقموعون في بلدانهم الإسلامية أو غيرها من بلدان العالم الثالث، حرية التدين والدعوة والتعبير عن الأفكار التي ظلت حبيسةً مكبوتةً في أوطانهم.

2 – كلية الحياة

حياة الناس ضرورة تختلف عن ضرورة النفس في المتداول الشرعي من حيث المآل، وتتفق معها من حيث الايجاد، فحياة الأفراد مقدسة، لا ينبغي إنهاؤها بالحروب والعقوبات الجنائية على أساس الانتماء الديني أو السياسي، وهي حياة يعيشها صاحبها على أساس فردي، بحيث لا ينسحق في أعراف الجماعة أو القبيلة. وضرورة الحياة قرينة بقيمة الكرامة، حيث تعمل الدولة على سن مجموعة من القوانين تكفل الحد الواجب توفيره من الشروط الاجتماعية والاقتصادية الضرورية لضمان الحقوق الأساسية لحياة المواطنين، ولا يُضحَى بهذه الحياة لأي هدف مهما بلغ من الأهمية، إلا اذا تم المساس بكلية الحرية، فتجد المواطن الغربي يسترخص حياته إذا مُست حريته باعتبارها أولوية الأولويات.

3 – كلية العدل

من الغريب أن يعترف فقهاء الاسلام بأهمية العدل لاستمرار الملك وحياة الدول، بل ويعتبرونه موجبا من موجبات خذلان الدولة المسلمة الظالمة أمام أعدائها المقيمين للعدل في أوطانهم، ثم… لا يعدونه من الكليات الشرعية.

يقول ابن تيمية في رسالة الحسبة: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة“. فكيف ستستقيم قناة الضروريات إذا غاب عنها العدل وساد الظلم وهُضِمت الحقوق؟

والعدل في دول العالم المتحضر قيمة سامية، وكلية ضرورية، يتساوى أمامها كل الأشخاص سواء كانوا ذاتيين أو اعتباريين، فأمام المحاكم الغربية يستشعر الناس أنهم سيحضون بمحاكمة عادلة، فلا يُعتبر بقوة قوي ولا غِنى غني ولا شهرة نجم ولا وجاهة رئيس أو مسؤول، فالكل سواء أمام عدل القضاء المستقل عن أي تأثير من السلط السياسية أو التنفيذية، فالعدل هو أسمى السلط والحاكم على كل السلط والفيصل بين المتنازعين. وكل من أظلمت عليه الدنيا من دول العالم المتخلف، يلتجئ إلى محاكم العالم المتقدم، لعلمه بأنها واحة للعدل في أقصى درجات كماله. والوقائع شاهدة من أرشيف التحقيقات مع الرؤساء ونجوم الفن والرياضة على سمو العدالة والانتصاف من مخالفي القانون عما جنت أيديهم دون اعتبار لمكانتهم السياسية أو الاجتماعية.
فإذا كان الظلم مؤذنا بخراب الأمم، كما قال ابن خلدون في مقدمته، فبلاد الغرب إنما عمرت وازدهرت أوطانهم لسيادة العدل وإحكام القانون وإنفاذه على الجميع.

4 – كلية المساواة

كان من أول ما نادت به إعلانات الثورة الفرنسية والأمريكية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هو تساوي كل الناس في الحقوق والحريات، دون اعتبار لألوانهم و جنسياتهم ومكانتهم الاجتماعية أو غيرها من دواعي التمييز البائدة، كما يتساوون أمام حماية القانون وأحكامه. ورغم تصاعد حدة اليمين المتطرف أمام هذه الكلية، ودعواتهم المتطرفة لإلغائها ورفع مكانة المواطنين الأصليين ذوي البشرة البيضاء على باقي الجنسيات، لكن الرأي العام الغربي لازال يُمَنِّيهم بالهزائم المتتالية في الانتخابات؛ وحتى إذا ما فازوا ببعض المقاعد، فالأعراف الديمقراطية العريقة والتشريعات القانونية المناهضة للتمييز تحد من عنفهم وتضبط سياساتهم.

سيطول هذا المقال إذا استعرضنا باقي الكليات كالسلام والمواطنة وغيرها من الضروريات، التي بنيت عليها المجتمعات في الدول الحديثة، فأضحت حلم المقهورين، والجنة الفيحاء التي يُركب من أجلها قوارب الموت ويُسجد على أرضها شكرا للنجاة من جحيم الذل والمهانة.

 

مواضيع قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *