×
×

تدريج التعليم، نقاش يجب أن يكون…

لا توجد لغة أفصح من لغة إلا في مخيال الشعوب الرافعة من قدر مقوماتها الحضارية وعناصر هويتها. قديما، آمن الإغريق والرومان بأن لغتهم هي لغة الآلهة، وآمن الهنود بأن السنسكريتية هي لغة الرب، واعتقد المسلمون أن العربية لغة أهل الجنة (…).
إن قضية تدريج التعليم لا تستدعي المخاوف الكثيرة، التي يعبر عنها دعاة الحفاظ على اللغة العربية، كما أنها لا تلغي التراث العربي الأدبي والعلمي، وليست أمرا استبداديا سيُلزم الناس بالتدريج قهرا في قراءاتهم وكتاباتهم، بل هي فقط… دعوة لتمكين الدراجة من المعارف، وتبويئها المكانة التي تستحقها في تعايش مع باقي اللغات.

كثيرة هي القضايا المهمة التي تُعنى بمقاربة المشاكل الشائكة، أو تعد في قائمة الطابوهات التي تثير حمية الجماهير وتسائل ما يتم اعتباره مقدسا لا ينبغي المساس به.

هذه القضايا الملحة، التي تُعتبر مناقشتها ضرورة وجودية ومسألة حيوية، ما إن يتم طرحها للنقاش الجاد، حتى تهيج مواقع التواصل الاجتماعي، وتحتدم النقاشات الهامشية في كل ركن من أركان المجتمع، وتُستدعى نظرية المؤامرة للتخوين والاتهام بالعمالة.

من هذه القضايا التي أثيرت مؤخرا، قضية تدريج المناهج الدراسية، وجعل لغة الشارع ولغة القسم سيان، كباقي الدول التي لا تعاني من انفصام بين لغة التدريس ولغة المجتمع. فإلى أي مدى كان هذا الطرح ملائما لمقتضيات الواقع وهل نحن فعلا في حاجة ملحة للتدريج؟

يعتبر امتلاك اللغة، كأداة للتواصل ووسيلة للتعبير عن الإنتاج الفكري والمعرفي، أحد مقومات نهضة الأمم، ووسيلة لتصريف الأفكار والإيديولوجيات وفرض الثقافات المسيطرة. اللغة ذات بعد محوري في استلهام المعرفة والأسس الحضارية، عن طريق ترجمة المعارف والعلوم، ثم البناء عليها ونحت مصطلحات جديدة للمنتجات المستحدثة في المجال الفكري والعلمي.

واللغة، كما يعرفها علم اللسانيات الحديث، هي كل ما يتم التواصل به من رموز لفظية وغير لفظية تتكامل مع بعضها لتشكيل جمل تستعمل كوسيلة للتواصل ونقل المعلومات، بصرف النظر عن بنيتها المرفولوجية وقواعدها ومكانتها الدينية والاجتماعية.

يقول اللساني الأمريكي المعاصر روبرت هـول: “إن اللغة هي الكيان الذي يتواصل به بنو البشر، وبه يتفاعلون مستخدمِين رموزا نُطقية سمعية عشوائية تم التعوُّدُ على استعمالها“. ويقول اللساني الشهير نعوم تشومسكي: “سأنظر إلى اللغة بدء مِن الآن على أنها مجموعة متناهية أو غير متناهية من الجُمل، كلٌّ منها مُتناهٍ في الطول، ومكونة مِن مجموعة من العناصر المتناهية“. واللغة، بهذا التعريف اللساني الحديث، تشمل التعريف القديم للغة، كما تتعداها لما كان يُدعى باللهجات أو اللغات العامية الدارجة.

اللغة العربية تحتل المرتبة الرابعة بين لغات العالم. إلا أن هذا التصنيف لا يعكس قوة اللغة ولا التداول الواسع لها من طرف الناطقين بها. لكنه تصنيف مبني فقط على عدد سكان الدول العربية والدول الناطقة بالعربية كشمال إفريقيا.

اللغة العربية لا يتم التعامل بها إلا على المستويات الأكاديمية والإعلامية، في حيز ضيق لا يشمل كل فئات المجتمع. كما أنها لغة، إذا تم النظر إليها بحيادية علمية لتمحيصها وتقليب النظر في مميزاتها ونواقصها، وعدم اعتبار القداسة التي أُعطيت لها باعتبارها لغة الوحي، يمكن تسجيل عدة عيوب تبين أنها لغة عادية جدا، شأنها شأن باقي لغات العالم، وأن ما يتم إلباسها إياه من لبوس الفصاحة والتبيين، أمور مشتركة ونسبية.

على سبيل المثال، فما يتم الإعراب عنه في العربية في جملة، يمكن بيانه في لغة أخرى بكلمة واحدة، والعكس صحيح. لا توجد لغة أفصح من لغة إلا في مخيال الشعوب الرافعة من قدر مقوماتها الحضارية وعناصر هويتها. قديما، آمن الإغريق والرومان بأن لغتهم هي لغة الآلهة، وآمن الهنود بأن السنسكريتية هي لغة الرب، واعتقد المسلمون أن العربية لغة أهل الجنة. يقول الزمخشري في مقدمة تفسيره: “الحمد لله الذي فتق لسان الذبيح بالعربية المبينة والخطاب الفصيح، وتولاه بأثرة التقدم في النطق باللغة التي هي أفصح اللغات، وجعله أبا عذر البلاغة التي هي أتم البلاغات”.

إلى يومنا هذا، لازالت الشعوب تفتخر بلغاتها وبلاغة جملها. فالإنجليزي إذا أراد أن يعبر عن الدقة في البيان يقول :In plain english أي بالإنجليزية الفصيحة، والألماني يقول: Auf Deutsh، والمغربي يقول بالعربية تاعرابت، والكل ينطلق من مسلمة أن لغته أبلغ في التعبير من غيرها.

لنعد إلى أبرز عيوب اللغة العربية، حسب ما يقرره اللغويون وأساتذة اللسانيات. هذه العيوب ليست حكرا على اللغة العربية، لكنها تعتور السبعة آلاف لغة التي يتكلمها الناس اليوم بدرجات متفاوتة:

· تعقيد القواعد: تعتبر قواعد اللغة العربية من أصعب القواعد بعد اللغة الصينية. يجد الدارسون لها صعوبة جمة في الإلمام بالقواعد القياسية، التي يمكن ضبطها ثم تطبيقها على باقي الحالات من جنسها، بينما يزداد الأمر صعوبة في ضبط  القواعد السماعية والشذوذ عن القاعدة، التي تتطلب حفظا أعمى دون أي منطق. هذا العيب يحد من وظيفة اللغة  كوسيلة للتواصل، ويدفع  الناطقين بها إلى العزوف عن تعلمها.  المستشرق الفرنسي “وليام مارسي” يقول عن تعلم اللغة العربية: “من السهل جدا تعلم أصول اللغة العربية، فقواعدها التي تظهر معقدة لأول نظرة، هي قياسية ومضبوطة بشكل عجيب لا يكاد يصدق، فذو الذهن المتوسط يستطيع تحصيلها بأشهر قليلة وبجهد معتدل” -مجلة مجمع اللغة العربية-. إلا أن هذه الدعوة، يأبى تصديقها واقع التلاميذ في مختلف أسلاك التعليم، والذين يجدون صعوبة بالغة في تعلم قواعد اللغة، بل لا تكاد تخلو كتب المختصين من أخطاء نحوية وصرفية.

· الجمود الصرفي: مفردات اللغة العربية، مقارنة بمفردات اللغات الهندوأوربية، جامدة يصعب اشتقاق كلمات منها إلا بتغيير كامل بنيتها ونطقها، ففي اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية، يكفي إضافة Préfixes أو Suffixes للكلمة، لاشتقاق كلمات جديدة. في الفرنسية مثلا، يمكن إضافة سوابق ولواحق للفعل Passer، لاشتقاق كلمات جديدة مثل: passage, passant, passeur, passation, passable, repasser, dépasser, trépasser,…

هذا المشكل، يجعل اللغة العربية صعبة بعض الشيء على المتحدثين بها والمتعلمين لها كما يصعب نحت كلمات جديدة.

· الإسهال اللفظي وكثرة المعاني: مما يعاب على اللغة العربية، احتفالها بالكثير من المفردات للمسمى الواحد. يذكر السيوطي في أرجوزته “التبري من معرة المعري”، التي ألفها بعد علمه بالقصة الطريفة التي وقعت لـ أبي العلاء المعري في مجلس “الشريف المرتضى”، حين نعته أحدهم بالكلب، فأجابه المعري بأن الكلب هو الذي لا يعلم للكلب سبعين اسما، فاهتم السيوطي بجمع أسماء الكلب حتى لا تلحقه معرة ومثلبة المعري. يقول في أرجوزته :

للّه حمدٌ دائمٌ، الوَلِيّ … ثمّ صلاتُه على النبي

قد نقلَ الثقاتُ عَن أبي العَلا … لما أتى للمُرتَضى ودخلا

قال له شخص بهِ قَد عَثَرا … من ذلِكَ الكلبُ الذي ما أبصَرا

فقال في جوابه قولاً جلِي … مُعَبِّراً لذلك المجهّلِ

الكلبُ من لَم يَدرِ من أسمائِهِ … سبعينَ مومياً إلى علائِهِ

وقد تَتَبّعتُ دَواوينَ اللُغَه … لَعَلّني أجمعُ من ذا مَبلَغَه

فجئتُ منها عدداً كثيراً … وأرتجي فيما بقي تيسيرا

وقد نظمتُ ذاك في هذا الرجز … ليستفيدَها الذي عنها عجز

فسمّهِ هُدِيتَ بالتبرّي … يا صاحِ من معرّةِ المعرّي

من ذلكَ الباقِعُ ثم الوازِعُ … والكلبُ والأبقَعُ ثم الزارعُ

والخيطَلُ السخامُ ثم الأسدُ … والعُربُج العجوزُ ثم الأعقدُ

وهذا مثال واضح عن كثرة الأسماء للمسمى الواحد التي تطفح بها اللغة العربية، كأسماء الأسد والسيف والمرأة والفرس. هذه المرادفات الكثيرة، تجعل بناء اللغة مترهلا فضفاضا.

على النقيض من كثرة الأسماء للمسمى الواحد، كثرة المعاني للاسم الواحد، أو ما يصطلح عليه بـ المشترك اللفظي، الذي يزيد اللغة غموضا ولا يمكن فهم المغزى من مفرداتها إلا بمراعاة السياق، مثل اسم العين والحميم والعجوز والقُرء… التي تدل على معان عدة، لا تتمايز إلا حسب سياقها ولحاقها وعرف قائلها، وهذا العيب يؤثر على الوظيفتين الرئيستين للغة: التواصل والدلالة.

هذه العيوب وغيرها، كتغير الحالة الإعرابية للكلمات، وتشابه الحروف، وقلة المفردات المعبرة عن الأفكار المجردة… ليس تنقيصا من اللغة العربية، التي حوت إلى جانب ذلك محاسن كثيرة لا يمكن نكرانها. لكن العيب الأكبر، هو موت اللغة وعدم استعمالها وتداولها، فلا أحد في ربوع المنطقة العربية يستعمل اللغة العربية إلا في الخطابات الرسمية والدينية وامتحانات الطلبة… ثم ينطلق اللسان بعدها ليعبر بحرية باللغات الدارجة عن معيشه اليومي.

الذين يتشبثون اليوم باللغة العربية كلغة للتدريس، ويرفضون تدريج المناهج التعليمية، ينطلقون من منطلقين اثنين:

1ــ اعتبار اللغة العربية لغة مقدسة، لاختصاصها بالوحي القرآني

2ــ نرجسية نخبوية، يعتقد أصحابها أنه لا يمكن للكتابةِ الأكاديمية إلا أن تكون بعربيةٍ صِرفة، وأن الكتابة بالدراجة نوع من الابتذال والتدني الثقافي.

كلا الفريقين مجافٍ للصواب بعيدٌ عن الواقع، فلا الإسلاميون استطاعوا تعليم أبنائهم عربية سليمة ونجحوا في تعريب المجتمع، ولا الأكاديميون استطاعوا إحداث نهضة فكرية وجعل العلوم مشاعة بين الناس. أقصى ما وصل إليه الفريقان، نجاح الإسلاميين في تعليم أبنائهم كلمة “أبي” عوض بابا، واكتفاء النخبة بمجتمع صغير منفصل عن اهتمامات الناس، متبرئ من أميتهم، باكٍ على الأوضاع الثقافية المتردية.

إن التفكير الجدي في تدريج التعليم ينطلق من الحاجة للتصالح مع الذات، وإعادة الاعتبار للدارجة كلغة، شأنها شأن باقي اللغات، وأنها قادرة على التعبير عن المنتج الأكاديمي، كما تعبر عن نبض الحياة العامة بشكل يومي، وأنها ليست أقل منزلة من اللغة الصينية، التي استطاع أبناؤها ريادة العالم رغم صعوبة  نطقها وجرسها الذي يشبه قرقعة الأواني، ولا أدنى درجة من السنسكريتية لغة الهنود.

التجربة المعاصرة لبعض صانعي المحتوى في وسائل التواصل الاجتماعي، الذين ارتضوا إيصال محتواهم باللغة الدارجة كالمدون المصري “أحمد الغندور” الملقب بـ الدحيح، والمدونون المغاربة: حسن الحافة، هشام نوستيك، مروان المحرزي، ونجيب المختاري… دليل واضح، يكشف كيف أحدث هؤلاء نقلة نوعية في مناقشة مواضيع فكرية وعلمية وتاريخية وأدبية، وإيصالها باللغة الدراجة للعموم بشكل مبسط وسلس، استطاعت من خلاله الدارجة، استيعاب المعاني وبناء علاقات دلالية مفهومة، وإحداث طفرة بين الشباب المتلقي وإثارة السؤال المعرفي الناقد والقلق. وهذا ليس مستغربا، لأن الدراجة هي اللغة الأم التي تتفاعل معها الأذن بشكل اعتباطي دون عناء، كما تعبر عن هواجس الجماهير بعفوية ويسر في المدرجات والمظاهرات، ويتم الاشتقاق منها يوميا مصطلحات جديدة لتساير انسيابية الحياة ونبض الشارع.

إن قضية تدريج التعليم لا تستدعي المخاوف الكثيرة، التي يعبر عنها دعاة الحفاظ على اللغة العربية، كما أنها لا تلغي التراث العربي الأدبي والعلمي، وليست أمرا استبداديا سيُلزم الناس بالتدريج قهرا في قراءاتهم وكتاباتهم، بل هي فقط… دعوة لتمكين الدراجة من المعارف، وتبويئها المكانة التي تستحقها في تعايش مع باقي اللغات.

سيظل العالم االناطق بالعربية بعيدا عن أية نهضة فكرية، مادام هذا الانفصام قائما بين لغة العلم والتدريس واللغة الدارجة المتداولة بين عموم الناس. والحل… إما تعريب المجتمع تعريبا كاملا، وهو حل بعيد المرام لاعتبارات كثيرة وإشكالات جمة، أو تبني اللغة الدارجة الشائعة واعتبارها لغة يمكنها التعبير بها عن هواجس الناس وآمالهم واستيعاب الإنتاجات الفكرية والعلمية.

مقالات قد تهمك:

 

 

 

تعليقات

  1. Brahim

    مهذا مفال إيديولوجي متحامل، إغلب حججه واهية ومردود عليها، إذا أراد صاحبها ردا فلا مانع. بريجي الإلكتروني مسحل عندكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *