×
×

التعريب والأيديولوجيا… هل تسبّب المحتوى الأيديولوجي في فشل سياسة التعريب بالمغرب؟ 2\2

ما مآل أدلجة السّياسة اللغوية في المغرب؟ وكيف أدّت إلى حرب لغوية بالبلد؟

بعد أن رأينا في الجزء الأول إشكالية ضعف الترجمة، وكيف ساهمت الجائحة في تعميق هذا الضعف، سنتابع في هذا الجزء الثاني، كيف كان التعريب ينظر إليه أيديولوجياً، ومدى صدق هذه الأطروحة، كما نرصدُ الاعتبارات التي أدّت إلى هذه المخاضات الأيديولوجية، التي أساءت لسياسة التّعريب.

لقد ظلت بعض المكونات الثقافية المغربية والنخب الفرنكوفونية بالبلد، تنظرُ لسياسة التعريب بكثيرمن الحذر والشّك.

على مدار عقود طويلة غداة الاستقلال، تمت أدلجةُ سياسةِ التّعريب، وتمّ الزج بها في متاهات حرب أيديولوجية وهوياتية طاحنة ضد الفرنسية من جهة، وضد الأمازيغية من جهة أخرى.

في هذا الصّدد، يقول الباحث محمد بودهان، إن الأمر يتعلق بــ”تعريب سياسي يرمي، ليس إلى نشر اللغة العربية، بل إلى نشر وترسيخ القناعة لدى المغاربة، كذلك، بأن دولتهم عربية تحكمها سلطة عربية”. ويضيفُ أنّه “تعريب هوياتي، يرمي، ليس إلى نشر اللغة العربية، بل إلى نشر وترسيخ القناعة لدى المغاربة، أيضا، بأن المغرب بلد عربي ذو انتماء عربي”… فما مدى صدقية هذه الأطروحة؟

التّعريب و”وهم الأيديولوجيا

فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية، يذهب خلال تواصله مع مرايانا إلى أنّ التّعريب كان سياسة للمزايلة عن الفكر الاستعماري والنموذج الفرنكفوني في التعليم والثقافة، إذ كان رجال الحركة الوطنية، أمثال علال الفاسي والمختار السوسي وغيرهما، يراهنون على التحرير اللغوي بموازاة التحرير السياسي والعسكري.

حينها، كانت اللغة العربية هي أداة التحرر والوحدة والمشترك الوطني. لذا، عمد المستعمر، قبل وبعد خروجه، على إنشاء تناقضات مجتمعية لمواجهة هذا المسار، من خلال النخبة الفرنكفونية المرتبطة ثقافيا وماديا بالمركز الباريسي، أو خلق صراعات هوياتية داخل الوطن، تحت عناوين متعدّدة، تارة باسم الأمازيغية وأخرى باسم العامية وهكذا دواليك، يفيدُ بوعلي.

لذلك، فأدلجة “النقاش اللغوي كانت الغاية منها إخراج العربية من السوق اللغوية المغربية وحصرها في الخطب الدينية والأشعار دون أن تغدو لغة علم وتقنية؛ لأن الفرنسية، بحكم ضعفها العلمي والتقني، لا يمكنها أن تفرض وجودها دون استعمال آليات الافتراس اللغوي، عكس اللغات العالمية التي تفرض وجودها بقوة أصحابها”.

يجملُ رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بأنّ ما يحدُث من صراع ضد العربية في المغرب هي حرب بالوكالة، لأن اللغتين العربية والأمازيغية كانتا على الدوام تتوزعان الأدوار والوظائف.

ما دخلُ الأمازيغيّة؟

في نطاق آخر، يرى الناشط الأمازيغي والباحث في اللسانيات، عبد السلام بوميسر، إنّ هناك كتابات ومؤلفات كثيرة تُدافع عن طرح التعريب والعروبة، باعتبارهما أيديولوجيا وانتماء هوياتياً وحضارياً، مع إظهار كثيف بالالتزام بقضايا الشرق والعرب بصفة خاصة، وإهمال متعمد للعمق المغربي والمغاربي والأفريقي للذات الوطنية.

الحركة الأمازيغية، حسب بوميسر، رافعت من أجل دحض هذا التوجه الإقصائي التوحيدي والقسري للمغرب خاصة، وشمال أفريقيا بصفة عامة. “وأسهمت بشكل فعال في هدم الأفكار المقزّمة للذّات المغربية، كما أعادت الاعتبار للتعدد اللغوي والثقافي والهوياتي، واعتبرته كنزا ثمينا ينبغي الحفاظ عليه وتثمينه ورسملته لمواجهة دعوات القتل الرمزي الذي أخذته العروبة على عاتقها، لحمل الجميع على التخندق في ضفة واحدة وموحدة: العروبة“.

وفق بوميسر، فقد نجحت الحركة الأمازيغية في هذا الأمر. ومن مظاهر هذا النجاح، أن شعارات الحركة كـ”الوحدة في التنوع”، الذي كان شعاراً للدورة الأولى للجامعة الصّيفية بأكادير سنة 1980، أصبح بعد 30 سنة من العمل التّرافعي والنضالي الأمازيغي، شعاراً للدّولة والدّوائر العُليا.

فضلاً عن “الترافع من أجل مغرب التعدد والتنوع والاختلاف (التعدد اللغوي والديني والمذهبي…) الذي كان ينظر إليه قبل عقود بمثابة الخيانة والدعوة إلى الفتنة والتفرقة، أصبح اليوم دليلاً ديموقراطيًّا يتبناه الجميع”.

اليوم، أي بعد أكثر من 80 سنة على عمل الحركة الأمازيغية، أصبح التعريب يظهر وجهه التّقني فقط، وتخلص من وجهه الأيديولوجي الأولي، حتى أن العمل في إطار جامعة الدول العربية، أصبح ينظر إليه باعتباره غريباً وغير مجد، وأن وصف المنطقة المغاربية/شمال أفريقيا، بأنها مغرب عربي، أصبح أيضاً وجها من أوجه الماضي الأيديولوجي للعُروبة الشاملة، يقول الباحث.

يردف الناشط الأمازيغي أنّ ما ينبغي ألاّ يُنسى، أنّ علاقة أمازيغ شمال أفريقيا، والمغرب الأقصى بصفة خاصة، بالعربية، علاقة قديمة، وليست مجرد علاقة أيديولوجية قومية كما تم الترويج لها في سياق القومية العربية وظروف الاستعمار بالمنطقة.

فأمازيغ “شمال أفريقيا تعرفوا على العربية مع دخول المسلمين إلى المنطقة. وبعد تأسيس الدول الأمازيغية الكبرى (وخاصة الدولة المرابطية والموحدية) المستقلة عن دولة الخلافة بالمشرق، اتخذوا من اللغة العربية، إلى جانب اللغة الأمازيغية، لغتين للدولة: العربية باعتبارها لغة للدين والمقدس والكتابة، والأمازيغية باعتبارها لغة للذات ومظهراً من مظاهر التّميز والاستقلال عن المشرق، ولغة للدعوة الإسلامية الذاتية والوعظ والإرشاد”.

يتّضح، هنا، أن الانتقال بالعربية من وضعها الدّيني التنظيمي والرسمي، إلى وضعها الأيديولوجي الرسمي والتقني، هو انتقال حديث لم تعرفه إلا المرحلة الحديثة من تاريخ المغرب.

يدعم هذا الطّرح الإعلامي والنّاشط الأمازيغي، يوسف أوزكيط، حين يرى أنّ من تبعات أدلجة التعريب، أن الخطاب القومي البعثي، استقوى في المغرب، ليكرّس ثقافة أحادية لا تحترم التعددية والديمقراطية وتنوع الذات المغربية. ولطالما ربطت الحركة الثقافية الأمازيغية بالانفصال، لأنها دافعت عن حقها في التواجد.

أكثر من ذلك، أوزكيط يصرّح لمرايانا بأنّه تمّ النظر إلى الأمازيغية كمشكلة عرق وعنصرية، لأسباب أيديولوجية أيضاً؛ في حين أنها لم تكن كذلك. مع أنها إلى اليوم، لم تنل نصيبها في التعليم أو الإعلام أو باقي القطاعات الحيوية بالتساوي مع اللغة العربية، ولم يكن للأمازيغيين الحقّ في تسمية أبنائهم أسماء أمازيغية إلاّ مؤخّرا.

إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية كان إنصافاً للمكوّن الأمازيغي. لكنّ أوزكيط يعتبرُ أن هذه المؤسسة الرّسمية، ينبغي أن تسهر على تسويق المنتوج الأمازيغي بعد تدوينه، وتمكين الولوج إلى الأدب الأمازيغي، للنفاذ إلى مختلف مكونات المجتمع، وليتعرّف المواطنون المغاربة على الغنى الثقافي الذي يتمتع به بلدهم.

… بين الأدلجة والجَائحة وعوامِل أخرى، يجوز التساؤل، ما مآل سياسة التّعريب مستقبلاً؟

الجواب على هذا السّؤال يخفي ما يخفيه، أمام وضع لغوي متّسم باللّغط المستمر.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *