×
×

من اليمن، حسين الوادعي يكتب: محمد عمارة… من الوطنية الفاشية إلى الماركسية الى السلفية

يمكن اختصار كل تقلبات الفكر العربي في شخصية محمد عمارة. كان رحمه الله رادارا حساسا يلتقط اللحظة السائدة ويتبعها حتى ولو كان ثمن ذلك، الانتقال الفكري الصعب بين المتناقضات. في …

يمكن اختصار كل تقلبات الفكر العربي في شخصية محمد عمارة. كان رحمه الله رادارا حساسا يلتقط اللحظة السائدة ويتبعها حتى ولو كان ثمن ذلك، الانتقال الفكري الصعب بين المتناقضات.

محمد عمارة

في الأربعينات، انتمى إلى حزب “مصر الفتاة” وهو حزب قومي متطرف في مصريته، تم تكوينه على غرار الأحزاب الفاشية في أوروبا بجناح عسكري وتنظيمات وخلايا شبابية وأزياء وشعارات شمولية.

كان الزمن زمن البحث عن الاستقلال التام وتأكيد الهوية المصرية ومقاومة الأجنبي، وكان حزب “مصر الفتاة” التعبير الأمثل للوطنية الصارخة بالفكر والجناح المسلح.

مع بداية الخمسينات، خفتت نبرة القومية المتطرفة بعد سقوط النازية والفاشية في أوروبا وتراجع شبيهاتها في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، فأحس رادار محمد عمارة بالتغيير وأن الزمن هو زمن الفكر اليساري الاشتراكي، فقفز من مركب “مصر الفتاة” الغارق إلى مركب الماركسية العربية.

اقرأ لنفس الكاتب: الأزهري الشجاع … والثلاثية العلمانية

كان صوت عماره عاليا في ماركسيته مثلما كان عاليا في وطنيته المتعصبة، وألف كتابا أو كتابين في التفسير المادي، لم يعد طباعتهما.

في منتصف الخمسينات، اصطدم الماركسيون بالسلطة وعجزوا عن التغلغل في المجتمع وبدأ الحديث عن “الإشتراكية العربية” أو “الإشتراكية ذات الخصائص العربية الإسلامية”.

إنه نموذج لتقلبات المثقف العربي خلال 70 سنة. ونموذج لحيرة المثقف وتقلباته بين أمواج فكرية وزلازل سياسية وبراكين اجتماعية تقذف به هنا وهناك. وهو كالبدوي الراحل يخلع خيمته من الأرض السابقة لينقلها الى أرض جديدة ما يلبث أن يجدها غير ذات زرع فينتقل إلى أرض أخرى.

خرج عماره من السجن، وكالعادة التقط براداره الحساس الفكرة وانتقل من الماركسية إلى “اليسار الإسلامي”. واستمر في تفسير التاريخ الإسلامي تفسيرا ثوريا اشتراكيا حتى فقدت الإشتراكية سمعتها في القاموس السياسي العربي بعد الهزائم المتتالية وخاصة هزيمة 1967.

كان رادار عماره الحساس لا يزال يعمل في كامل طاقته والتقط اللحظة للمرة الثالثة. كانت منطقة ما يسمى بالوطن العربي كلها تتجه نحو العودة للتراث الديني وللنظر في حلول المشاكل الحضارية من خلال الدين نفسه.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: البعد الشيطاني للخطاب الديني… أصل الإرهاب والتطرف

بدأت في تلك اللحظة المرحلة السلفية لمحمد عماره. لكنه كان لا يزال يفكر في إطار السلفية المستنيرة التي يمثلها في العصر الحديث محمد عبده والأفغاني، ومثلها قديما التيار العقلي عند المعتزلة.

بعد أن دافع عن علي عبد الرازق وأعاد تحقيق كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، عاد ليهاجمه ويهاجم فكرة فصل الدين عن السياسة.

وبعد أن دافع عن مدنية الدولة، عاد ليدافع عن الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة.

هذه من وجهة نظري أهم مراحله الفكرية، والتي قدم فيها أهم إنجازاته الفكرية من تحقيق الأعمال الكاملة لمحمد عبده والأفغاني والكواكبي وقاسم أمين وعلي عبد الرازق، إلى دراساته عن فكر المعتزلة، إلى اجتهاداته المستنيرة (آنذاك) في مسائل الفن والحكم والفكر، محاولا تقديم رؤية وسطية تجديدية للاسلام.

لكن راداره الحساس لم يتوقف عن التقاط التغيرات والأحداث. كانت العقلانية الدينية تتراجع لصالح السلفية والإسلام السياسي. وكانت شعارات “الدولة الإسلامية” و”تطبيق الشريعة” تصعد وتهيمن، وكان عماره كالعادة جاهزا للانتقال.

بعد أن دافع عن علي عبد الرازق وأعاد تحقيق كتابه “الإسلام وأصول الحكم”، عاد ليهاجمه ويهاجم فكرة فصل الدين عن السياسة. وبعد أن دافع عن مدنية الدولة، عاد ليدافع عن الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي وتطبيق الشريعة.

اقرأ أيضا: الحرية الفكرية: هكذا أسهم رجال الدين تاريخيا في قمع الفكر واضطهاده

مع صعود مرحلة ” الصحوة الإسلامية”، كان الخطاب الديني يضيق ويزداد تشددا، وكان عماره يتكيف مع التيار وتتشدد أطروحاته سنة بعد أخرى ليتناغم مع الإخوان في أفكاره السياسية، و ليصل إلى مرحلة التكفير والتحريض الطائفي والهجوم على الأقباط والكنيسة واتهامهم باستجلاب التدخل الخارجي. كما هاجم بعنف كل مثقفي التنوير من فؤاد زكريا إلى فرج فودة إلى نصر أبو زيد وسيد القمني بخطاب تفكيري مراوغ بثه في كتبه الأخيرة بأسلوبه الهاديء والمنظم.

تأثرت بفكر محمد عماره وأنا طالب في الجامعة في مرحلته الوسطية، وساعدني على استعادة التوازن بعد أن صدمني الفكر الديني المتشدد. لكني كنت أغادر مرحلة العقلانية الدينية إلى الفكر العلماني العلمي، وكان عماره يغادر العقلانية الدينية إلى السلفية والإسلام السياسي.

افترقت عنه فكريا وكنت أتمنى أن تسنح الفرصة لألتقيه وجها لوجه وأناقشه في تحولاته بعد أن عرفته لسنوات عبر مؤلفاته.

إنه نموذج لتقلبات المثقف العربي خلال 70 سنة. ونموذج لحيرة المثقف وتقلباته بين أمواج فكرية وزلازل سياسية وبراكين اجتماعية تقذف به هنا وهناك. وهو كالبدوي الراحل يخلع خيمته من الأرض السابقة لينقلها الى أرض جديدة ما يلبث أن يجدها غير ذات زرع فينتقل إلى أرض أخرى.

كان صوته عاليا في كل خيمة فكرية استظل تحتها. وكانت قطيعتي الكاملة معه يوم شاهدت لقاءه مع د. نصر أبو زيد  في برنامج الاتجاه المعاكس (عام 1995 حسب ما أتذكر)، وقد تحول العقلاني إلى سلفي متشدد يرتدي العباءة التقليدية على الهواء ويصرخ باتهامات المؤامرة ضد الإسلام في وجه من يختلف معه.

اقرأ أيضا: السلفية في المغرب… أصل الحكاية: ماذا يُقصد بـ”السلفية”؟

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *