×
×

الطيب صالح أكبر من الموت”… مرايانا تستقي شهادات في حقّ الطيب صالح 2\2

في الجزء الأول (وتجدون رابطه أسفل هذا المقال)، قدمنا بعضا من سيرة الطيب صالح، وجزءا من ملامح مشروعه الروائي.
في هذا الجزء الثاني، نرصد شهادات حصريّة لمرايانا، نستقيها في ذكراه التي تصادف 18 فبراير من هذا الشهر.

محمد سليمان الشاذلي: الطّيب صالح أنيسٌ لا يملّ

الأديب السوداني محمد سليمان الشاذلي، لا يخفي إطلاقاً حبّه للطيّب صالح، رفيق دربه بلندن في بريطانيا. ربطت بين الشاذلي والطيب صالح صلة شخصيّة قويّة، ساهمت في تعميق القرب والتأثير والتأثر بين الأديبين: محمد سليمان الشاذلي والطيب صالح.

محمد سليمان الشاذلي
محمد سليمان الشاذلي

سيحضرُ اسمُ الطيب صالح في حياة سليمان الشاذلي ليس شخصيا فقط، بل أيضاً إبداعيًّا، حين حصل على جائزة الطّيب صالح العالميّة للإبداع الكتابي سنة 2013. لم يخفِ الأديبُ يوماً أنه تقدّم للجائزة رغبة في أن يقترن اسمه باسم الطيّب صالح ليخلدا معاً في الوجدان والذّاكرة.

بلغة ملْؤُها الرّثاء، يقول الشاذلي إنّه كلّما يتذكّر الطّيب صالح، يستحضرُ أكثر ما يميزه: تواضعه الجم. لقد “كان حفيًّا جداً بي، فقد ساعدني مساعدةً كبيرة حتى في خارج سياق الكتابة الأدبيّة. تصاحبنا في لندن صحبة طويلة منذ الشباب، وقد شرفني مع زوجته جولي في حفل زواجي في هيلتون لندن كينسينغتون. تلمذَتي عليهِ كانت مُباشرة”.

في شهادته التي يقدّمها الشاذلي لمرايانا، يشدّد على كون الطّيب صالح كان ملهماً بالنّسبة له، فهو كان “مطلعا اطلاعًا واسعًا على الأدب العربي والإنجليزي. بيد أنّ حبه الأوفر والأعظم كان للشّعر. أذكر أنّنا كنا نجلس لسَاعات نتذاكر شعر أبي الطّيب وذي الرمّة على وجه التّحديد”.

يضيفُ المتحدّث أنّ التأثر سيتكرّس بفعل قدرة الطيب صالح على القفز بالرواية قفزة واسعة، فهي من قبله كانت كما السنور الوليد يتحسس طريقه في عمي؛ أما بعده، فقد باتت مبصرة، بل ذات بصر حديد. لم يكن من المكثرين، ولكن ما كتبه كان ممتازاً، وهذا يدلل على أن الإبداع ليس بالكثرة وكتاباته اتّسمتْ بالعمق.

يجملُ صاحبُ الطّيب صالح قائلاً: على المستوى الشّخصي، كان الطيب جليس أنس لا يمل، وقد كانت لديه قدرة خارقة على السّهر وحسن الإصغاء وحسن الحديث. كذلك كان يحب السفر، زار معظم مدن العالم، لكن كان له حب خاص للمَدينة المنوّرة، شأنَ جميع السّودانيين. لذلك، فالطّيب صالح لم ولن يغيّبه المَوت.

طلحة جبريل: سيبقى الراحل أمة في كاتب وكاتباً في أمة 

يستهلُ الكاتب والصحافي السوداني طلحة جبريل شهادته، بالتعبير عن عميق شعوره تجاه الطّيب صالح، يقول: يعني لي الطيب صالح الكثير الكثير. لقد قال عني ذات مرة في ندوة مفتوحة إنه “ابني الروحي” وقلت يومها، هما كلمتان فقط لكنهما أعظم لقب أناله في حياتي. ثمّ تفضل عليّ مرة أخرى عندما روى لي سيرته الذّاتية. هكذا تتلخّصُ علاقَتي معَ هذا الرّوائي العبقريّ والقامة.

يستطرد طلحَة جبريل: كلما أُسألُ عن الطّيب صالح أجدُ أن عبارة كتبها هو نفسه، يصف فيها أحد الكتاب، تلخّصه هو نفسه؛ حيث يقول: “هو من طراز مبدعين يظهرون في حياة الأمم خلال فترات متباعدة، كان كاتبا في أمة أحبها وأحبه كثيرون… وكان أمّة في كاتب”.

طلحة جبريل
     طلحة جبريل

الطيب صالح لم يرحل، “فقد كانَ هو السودان، وكان السودان هو الطيب صالح، لأنه جمع في كتاباته بين قدرات كاتب عملاق، ومبدع مرهف الإحساس، ومفكّر عميق الفكر، وإنساناً قلّ أن يجود الزمان بمثيل له”، يقول طلحة.

عاش الطيب صالح، وفق المتحدث، مثل أهله، حياة الفلاحين. لذلك، يعتقد أن بيئة القرية في المجتمع المتساكن والمندمج هي التي حفّزته، بعدَ سنواتٍ طويلة، على الكتابة. يقول في هذا الصدد: “كتبت حتى أقيم جسراً بيني وبين بيئة افتقدتها ولن أعود إليها مرة أخرى”.

يُذكّر الطيب صالح طلحة جبريل بالسودانيّ الوفيّ للأرض، أو الذي سكنتهُ بيئته أكثر ممّا سكنَها. ومثلما كان إحساس صالح، فهو مماثل لكلّ سوداني يعيشُ بعيداً عن أهله وأرضه. يعبّر طلحة جبريل عن كلامٍ سبق وتلفّظ به الطيب صالح: “كانت قريتي مختلفة تماماً عن الأمكنة والمدن الأخرى التي عشت فيها، ولا شك أن هذه المنطقة هي التي خلقت عالمي الرّوائي“.

ثمّ يعلّق الكاتب بأنّ هذا هو الطّيب صالح في حقيقته، تلخصه كلمة واحدة “التّواضع” ولعل من مفارقات لعبة التواريخ في حياة الطيب صالح، أنه ولد عام 1929، واحتفظ برقم تسعة أيضا وهو يغادر، إذ كان ذلك عام 2009.

يختم طلحة جبريل شهادته لمرايانا، بالقول: اعتقدت دائماً أن مجرد وجود الطيب صالح في هذه الدنيا يجعلها خيّرة، وفي اللحظة التي سمعت برحيله، أقول صادقاً إن أحزاني فاضت وفاضت.

يبدو حبّ طلحة جبريل للطيب صالح في قوله: كان الطيب صالح في حياته أكبر من الحياة، وسيظل الطيب صالح بعد رحيله أكبر من الموت.

محمد بوعزّة: أديبٌ له أفقٌ إنسانيٌّ عبر قومي 

النّاقد الأدبيّ والأكاديمي المغربيّ محمد بوعزّة، يرى أنّ الطيب صالح، رغم رحيله، ترك درساً جماليًّا وثقافيًّا يمكنُ استخلاصه من تجربته الروائية.

إنّ هذا المشروع الإبداعيّ، وفق بوعزة، بيّن لنا أنّ المحلية بأفق إنساني، هي الطّريق الثّقافي نحو العالميّة، ونحو الروح الإنساني المتعالي بتعبير هيجل، وليس الخضوع للمركزية الثقافية الغربية، والتبني الأعمى لمعايير السّوق الثقافي الرأسمالي، الذي تتحكم فيه المنتديات الغربية، لا سيما في مجال سوق الترجمة، وتروج للكتب التي تعيد استنساخ الصّور النمطية والرؤى الاستشراقية عن الشعوب والثقافات غير الغربية.

محمد بوعزة
                  محمد بوعزة

ومن ثمّ، “يتم التركيز في انتقاء النّصوص للترجمة، على البحث عن رواة أصلانيين يقدمون سرديات غربية استشراقية عن الآخر الغريب والعجيب، بصوت الرّاوي المحلي”.

وفق ما وجدهُ بوعزة في مجموع أعمال الطيب صالح الروائية والقصصية، فإن هذا الكاتب ظلّ مرتبطا ببيئته المحلية؛ يستمدّ منها حكاياته وقصصه الخيالية، واستطاع برؤيته الفنية النفاذ إلى أدق تفاصيل هذه البيئة المحلية والتّعبير عنها بلغة شاعرية تنفذ إلى العمق الإنساني لشخصياته المبتكرة.

في “موسم الهجرة إلى الشّمال”، ينقل الرّيف السوداني بطبيعته الإفريقية وموروثه الثّقافي المحلي وتقاليده الشّعبية إلى قلب الغرب، في لندن عاصمة الإمبراطورية البريطانيّة التي لم تكن تغيب عنها الشّمس، يقول النّاقد.

أيضاً، فإلى جانب هذه المحليّة الجغرافية والأنثروبولوجية، التي ارتفع بها إلى مستوى الأفق الإنسانيّ، يلمسُ بوعزة “جانباً آخر مهمًّا من المحلية الأدبية، أسمّيه بالمحلية الثقافية؛ ففي معظم أعماله الرّوائية يغوص الطّيب صالح عميقًا في حفريات التّراث السّردي العربي، ويتمثله برؤية معاصرة وحداثية، منفتحة على التراث العالمي (سرديات ألف ليلة وليلة في “موسم الهجرة للشمال”)”.

لذلك، وبفضل هذه المثاقفة الخلاّقة، المبنية على أرضية تراثية صلبة، وعلى معرفة عميقة بالآداب الغربية، استطاع أن يستشرف في عالمه الروائي أفقا إنسانيّا عبر قومي cross-national، تتصادى فيه هويات وشخصيات وفضاءات وتخييلات من ثقافات مختلفة، من الشّرق والغرب وأفريقيا، بحسب تعبير الأكاديمي.

لعلّ هذا ما يفسّره الناقد كانعكاس لرؤية فنية متفردة متأصلة في روايته/الأيقونة، “موسم الهجرة إلى الشمال”، التي يمكن أن نتأولها منطلقين من قراءة إدوارد سعيد لها في “الثقافة والإمبريالية”، بأنها تمثل ردا ثقافيًّا بالكتابة على التّمثيلات الغربيّة لأفريقيا، التي تحكمت في رواية قلب الظّلام” للرّوائي البريطاني من أصل بولوني جوزيف كونراد؛ ذلك أن الطيب صالح يُحِلًّ نهرَ النيل محل نهر كونراد.

يجملُ محمد بوعزة شهادته في حقّ الطيب صالح لمرايانا، قائلاً: هذه الإزاحة الخِطابية تؤدّي إلى إزاحَة دلاليّة للمعنى الكولونيالي، الذي يتبدى فيه مجاز نهر كونراد في الكونغو باعثًا على الرعب والموت. وعلى النقيض من هذا المجاز الكولونيالي، يتحول النيل في “موسم الهجرة إلى الشمال” إلى مجاز باعث للحياة، “تجدد مياهه نفُوس أهله وحيويتهم”.

والخلاصة أنّ روائيا يفكّر بهذه الطّريقة، لا يموتُ أبداً، إنه يحيّا بعبقريّته وخطّه المتفرد.

عبد المجيد سباطة: الطيب صالح حاضر في مساري

يبدأ الروائي المغربيّ عبد المجيد سباطة شهادته في حقّ الطيب صالح قائلاً: أن تكُون كاتبًا عربيًّا مشغُولا بهاجِس العلاقة المُضطربة بالآخر، الذي يمثله الغربي بكلّ تأكيد، يعني استحَالة تجاهل المَسار الإبداعي لأحد أشهر الأدباء العرب في القرن العشرين، ممن كانوا سبّاقين للاشتباك أدبيا مع الغرب ونظرته المتعالية والنمطية تجاه الشّرق، كلامي في هذا السياق عن الطّيب صالح، وخصوصًا روايته “موسم الهجرة إلى الشمال”.

عبد المجيد سباطة
         عبد المجيد سباطة

يضيف سباطة، في حديثه لمرايانا، أنّ هذه الرّواية حاضرة في مسارهِ، وطالعَها جيدًا، لذلك، هي في نظره، تستحقّ عن جدارة “مكانَتها كواحدة من كلاسيكيّات الأدب العربي. إننا نتحدث، هنا، عن كثَافة سردية غنيّة وملهِمة استطاعت المزج بين الشمال والجنوب، وجمعت شخصيات متباعدة ومتنافرة ثقافيًّا وقيميًّا”.

إنها رواية قويّة المعنى والمبنى، “سلّطتْ الضّوء على الاستعمار وما تبعه من تحوّلات عميقة مسّت النسيج المجتمعي العربي، كما استطاعت الرّواية أن تصف مدن انجلترا، وصحراء السودان، والحياة البسيطة في قراه، دون أن تغفل مرور الزمن وتوالي الأحداث”.

بالنسبة لسباطة، فإنّ ما يثيرُ أي قارئ في الرّواية هي تلك العلاقة الملتبسة بين الراوي ومصطفى سعيد، خصوصا، مع وجود علاقة تناقض وتكامل تجمعهما، أحدهما اختار كل شيء فيما لم يختر شيئًا، أحدهُما فقد كلّ شيء عندما فقد قدرته على الاختيار مرة واحدة فقط، أما الآخر فقد قرر استعادة كل شيء بأن يختار مصيره ولو لمرة واحدة…

هنا، يتساءل سبّاطة: أليسَت هذه بحد ذاتها علاقة إفريقيا بمستعمِرها؟ ألا يشكل عمق هذه العلاقة محركا لكل كاتب (مغربي في حالتنا)، ينشغل بنظرة المغربي للعالم، ونظرة العالم للمغربي، كما سبق وأشرتُ إلى ذلك في حوار سابق مع مرايانا؟

بهذا يكون الراحل الطيب صالح حاضراً في تصوّر وتفكير وتمثّل أحد أهم الرّوائيين الشّباب المغاربة: عبد المجيد سباطة. ما يبيّن أن تأثير الطيب صالح حطّ لمساته في أرض المغرب، وبالضرورة في مشهدها الروائيّ المعاصر.

هكذا… رحل الطيب وبقيت رواياته وبقي تأثيره وفراغه غير مسدود. رحل لكنّ قراءته باتت طقسًا بالنّسبة لكلّ سُوداني مُتعلم أو متخصص في السرد.

رحل بعد أن أدرك العالم أننا أمام روائي من طينة نادرة، روائي قادر على الخلق التّخييلي وتخصيب الخيال والأفكار باعتماد الواقع أحياناً. خيالٌ ملغوم بالمعيش، يرى نفسه فيه كلّ من يقرأه، فيحسّ وكأنّ الطيب صالح يتحدّث عنه.

تلك فرادة الطيب صالح، وتلك موهبته الروائية المتّسمة بالجدّة.

مقالات قد تثير اهتمامك: 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *