×
×

مرايانا تتذكّر الطّيب صالح: عبقريّ أدخل الرّواية العربيّة… في منعطف آخر من الإبداع! 2\1

يقول الطّيب صالح في روايته الأيقونة موسم الهجرة إلى الشمال: نعلّم النّاس لنفتَح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبُوسة، ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة: الحرّية. نحرر العقول من الخرافات. نعطي الشّعب مفاتيح المستقبل ليتصرّف فيه كيفَ يشاء.

“أنا أقول حين أسأل، بأنني لم أرد أن أكون كاتباً، السبب لأننا في السّودان حين دخلنا الجامعة في آخر الأربعينات كان عددنا قليلاً، وكنا نفكر في أن نتعلم أشياء مفيدة لوطننا مثل الطب والهندسة والزراعة والبيطرة”… هكذا أجاب الطيب صالح حين سئل عن حلمه في أن يصير كاتباً.

لكن، ألاَ يدفعنا قولُ الأديب للتساؤل: كم من طيّبٍ صالحٍ يوجدُ في التّاريخ وأرادته “الكتَابة” حتّى “أغرِمَت به” بهذا الشّكل الجنونيّ؟

الطّيب صالح ليس صدفة، ولا إبداعه كان صدفة. الطيب صالح مبدع خلاّق وبشكل مكثّف ومضَاعف… في هذا البورتريه، نقتفي بعضاً من سيرته!

الأصلُ… الطّيّبُ!

تعود أصول الطّيب صالح إلى منطقة التّمازج الحضريّ والعرقي العربيّ: السودان. ولد في الشمال، في قرية كرمكول سنة 1929؛ وهناك عاش فُتوّته وطفولته. انتقل فيما بعد إلى الخرطوم، وأكمل دراسته الجامعيّة فيها. حصل على الباكالوريوس في العلوم، ثمّ انتقل إلى لندن وأكمل تحصيله العاليّ في الشؤون الدوليّة.

عمل في الإذاعة البريطانية، وسرعان ما تحول ليرأس قسم الدراما فيها. عاد بعدها إلى السودان وعمل مديرا للإذاعة، فتمت دعوته ليكون مديراً في قطاع الإعلام أو وكيلاً للوزارة الوصيّة على القطاع، فاعتذر، لأنه كان يرى المهمّة شاقّة وتتطلّب مسؤوليّة كبيرة… وحلّق عائداً إلى لندن. [1]

هناك، تزوّج سيدة إنجليزيّة تسمى جولي، وهي قريبة وجدانيًّا من الثقافات المتحدثة بالعربية، وقادرة على فهم مشاكل المنطقة. مثّلت هذه السيدة التطلع الذهنيّ للطيب في المرأة عامة، وأنجب منها ثلاثَ بنات.

بعدها، انتقل إلى قطر، وعمل فيها وكيلاً لوزارة الإعلام ومشرفاً عامًّا على أجهزتها، وعمل مديرًا إقليميًا لمنظمة اليونسكو في “الخليج العربي”. استطاع، في مدّة وجيزة، أن يصنع من دائرته واحة خصبة للثقافة ومركزاً للإشعاع الأدبيّ.[2]

لم يعد مجدّداً إلى السّودان، إلاّ أنّه ارتبط وجدانيًّا بقريته كرمكول، وجعلها مسرحاً لأحداث كثير من أعماله. يجوز القول إنّه لولاَ كرمكول، ما كان الطيّبُ ليكون “صالحاً” للأدب الروائيّ؛ ودونَ مجهود الطّيب صالح، لم تكن كرمكول لتصبحَ عنصراً مفصليًّا لأحد أهمّ المَشاريع الرّوائيّة العربية. وبانتفاء إسهامات الطيّب صالح، تظلّ كرمكول اسماً جغرافيًّا مجهولاً ومغموراً في حياء الهامِش وخصوبته.

كتب الأديب الطيب صالح طوال مسيرته الحياتية أربع روايات، هي: “موسم الهجرة إلى الشمال”، وثلاثيّته: “عُرس الزين”، “ضو البيت” و“مريود”. فضلاً عن قصص ومجموعات قصصيّة مثل “دومة ود حامد”، “حفنة تمر”، و“نخلة على الجدول”، و”هكذا يا سادتي”، و”الرجل القبرصي”، و“هكذا يا أستاذ”، و“رسالة إلي إيلين”.

الطيب صالح… الفتحُ الروائيّ

موسم الهجرة إلى الشمال… من الأعمال الرّوائيّة الأولى للطّيب صالح. صدرت الرواية سنة 1966 في بيروت بلبنان. لكن، حتى الطيّب صالح، ربّما، لم يفطن لكونهِ يلقي “قنبلة أدبيّة”، ستفجّر مساراً جديداً في تقنية كتابة الفنّ الرّوائيّ. دفع ذلك أهم النقاد العرب في تلك الفترة، رجاء النقّاش، إلى أن يطلق عليه لقب “عبقريّ الرواية العربيّة”.

يقول الطّيب صالح في هذه الرّواية: نعلّم النّاس لنفتَح أذهانهم ونطلق طاقاتهم المحبُوسة، ولكننا لا نستطيع أن نتنبأ بالنتيجة: الحرّية. نحرر العقول من الخرافات. نعطي الشّعب مفاتيح المستقبل ليتصرّف فيه كيفَ يشاء.

المضمون الأساسيّ للرواية يعالجُ جدليّة صدام الحضارات أو الصراع بين الشرق والغرب، أو بين الجنوب والشمال، وذلك من خلال الشخصيّة المحوريّة مصطفى سعيد. يعود بطل الرواية من لندن إلى بلده السودان بعد أن أنهى دراسته الجامعية، وتفوّق فيها. وكان مقامه بإنجلترا لا يخلو من مغامرات جنسيّة مع أجنبيّات عالجها الكاتب بكلّ جرأة.

يقول الكاتب في متن الرّواية: مصطفى سعيد يا حضرات المحلفين إنسان نبيل، استوعب عقلهُ حضارة الغرب، لكنّها حطّمت قلبَه.

بلا منازع، شكّل هذا العملُ فتحاً روائيًّا ومنعطفًا هامًّا في حياة الطّيب صالح والأدب العربيّ المعاصر. فرادة الرواية الأدبيّة في ذلك الزّمن، دفعت به سريعاً إلى مقدّمة صفوف أهمّ الكتاب العرب والعالميين. كيف لا؟ وقد اختِيرَت الرواية ضمنَ لائحة أفضل مائة رواية في القرن العشرين، وتمّت ترجمتها إلى أكثَر من عشرين لغة.

حين كانت الرواية “طريّة” في السّوق، التهمها رجاء النقاش، وقال في أحد مقالاته النّقديّة عنهاما يلي:

“لم أصدق عينيّ وأنا ألتهمُ سطُور رواية موسم الهجرة إلى الشمال، وأتنقّل بين شخصيّاتها النارية العنيفة النابضة بالحياة، وأتابعُ مواقفها الحارّة المتفجرة، وبناءها الفنيّ الأصيل الجديد على الرواية العربية. لم أتصور أنني أقرأ رواية كتبها فنان عربيّ شاب. ولم أتصور أن هذه الرّواية الناضجة الفذة -فكراً وفنًّا- هي عمله الأول. لقد أخذتني الرواية بين سطورها في دوّامة من السحر الفنيّ والفكريّ. وصعدت بي إلى مرتفعات عالية من الخيال الفني الروائي العظيم… وأطربتني طرباً حقيقيًّا بما فيها من غزارة شعريّة رائعة”.

ثمّ يضيفُ: لم أكد أن أنتهي من قراءة الرّواية، حتى تيقنت أنني -بلا أدنى مبالغة- أمام عبقريّة جديدة في ميدان الرواية العربيّة… تولدُ كما يولدُ الفجر الجديد المشرق، وكما تولد الشّمس الإفريقيّة الصّريحة النّاصعة.

خضعت الرّواية في بعض نطاقَاتها لمُحاكمة أخلاقيّة، عوضَ ضرورة إخضاعها لمحاكمة فنيّة، جماليّة، إبداعيّة أو سرديّة، خصوصاً معالجة الطّيب صالح لموضُوع الجنسانيّة.

نفى كثيرٌ من النّقاد أن يكون لذلك علاقة بمنع الرواية من أن تدرّس في جامعة الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي. أرجعوا ذلك لأسباب تتعلّق بالرّاوي، بعد مهاجمته للنظام السياسي في السودان بزعامة عمر البشير في مقال نشره بمجلة “المجلة” السعودية.

جاء في مقاله حينها: من أَين جاء هؤلاء الناس؟ أَما أَرضعتهم الأمهات والعمّات والخالات؟ أَما أَصغوا للرياح تهبُّ من الشمال والجنوب؟ أما رأوا بروق الصعيد تشيل وتحط؟ أما شافوا القمح ينمو في الحقول وسبائط التمر مثقلةً فوق هامات النخيل؟ … أما سمعوا الأصوات القديمة، وأحسُّوا الأشواق القديمة، ألا يحبّون الوطن كما نحبّه؟ إذن، لماذا يحبّونه وكأنّهم يكرهونه، ويعملون على إعماره وكأنّهم مسخّرون لخرابه؟

وقال أيضاً: نهر النيل الصبور يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم. “السادة” الجدد لا يسمعون، ولا يفهمون. يظنّون أنّهم وجدوا مفاتيح المستقبل. يعرفون الحلول. موقنون من كل شيء. يزحمون شاشات التلفزيون وميكرفونات الإذاعة. يقولون كلاماً ميِّتاً في بلدٍ حيٍّ في حقيقته، ولكنّهم يريدون قتله حتى يستتب الأمن.

أنهى الطيب مقالته بالسؤالين: من أين جاء هؤلاء الناس؟ بل من هم هؤلاء النّاس؟

استغلت المعارضة بالبلد حينئذ هذه المقالة، وهو ما ألّب عليه النظام، رغم أنه لم يكن يساريًّا وفق الكثيرين.

في آخر زمانه تحسّنت علاقته بالنظام القائم في السّودان.

روائيّ كبيرٌ… ومتواضع!

رغم عبقريته الروائيّة والقصصية الفذّة، تميّز الطيب صالح بالتّواضع وأنفة أهل السّودان.

يقول الطيب صالح في إحدى مداخلاته: “إني لا أستحق… صدقوني إنني أتمنى ذلك؛ لأنه ليس تواضعاً مزيفاً بل هو إحساس صادق، وإنني لأدهش حين يطلب مني النّاس أن أتحدث لأني لا أجد شيئاً جديداً أقوله. لقد كتبت أشياء لكن لا أحس بأن لي حكمة أمتاز بها عن بقية خلق الله”.

يستطردُ: “عشت في بيئة في قرية من قرى شمال السودان. كنت أظن كل الناس أكثر حكمة مني. أهلي… أعمامي، أخوالي، أبناء عمي. نحن ننتمي إلى بيئة زراعية وجزء من أهلي رجال دين وعلم. ظللت أحس هذا وأنا أتعلم هذا التعليم المدني، ففي كل زيارة لأهلي أشعر والله أن أي مزارع في هذا البلد أكثر حكمة مني. ولذلك ظللت أسير في الدنيا بهذا الإحساس”.

لمّا نبغ في السّودانيين روائيّ من عيار الطّيب صالح يركّز على هوامشِ الشمال، الذي كان مغيّباً عن الكتابة، بلغة بليغة وتصويرية، كان الضوء قد بدأ يشع حوله، وينيرُ أعماله. وكان هو، عن تواضع جمّ، يستغربُ هذا الاحتفاء. ويكاد ينكره. وكان الذين يرون هذا الجانب فيه يدركون أن الطيب لا يرفض هذا الاحتفاء عن عدم ثقة؛ ولكن… عن أصالة. بل وعن إيمان الفنان فيه بأنّ دورته الفنيّة لم تكتمل، وأنه لم يعطِ بعد كُلّ ما يريد. [3]

توقّف عن الكتابة الأدبية في زمن ما، لكنّه لم يتوقّف عن الكتابة وظلّ يكتبُ صفحة في مجلة عربية تصدر في لندن بعنوان مجلة “المجلة”. كانت كتابته تندرج، في مجملها، ضمن خانة الصحافة الأدبيّة.

هكذا… حافظَ الطيب صالح على تواضعه وهدوئه حتى ترجّل عن صهوة الكتابة والحياة في 18 فبراير من عام 2009. توفي في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن حيث كان يقيم، وذلك عن عمر يناهز الثمانين عاماً.

في الجزء الثاني، نقدّم شهادات حصريّة لمرايانا، نستقيها في ذكراه التي تصادف 18 من هذا الشهر.

هوامش:

[1]كتاب: الطيب صالح .. عبقري الرواية العربية، مجموعة من النقاد، دار العودة، بيروت.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *