×
×

Glovo ،Jumia ،JumiaFood… عمال التوصيل: الاستعباد الرّقمي لليد العاملة؟

عمال توصيل الطلبات، هم مستخدمون تابعون للمنصات الرقمية التي يشتغلون لحسابها، بكل ما يحمله التعريف القانوني من معنى العمل لحساب مؤسسة ما.لهذا، يتعين تعيينهم وتسوية وضعيتهم القانونية بعقود عمل مناسبة.
… يوم الأربعاء 8 دجنبر 2021، أطلقت المفوضية الأوروبية حزمة عمل وإجراءات، غيرت بموجبها مصير العمال في هذا القطاع داخل دول الاتحاد الأوربي.

قطاع يشغل، داخل دول الاتحاد، ما يناهز الــ 1.5 مليون شخص، يعملون اليوم لصالح عمالقة مثل Glovo و JustEat و Deliveroo و UberEats.

عمالقة… استغلوا، طيلة سنوات، فجوات قانونية وانعدام الاهتمام لدى المشرع الأوربي، ليمارسوا أبشع أنواع الاستغلال ضد فئات هشة، أبرزها فاقدو العمل والشباب والمهاجرون، ليرغموهم على العمل في ظروف غير إنسانية، وفي غياب أية ضمانات قانونية، وبساعات عمل غير محددة.

تلك وضعية عمال توصيل الطلبات في الاتحاد الأوروبي… وضعية، دفعت المشرعين في بروكسيل، تحت ضغط النقابات والعمال، للتعامل مع ملف حارق، لا تجد له مرايانا غير توصيف واحد: “الاستعباد الرقمي لليد العاملة”، لكن…
ماذا عن تفاصيل الحكاية في نسختها المغربية؟
ماذا عن حكاية الاستعباد الرقمي لليد العاملة في المغرب؟

مرايانا اختارت عمّالاً بإحدى هذه الشّركات في المغرب، ورافقت بعضا من رحلتهم، وهم يحاولون توصيل طلبية لم تدرجها الشّركة، أصلاً، في قائمة خدماتها.

نتحدّث، هُنا، عن… طلبيّة حقوق العاملين.

… “الجميل في العمل مع غلوفو أننا لا نخافُ من سرقة أموالنا أو النصب علينا من طرف الشّركة. نجني نظير ما نستحقّ وما قمنا به. لكنّ… هذا لا يكفِي لجعلنا نسكُت عن الجرائم الاجتماعية التي تُرتكبُ في حقّنا من طرَف هذا الشريك، الذي هو في العُمق مُشغّل”، يقول عدنان (24 سنة)، وهو أحد المُشتغلين مع شركة غلوفو للتّوصيل، قابلتهُ مرايانا أمام محطّة القطار أكدال بالرّباط.

غلوفو… أيّة مشاكل؟ 

التقت مرايانا عدّة مشتغلين في مجال التّوصيل، خصوصاً في حمريّة بمكناس وأكدال بالرّباط. كلّهم يجمعون على أنّ المشاكل التي يعيشونها متعدّدة، وينتظرون من الشركة البدء في التعامل معها وإيجاد حلول لها.

سليمان، 29 سنة، يشتغلُ في مدينة الرباط، يصرّح لمرايانا أنّ أخطر مُشكِل يعيشهُ، هو وزملاؤه، هو الفراغ القانوني الذي يشتغلون داخله. يقول متحسّراً: “إننا نتقدّم للاشتغال في إطار “مقاول ذاتي”، وهذا هو عصبُ المشكل، فالشّركة لا تتعامل معنا كمشتغلين، بل كمقاولين نؤدّي لها مهامًّا بالتفويض، وهذه المهام تخلو من أية مسْألة اجتماعيّة. نحنُ لا نتوفّر على التّقاعد مثلاً ولا على الضّمان الاجتماعيّ ولا على التأمين من طرف الشّركة، كلّ ما نملكه هو تأمين الدّراجة النارية”.

يضيفُ سليمان أنّه، “إذا أردنا تأدية مصاريف الضمان الاجتماعي كمقاولين، فإن ذلك، سيكون بالضرورة، على حساب الرّبح الزهيد الذي نجنيه؛ لأن المدخول اليومي متذبذب حسب الطلب، ووفق القدرة على الاشتغال لمدّة طويلة، نظراً لكون ساعات الشغل غير المحدّدة تطرحُ أيضاً مشكلاً. نحن من نختار كم من الوقت سنشتغل. أصل الحكاية هنا، أن الذي يريد أن يربح أكثر، ينبغي أن يشتغل لساعات أكثر، حتى لو تطلّب ذلك تعريض سلامته للخَطر مثلاً. الشركة لا يهمّها أننا نعيل عائلاتنا، يهمّها مدخولها هي، حصراً، ولن تهتمّ إن حدثَ لنا مكْروه أثناء تأدية خدمَاتنا”.

زميله يوسُف من مكناس (31 سنة)، يشرحُ لمرايانا أنّ “الدراجة النارية ملكه، وهي بالضرورة ملكٌ لكلّ المشتغلين في غلوفو أو جوميا أو جوميا فود أو أي شركة متخصصة في توصيل الطلبيات للزبائن. هؤلاء المشتغلون لا يمكنهم التفكير في العمل لدى المؤسسة، إن لم يكونوا متوفرين على الدراجة التي تضمن لهم العمل، والتي يجب أن تظل في حالة جيدة، بعيدة عن التلف والأعطال… يقول مضيفاً: “اشتريناها بعرق جبيننا وليستْ مهداة لنا أو مقدمة من طرف الشركة. أيضاً، نحنُ من نُؤدي ثمن صبيب الأنترنيت لمواكبة التّطبيق الهاتفي لتوصيل الطّلبات للزبناء أينما كانوا، وأحيانا تكون المسافة المقطُوعة جدّ طويلة، تستهلكُ وقوداً أكثر مما سنجنيه من عملية توصيل تلك الطّلبيّة”.

عادل من مراكش يعضّد ذات الطرح قائلاً لمرايانا: “نشتغلُ في جوّ متواصل من المغامرة، إذ لا بدّ أن نحمل الهاتف لتتبّع مسار الطّريق عبر تقنية الـGPS، وهو ما يعرّضنا لمخاطر مُضاعفة من الاصطِدام في حوادثِ سير، لأن الطرق بمراكش تكون مكتظّة. نضطر إلى مراوغات ماراطونية أحياناً، لكي لا نتأخر أو نتجاوز الوقت المفروض، حتى لا ينزعج الزبون. لنا صديقٌ يعاني من كسُور على مستَوى القدَم، ولن يجد أمامه، طبعًا، سوى متابعة تعويضات التأمين، أما الشّركة… فشيء من ذلك ليس في حساباتها أصلاً”.

من جهة أخرى، يعبّر آدم، الذي التقته مرايانا وسط المدينة بالرباط، عن تذمّره الشّديد من أوضاع الخوف اليومي التي يعيشُها هو وزملاؤه جرّاء تفشّي محاولات السّرقة في حقّ العاملين في التوصيل. “يوميًّا، يصيبك شكّ في أنّ اللّصوص خلفك. نشتغل في ظروف نفسية فظيعة، تؤثر على عملنا. وقد تدفعنا إلى العدول عن توصيل طلبية ما إلى مكان معيّن نظراً لخطورة الطّريق. وهو ما يؤدي إلى نزول رصِيد النّقط الخاصّ بنا في التّطبيق، وتتراجع أرباحنا”.

لكنّ إحدى هذه الشركات المعروفة، ومنذ بدايتها بالمغرب، عبّرت على أنّ العقد الذي يربطها بهؤلاء العمال قانوني، ويتم في إطار الإجراءات الجاري بها العمل؛ وأنّ هؤلاء “المقاولين الذاتيين” يوقّعون العقدَ بالتّراضي. كما أن الشّركة كشَفت أنّ الطّلبات التي تتلقّاها من هؤلاء المقَاولين كثيرة جداً، ويتمّ انتقاء البعض منهم بعناية ويجري تكوينهم في مجال التوصيل واستخدام التطبيق واحترام قانون السير… ويكونون راضين عن ذلك، بما أنّ العقد شريعة المتعاقدين.

تحايُل… على القانون؟ 

“يطلبون منك توقيع عقد شراكة بينك كمقاول وبين شركة غلوفو، ولا أحد منا إطلاقاً يشتغلُ كموظّف في الشّركة. نضع معه نسخة من بطاقة التعريف الوطنية ونسخة من السّجل العدلي، ونصبح مسؤولين عن أنفسنا في تأدية مهام الشّركة. في حالة ضياع الطلبية أو أي شيء خاص بالشركة، نكون مطالبين، طبقا للعقد، بتعويضه”، يقول أيمن، أحد المشتغلين في التّوصيل بفاس، في تواصله مع مرايانا.

في تعليق له على وضع العاملين بشركات من قبيل غلوفو وجوميا وجوميا فود وغيرها، قال يونس فراشين، عضو المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، إن الأمر قانونيّ ظاهرياً؛ لكنّه في العمق تحايل على القانون، واستغلال غير مشروع لمبادرة قامت بها الدّولة لسد بعض ثغرات البطالة وتشجيع المقاولة الفردية في إطار ما يعرفُ بالمقاولة الذّاتية.

“هذه الشّركات، للأسف، ومعها مقاولات عمومية أيضاً، دخلت على هذا الخط لكي تستنزف اليد العامِلة المغربية، دون إشراكها للعاملين كموظفّين لديها، عليهم مجموعة من الالتزامات والشروط، ولديهم مجموعة من الحقوق التي يفرضها قانون الشّغل المغربي”، يضيفُ فراشين.

وفق ما أفاده النقابيّ لمرايانا، فإنّ الأمر يتعلق برغبة صريحة في التهرّب من أداء الواجبات الاجتماعية la fraude sociale، والذي لا يَقلّ خطُورة عن التّهرب الضّريبيّ، لأن أولئِك العامِلين لهم عائلاتٌ، وينبغي للمشغّل توفير الحِماية القانُونية والاجتماعيّة لهم. لقد سمحَ نظام المقاولة الذاتية للجشع الرأسماليّ باستِغلال هذه المُبادرة الجميلة أسوأ استغلال، وضَرب المُكتسبات الاجتماعيّة التي ناضَلت من أجلها النّقابات والحَركة الحقوقيّة لزمن طويل”.

لذلك، “الموضوع اليوم في يد الحكومة التي عليها إعادة ضبط القانون وقطع الطريق على مِثل هذه الممارسات التي تنتَهك كَرامة اليد العاملة المغربيّة. والعلاقة بين أجير ومشغّل يجبُ أن تبقى في ظلّ القانون لتحديد الحقوق والواجبات المعروفة والمعمول بها”.

المفروض في مدوّنة الشّغل، يقول المتحدّث، أن تحمي الشغّيلة. لكنّ المقاولات لها، في العادة، طرقها للتّهرب من أداء واجباتها في مجال الضّمان الاجتماعي، والعمل على إذلال العاملين وتعريضهم للخطر، والتنصل من كل ماله علاقة بحقوقهم.

يحيلنا هذا الموضوع على “شعار الدّولة الاجتماعية” المرفوع اليوم من طرف الحُكومة، ويدفعنا إلى التأكيد على أنّ من مرتكزات هذا الشكل من الدّولة، هو توفير فُرص الشّغل الكافيّة لكافة المواطنات والمواطنين. وهذه الأشكال من العمل الهشّ، التي تنهجُها الشّركات المُشتَغلة مع “مقاوِلين ذاتيين” في ظلّ ما يسمّى بالتّدبير المفوّض، تحتاجُ إلى تدخّل الحُكومة لإعادة النّظر في هذا الاستغلال، لتهيئة الشّروط الحقِيقية للدّولة الاجتماعية“، يجملُ فراشين حديثه لمرايانا.

أخيراً، يبدو أن هؤلاء المشتغلين في التّوصيل يتعاملون مع الملايين بالمغرب في شتى المدن الكبرى… يحملون الطلبيات في ذلك الصّندوق الملون الذي يحرصون عليه وعلى ما بداخله. لكنهم، في المقابل، يحملون طَلباتٍ مشرُوعة إلى الشّركة، لا يبدو أصلا أنها تريد التّوصل بها.

فهل ستستجيب هذه الشّركات؟ وهل ستدخل الدولة على الخطّ لسدّ هذه “الثّغرة القانونية” وحماية حقوق العاملين في هذا القطاع، وهم بالمئات اليوم، إن لم نقل بالآلاف؟

وهل غلوفو، وجوميا وجوميا فود وغيرها، ساهمت في الحدّ من البطالة فعلاً، وكثير من الشباب راضون في عملهم… أم أنّ الشهادات التي توصّلت إليها مرايانا تظلّ بمثابة شرخ حقيقيّ في الموضوع؟

أسئلة وأخرى تبقى معلّقة إلى أن تجد… إجاباتٍ شافية!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *