×
×

العدالة الضريبيبة في المَغرب: أو حين يتعثرُ الحديثُ عن عدالة غير موجودة! 1\2

المغرب هو دولة تضريبٍ بامتياز، فمنذ القدم وهي لديها تجربة طويلة في الأنظِمة الجِبائية وجمع الضّرائب من القطاعات الاقتصادية، بحكم أنه ليست للمغرب موارد أخرى من أجل تمويل الخدَمات الاجتماعية أو أجور الموظفين العموميين والمؤسسات السّياسية. بالتالي، الحاجة إلى تمويل هاته القطاعات، دفعت المغرب إلى فرض الضّريبة…

الأكيد اليوم أن هُناك إجماعاً وطنياً على أنّ النّظام الضّريبي في المغرب غير عادل. ولنقل بشكل دقيق، هو نظام غير متوازن، بسبب عديدِ الاختلالات التي تميزه، والتي تم الحديث عنها بإسهاب في خضم المناظرة الوطنية الثالثة للجبايات، التي عقدت سنة 2019.

مع ذلك، من المتدخلين في هذا الملف من يقول إنّ مسألة العدالة الضّريبية المطلقة لا يمكِن بلوغها، نظرا لكون الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية تتغير بتغيّر الأزمنة، كما تتغير التوازنات المالية للدّول.

بالتّالي، فإذا كانَت الضّريبة تضمنُ عوائد للدّول، فيجب أن نعلم أنّه يتم اللّجوء إلى رفع الضّرائب أو إعادة تقييم النظام الضريبي من أجل إعادة التّوازن للنّظام المَالي للدّولة.

لكن النقطة الحاسمة في هذا الملف، بالنسبة لمرايانا، هي: أين يكمن، بالضّبط، انعدام العدالة الضريبية بالمغرب؟

المشهد الضّريبي المغربي

يذهب رشيد أوراز، المحلل الاقتصادي والباحث في المعهد المغربي لتحليل السياسات، إلى أنّ المغرب هو دولة تضريبٍ بامتياز، فمنذ القدم وهي لديها تجربة طويلة في الأنظِمة الجِبائية وجمع الضّرائب من القطاعات الاقتصادية، بحكم أنه ليست للمغرب موارد أخرى من أجل تمويل الخدَمات الاجتماعية أو أجور الموظفين العموميين والمؤسسات السّياسية. بالتالي، الحاجة إلى تمويل هاته القطاعات، دفعت المغرب إلى فرض الضّريبة.

إلاّ أنّ هذا التّاريخ، بحسب ما أفاد أوراز لمرايانا، ساهم في تراكم أنظمة ضريبية مختلفة، حاولت الدولة إصلاحها خلال السّنوات الأخيرة والعقود الأخيرة، من خلال توحيد أنظمة التّضريب على الاستِهلاك وعلى الإنتاج والأرباح والعَمل، غير أنّها فشلت في ذلك.

أسباب هذا الفَشل ترجع، يردف المتحدث، إلى كَون النشاط الاقتصادي المغربي لم يصل بعدُ إلى مرتبة يكون فيها قادراً على تحقيق أرباح مهمة، وفي نفس الوقت، تمكِّن من دفع ضرائب للدّولة. كما يلعب التّهرب الضّريبي والتّحايل دوراً أساسياً في هذا الفَشل.

الدّولة أيضا لا تفي دائماً بالتزاماتها حين يتعلق الأمر بالمقابل الذي يقدم كمقابل للضرائب، وهو ما يجعلنا أمام اختلال من جهتين: الدّولة ودافعي الضّرائب.

يمكن القول إن الاقتِصاد في المَغرب هجين، والنّظام الضّريبي، بالتّبعية، هجين أيضاً؛ لأنه ليس فيه ما يكفي من الشفافية، ولا تتوفر فيه أيضاً معايير العدالة الضريبية كما هو معروف في الاقتصادات المتقدّمة، هو، عن جدارة… ينتَمي إلى الدول النامية، حينما يتعلق الأمر بالضرائب على وجه الخصوص، يجمل أوراز حديثه لمرايانا.

من جهة أخرى، يرى الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي أنّ تحليل النظام الجبائي المغربي من ناحية العدالة والإنصاف بين الملزمين، لا يمكن أن يتمّ دون التمييز بين الإنصاف الأفقي L’équité horizontal والإنصاف العمودي L’équité vertical.

في الأول، تكون نسبة الدخل تساوي نسبة الضّريبة. وفي الثاني تكون ثمّة علاقة وطيدة بمفهوم الضّريبة، كفاعل في تقليص الفوارق الاجتماعية من حيث المداخيل.

يوضح أقصبي، بأنه، أيضاً، يمكن الاعتماد على معيار المُستوى Le niveau، لقياس الضغط الجبائي، الذي يساعد، بدوره، في تبيان مستوى النظام الضريبي لأي بلد… وهذه العملية تتم بقسمة مداخيل الضّرائب كلها، على الناتج الداخلي الخام.

بالتدقيق، فمردودية الضغط الجبائي في المغرب، منذ 40 سنة، ظلّت تترّنح حول نسبة 20%، تدنو بنسبتين أحيانا وتتعداها أحياناً أخرى… بهذه النسبة، لا يكون مستوى الجبايات بالمغرب مرتفعاً للغاية، وكذلك ليس منخفضاً تماماً. ولعله مستوى معدّل جل الدّول النامية.

أما المعيار الآخر المتعلق بالبنية La structure، فاعتماده يقتضي نظرة شمولية حول كيفية تقسيم الضرائب المباشرة والأخرى غير المباشرة.

الضرائب المباشرة تتعلق بتلك التي تُؤدى على الدخل أو الأرباح أو رأس المال، أي الدفع حسب الدخل. بينما الضرائب غير المباشرة هي التي تُدفع دون إدراك أنها دُفعت، بمعنى أنها متضمّنة في قلبِ المنتجات، على غرار الضريبة على القيمة المضافة أو الحقوق الجمركية…

البنية في النّظام الجِبائي المغربي، بحسب قانون مالية 2021، تشير إلى أنّ الضرائب المباشرة تمثل ما يناهز 38% من المداخيل الضريبية للدولة؛ بينما الضرائب غير المباشرة تمثل حوالي 62%، وهذا معناه أن الثانية لازالت تهيمن على العوائد الضريبية في المملكة، يقول أقصبي.

الحال أنّ الضرائب غير المباشرة، هي في الأصل غير منصفة، لسبب بسيط أنها توصف في القاموس الاقتصادي بالضّرائب العمياء، أي المندمجة في المُشتريات. ولا تستثني أحداً، لا الغنيّ ولا الفقِير. ومن الواجب التذكير أنّ جل المواد الأساسية تخضع للضريبة على القيمة المضافة.

المعدل العادي Le taux commun لهذه الضريبة في المنتجات في المغرب هو 20%، وهي نسبة مرتفعة بالنظر إلى النماذج الدولية…

لكن… هل الضرائب المباشرة بالمغرب خارج وصف “الحيف”؟

الضرائب المباشرة… هل هي عادلة؟

ما تسجّله مرايانا في هذا الملف، أنّ انعدام العدالة الضريبية لا يتعلق بالضرائب غير المباشرة فحسب، بل حتى المباشرة التي يفترض أنها منصفة، لأنها واضحة ومعلومة النّسبة… كيف ذلك؟

الضريبة المباشرة تشمل الضريبة على الدخل والضريبة على الشّركات، فالأولى تعني الأشخاص الذاتيين والثانية تتعلق بالأشخاص المعنويين (الشركات مثلا).

الضّريبة على الدّخل نِسبتُها من حيثُ المَداخيل الجبائية في البلد، تبلغُ الخُمس، أي حوالي 19%. لكن هذه النّسبة فيها حيفٌ كبير، بالنظر إلى الفئات المعنية بها، وفق نجيب أقصبي.

بالأساس، تؤدّى الضريبة على الدخل مقابل مداخيل متنوعة ومتعددة. بحسب ما قاله المحلل الاقتصادي الطّيب أعيس لمرايانا، فهناك خمسة أصناف من المداخيل الخاضعة للضّريبة على الدخل، وهي الأجور والمداخيل المهنية (التجار والمهن الحرة) والمداخيل العقارية والمداخيل المالية والمداخيل الفلاحية.

للوقوف على علامات الحيف في هذا الجانب، ينبغي أن نقف على مساهمة كلّ صِنف في العائِدات الضّريبية.

نجيب أقصبي يحاول التفصيل في الكشف عن كون الأجور المقتطعة من المَنبع تساهم بـ75% من مداخِيل الضّريبة على الدّخل.

ثمّ المَداخِيل المِهنية تساهم بـ5%، والتي تتضمن بدورها انعداماً للعدالة الضّريبية، لكون 60% منهم لا يدفع: إمّا لا يصرّح الملزم بالدّخل أو يُصرحُ بمداخيل غير خاضِعة للحدّ الأدنى للتّضريب. كما تُساهم المداخيل العقارية بـ11%، وتبقى نسبة بين 4% و5%  للمداخيل المالية.

لكنّ نسبة مساهمة الفلاحة هي 0%، لأنها لازالت معفية، رغم بعض الاستثناءات التي تدفع الضريبة، ولكنها غير دالة، إحصائياً، في عملية حساب عائدات الضّرائب، يقول أقصبي.

يبدو هنا أنّ “الثّقل يسقُط على المأجُورين. وأن أسعار التّضريب تصاعدية وتنازلية في نفس الوقت؛ فإذا ارتفع الدخل ارتفعت نسبة الضّريبة. في نفسِ الوَقت، فإن الملزمين الذين تقل مداخيلهم عن 30 ألف درهم سنويا، تكون مداخيلهم معفيّة تلقائياً من الضّرائب”.

هذه التصاعدية التنازلية La progressivité régressive في المغرب، تجعل الضرائب ترتفع بشكل صاروخي، حتى لو كانت المداخيل لا تزال متدنية. كمثال على ذلك، فإنّ الذي يتعدى الحد الأدنى للتضريب (30 ألف درهم)، بألف درهم، سيدفع نسبة 10% كضريبة، وكلّما زادت النسبة تزداد الضّريبة بشَكل مجحِف للمُلزمين في غالب الأحيان، لكون المداخيل لا تزال مُنخفضة.

المشكل، هنا، حسب المتحدث، أنه بمجرد أن تصل المداخيل إلى مستوى مهم يستَحقّ التّضريب، تقفُ النسبة التّصاعدية عند 38%، ويصبح من له ملياري درهم من المداخيل السنوية، مثل من لديه 100 ألف درهم. كما أن نسبة التضريب في نطاق العقار منحصرة في 20% وعند 15% في مجال المعاملات المالية… هذه التّصاعدية، بكلّ تأكيد، تضغَط بثِقلها على الفئات المتوسّطة والضّعيفة.

هذا يوضح أنّه في المغرب، تم تكريس الفوارق الاجتماعية حتى على مستوى الضّريبة، لأن النظام الضريبي المغربي أفرغ مفهوم الضريبة على الدّخل من مَعناه ورُوحه التي ظهر بها في الولايات المتحدة الأمريكية وكذلك أوروبا.

في الجزء الثاني، سنعاين ضلوع التهرب الضريبي في نسف العدالة الجبائية بالمغرب.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *