×
×

الباحثة التونسية نائلة السليني عن “اغتيالٌ في المسجد” لهالة وردي: ما قدّمه الكتاب إنّما هي روايات تروق للذوق الفرنسي

تواصل الباحثة التونسية نائلة السليني قراءتها النقدية لكتاب هالة وردي: اغتيال في المسجد.
في هذا الجزء الثاني، تقول الباحثة: “ما قدّمه الكتاب إنّما هي روايات يروق للذوق الفرنسي أن يقرأها. فإذا بعمر شخصية روائية حيكت على نمط شخصية دون كيشوت أو هو ملك اختلطت في رسمه صور كثيرة مركّبة تركيبا : فأنت ترى فيه حينا Henri III، لكنها صورة تتغذّى من Henri II وتختلط هذه الصورة حينا آخر ببعض ملوك فرنسا مثل Louis IV. وإذا بالشبق يتصارع مع الكفر ليهزمهما الطموح السياسي وحبّ السلطان. وما أن تطمئنّ إلى هذه الخلطة العجيبة، حتى تغمرها صورة أخرى جلبتها لك الذاكرة من تاريخ ملوك روما فإذا بعمر يحاكي Jules César .. وإذا بأبي لؤلؤة هو Brutus (…) تلك هي صورة عمر كما نقلها لنا كتاب “اغتيال في المسجد”. صورة تتحاشى المواجهة وتتبرّأ من كلّ مسؤولية لتحوّل عمر إلى بطل روائي أرعن مريض يعاني من داء الشيخوخة…”

نائلة السليني
نائلة السليني، أستاذة بجامعة سوسة ورئيسة وحدة البحث في موضوع مدونات الأحوال الشخصية، تونس

أنطلق من إشارتين تاريخيتين:

1.  من ضمن الطعون على عمر بن الخطاب طعن وقف عنده المؤرخون بالتحليل والنقد حينا والدفاع عن عمر حينا آخر: عندما بلغ عمر خبر موت الرسول، أنكر ذلك قائلا: “إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعن رسول الله صلى الله”.

تذكر كتب الأخبار أنّ عمر كاد يرتدّ عن دينه لولا أبا بكر عندما رجّه بقولته: “من كان يؤمن بمحمد فمحمد قد مات، ومن كان يؤمن بالله فإنّ الله حيّ لا يموت”.

ذكرنا هذا الخبر لأنّه يخفي رؤية عمرية في الإيمان تختلف على الأقلّ عن جمع هامّ من الصحابة: فعمر يقارن نبوة محمد بالأنبياء السابقين. بل كان يقرأ نبوّة محمّد من خلال آية كان لها دور في أن يصعق الرجل لموت نبي، وهي قوله: “هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ”، التوبة 9/ 33. ولا شكّ في أنّ عمر، حتى وإن تراجع ورضي بموت النبيّ، فإنّه يحمل في إيمانه أنّ الإسلام دين ناسخ لجميع الديانات السابقة له. لذا، فحتما لن تكون نبوة محمّد سوى آخر النبوات، وكلّ من على الأرض هو مسلم.

لن نقف طيلة خلافة عمر على خبر وإن كان عابرا، إلى أنّ الرجل مازال يفكّر في طبيعة عقيدته. لكن، سنعيش أحداثا تخبرنا أنّ للرجل مشروعا هو غير ما سار عليه أبو بكر.

2. خلّد التاريخ لعمر “فتوحات” كثيرة… لكن، يستوقفنا منها فتح بيت المقدس.

يقدّم ابن خلدون تلخيصا تاريخيا واضحا لقصّة الصخرة مع الديانات الثلاث: “ثمّ بنوا بإزاء القمامة بيت لحم، وهو البيت الذي ولد فيه عيسى عليه السلام، وبقي الأمر كذلك إلى أن جاء الإسلام والفتح، وحضر عمر لفتح بيت المقدس، وسأل عن الصخرة فأري مكانها وقد علاها الزبل والتراب، فكشف عنها وبنى عليها مسجداً على طريق البداوة. وعظم من شأنه ما أذن الله من تعظيمه، وما سبق من أم الكتاب في فضله حسبما ثبت. ثم احتفل الوليد بن عبد الملك في تشييد مسجده، على سنن مساجد الإسلام بما شاء الله من الاحتفال، كما فعل في المسجد الحرام وفي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وفي مسجد دمشق، وكانت العرب تسميه بلاط الوليد. وألزم ملك الروم أن يبعث الفعلة والمال لبناء هذه المساجد، وأن ينمقوها بالفسيفساء فأطاع لذلك وتم بناؤها على ما اقترحه.

ثم لما ضعف أمر الخلافة أعوام الخمسمائة من الهجرة في آخرها، وكانت في ملكة العبيديين خلفاء القاهرة من الشيعة واختل أمرهم، زحف الفرنجة إلى بيت المقدس، فملكوه وملكوا معه عامة ثغور الشام؛ وبنوا على الصخرة المقدسة منه كنيسة كانوا يعظمونها ويفتخرون ببنائها، حتى إذا استقل صلاح الدين ابن أيوب الكردي بملك مصر والشام، ومحا أثر العبيديين وبدعهم، زحف إلى الشام وجاهد من كان به من الفرنجة، حتى غلبهم على بيت المقدس، وعلى ما كانوا ملكوه من ثغور الشام؛ وذلك لنحو ثمانين وخمسائة من الهجرة. وهدم تلك الكنيسة وأظهر الصخرة وبنى المسجد على النحو الذي هو عليه اليوم لهذا العهد ( أي في حدود سنة 799 هـ).” المقدمة ج1، ص199.

تلك هي أهمّ المراحل التاريخية التي مرّ بها بيت المقدس. ولسائل أن يتساءل عن جدوى هذا التقديم التاريخي؟ وعن علاقته بهذا الكتاب، خاصّة أنّه لم يقف عند هذه الأحداث؟

في الواقع، نحن نقترح فرضية بحث في مسألة بات يقينا عندنا أنّه شوّهت في هذا الكتاب، وحادت عن التحليل الموضوعي الذي يفترض أن يقوم على سند تاريخي، ولا يعنينا إن كان سندا سنيّا أو شيعيّا، بما أننا نخضع الروايات للنظر التطبيقي، وحتما ستصرّح بما هو مكتوم.

الكتاب أعلن منذ البداية أنه يروم الجواب عن سؤال حائر: لماذا قتل عمر؟ وفي المسجد؟ وعلى يد نصراني؟ وهو قائم للصلاة وأمام أعين المصلّين؟؟

في الحقيقة، وجدنا إشارات حائرة ومتردّدة. طبعا، نحن ندرك أنّ المسألة تاريخية ومتجذّرة في صلب المظنون. لكن، لا يبلغ بنا الظنّ إلى أن نحيد عن سياق التاريخية لنرتمي محتمين بالرواية والقصّة، إن لم نقل نرتمي في أحضان “تمييع القضية”؛ فنحن نواجه لحظة تاريخية حاسمة وقاطعة… لحظة أنزلت ستارا حديديا على ما اعتبر الفترة التأسيسية منذ بداية الوحي إلى الهجرة 1 ثمّ الهجرة 2؛ انتقالا إلى اجتماع المسلمين حول الرسول، وما أرساه من دستور المدينة في علاقة المسلمين مع بعضهم بعضا، على أساس السابقة في الدين والقرابة وتجمعهم علاقات مع الطلقاء والمؤلفة قلوبهم؛ فارتسمت بنيةٌ لدار الإسلام مخصوصة. هذا من جهة، ومن جهة ثانية نشأت علاقة بين نويات دينية أخرى جُمِعت تحت راية دار العهد، وانتظمت علاقات بين المسلم “صاحب الدار” واليهود والنصاري “أهل ذمّة” ينشدون الأمان وبمقابل ليس بالهين.

كما لا يفوتنا التذكير بحال الضعف والتردّد التي ميزت المسلمين في أواخر حياة الرسول، فارتدت قبائل كثيرة على الأطراف، الأمر الذي دفع بأبي بكر طيلة سنوات خلافته الثلاث أن يقتصر حكمه على محاربة أهل الردّة ومانعي الزكاة

ولا يفوتنا التنبيه أيضا إلى رمزية مصطلح مانعي الزكاة وما كان يعبّر عنه من تكافؤ الصحابة في جهة العلم والمعرفة بالنصّ، وطعن بعضهم في شرعية خلافة أبي بكر الرسول، وقرأوا الآية 103 من سورة التوبة 9: “خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ”. استنادا إلى وضعهم السياسي، اعتبروا الآية خاصّة بالرسول ولا تحمل حكما عامّا.

أدرك أبو بكر وعمر ما يضمره الرافضون لدفع الزكاة، فألحقا كلّ رافض بالمرتدين، وإن نعتوا بـ “مانعي الزكاة”. وذلك “بالرغم من أنّهم يؤمنون بالله ورسوله ولكنّهم ينكرون خلافة أبي بكر”!!!

هذا فيض من غيض لما تميزت به الأحداث بين سنتي 11هـ و13 هـ. وفي أتون هذه الأحداث تولّى عمر الخلافة:

مفهوم الإسلام اكتسب تعريفاً متميّزا. وهو تعريف تداخل فيه معنى الطّاعة بالتّذلّل والإذعان، وإن كان المسلم أذعن لإرادة الله، فإنّ الكتابيّ حُمِل على الإذعان لسيادة المسلم عليه، وقد جسّمه في قدر ماليّ قارّ يدفعه «صاغراً»، بحثاً عن شرعيّة انتمائه إلى دار «الإسلام». وإن حمل على ذلك، فلأنّ صلاح معاشه لصيق بأرضه.

أقرّ عمر بحرمة مكّة والمدينة واليمامة واليمن على أهل الذمة، وأن لا يدفنوا فيها ويناموا بها. ونظنّ أنّ مثل هذا الحكم لقي معارضة من المسلمين من خارج هذه البلدان، وحتّى من قبل الكتابيين، ولا سيما منهم يهود المدينة، وقد أجلوا عن مواطنهم، ونصارى اليمن ويهودهم.

وأعتقد أنّ البحث في أحد الأسباب التي دفعت بأبي لؤلؤة النصراني إلى قتل عمر، يقتضي من الباحث أن يقلّب هذه المسألة من جوانبها الإيمانية والعرقية والاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية.

تظلّ الإجابة رهينة النظر إن كان المسلمون واصلوا العمل بتحريم هذه الأمصار على غير المسلمين بعد قتل عمر، لا يبيتون فيها، ولا يمتلكون عقّاراً، ولا في أراضيها يدفنون؟ أم هل خضعت هذه الأحكام لتحوّلات المجتمعات الإسلاميّة، ولا سيّما بعد أن توافر للمسلمين نتيجة “الفتوحات” من سَبْيٍ أقرّ ببقاء المسبيّ على دينه على الرغم من استرقاقه؛ فكان أن عزّ عليهم تطبيق هذه الأحكام لما فيها من اضطراب يلحق ممتلكاتهم نتيجة انعدام الاستقرار…

لا تفيدنا مصنّفات التفسير ولا حتّى الفقه بجواب شافٍ عن المسألة. وإن كنّا بين الحين والآخر نعثر في غضون التّفاسير على إشارات عابرة لا تخصّ هذه المدن بعينها؛ كأن يروي الطبري أنّ عمر بن عبد العزيز كتب: “أن امنعوا اليهود والنّصارى من دخول مساجد المسلمين”. وأتبع في نهيه قول الله “إنّما المشركون نجس” الطبري، جامع البيان، ج6، ص 345.

نحن واعون أنّ المسألة في غاية التعقيد، وواعون أنّ النصوص لن تبوح بما هي متكتمة عليه من حقائق إلاّ إذا واجهناها بعضها ببعض. ولتيسير البحث، نقول: نحن لا نعتقد أنّ الشروط التي ألزم بها عمر أهل الشام هينة كما ذهب إلى ذلك فطال (Fattal) في كتابه Le Statut légal des NonMusulmans en pays d’Islam  أو مورابيا ( (Morabia في كتابه Le Gihad dans l’Islam. ولا تكتمل المدوّنة إلاّ بالرجوع إلى ما كتب أبو يوسف في كتابه الخراج، ومن بعده ابن قدامة في المغني. ولن نفهم الدوافع في قتل عمر بن الخطاب ما لم نقرأ الكتاب الذي أبرمه أبو عبيدة بن الجرّاح مع نصارى الشّام قراءة تاريخية، فهو أقدم شهادة وصلتنا تضبط أسس التعامل بين المسلمين وأهل الذّمة؛ وما لم نهتد إلى نصوص تحكي وجها من أوجه العلاقات بين الأفراد وانتظامها قبل أن يسنّ عمر هذا التشريع، وما لم نقف في نصوص العقود التي كتبها ما يفيد تصنيف الفئات في المجتمع.

لكن الثابت أنّ عمر أثقل الذميين من أهل الشام بأحكام مجحفة أنزلتهم منزلة العبيد، رغم قدرتهم على الاستثمار. ولعلّ القليل من السنوات التي أمضوها في عهده وهم خاضعين لما سنّ من أحكام، كانت كفيلة بأن تندلع فيها أوّل شرارة في الرفض. ولا يكتسب هذا القول معنى إلاّ إذا استحضرنا أهمّ هذه الأحكام:

فقد التزموا “أن لا نُحدِث في مدينتنا كنيسة“، ولا نجدّد ما خرب من كنائسنا، ولا نمنعها من المسلمين“، “وألا نضرب نواقيسنا إلا ضرباً خفيّاً في جوف كنائسنا. ولا نظهر عليها صليباً. ولا نرفع أصواتنا في الصّلاة ولا القراءة”، وألاّ نجاورهم بالخنازير ولا نبيع الخمور، وألا نمنع أحداً من أقربائنا إذا أراد الدّخول في الإسلام (…) وأن لا نتشبّه بالمسلمين في لبس قلنسوّة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا في مواكبهم ولا نتكلّم بكلامهم وأن لا نتكنّى بكناهم. وأن نجزّ مقادم رؤوسنا ولا نفرّق نواصينا ونشدّ الزّنانير على أوساطنا (…) ولا نركب السّروج ولا نتّخذ شيئاً من السّلاح ولا نحمله ولا نتقلّد السيوف.” ويضيف عمر شرطا آخر: “أن لا يشتروا من سبايانا شيئاً. ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده“.

ويضيف أبو يوسف وابن قدامة من بعده : أنّ عمر «كتب إلى عمّاله أن يختموا رقاب أهل الذّمّة خاتـم رصاص أو حديد أو جلجل ليفرّق بينه وبين المسلمين في الحمّام». المغني، ج 10.

هذه الأحكام مجملةً تؤسّس لبناء نواة دينيّة ذات خصوصيّة اجتماعيّة، وتسعى إلى أن تتعايش مع بقيّة المهاد العقديّة، لكن على أساس الغلبة والقهر، وتلك هي في نظرنا مقوّمات الاجتماع الإسلاميّ، وقد تأسّست من ديار صلح/ عهد.

ولعلّ في فتح الشام ودخول المسجد الحرام إشارة واضحة إلى أنّ عمر عزم منذ أن تولّى الخلافة على إكمال الدين الذي “ظلّ منقوصا بموت محمد”، كما أشرنا إلى ذلك في بداية المقال. في هذا السياق، نقرأ وصف الطبري ومن تلاه من الإخباريين لكيفية دخوله بيت المقدس، وحواره مع البطريارك، وأن نقرأ الأسباب التي دفعته إلى أن يصلّي في محراب داوود بسورتي ص والإسراء، وحرصه على أن يتخذ مكانا اختاره هو لا البطريارك ليكون لبنة أولى في بناء مسجد عمر الذي لم يكتمل إلاّ مع عبد الملك بن مروان.

فرضية عمل: ألا يكون عمر في فتح القدس قد قصد تحطيم الرمزية المقدسة التي يمثلها هذا المعبد؟ معبد أشدّ عراقة من الكعبة وأقدم منها في النشأة، رغم محاولات المفسرين في التأكيد على أنّهما شيّدا في نفس الوقت؛ ومعبد اكتنز رمزية اجتماع الديانات الإبراهيمية فيه؟ مثلما اكتنزت أرضه أجساد الأنبياء… إذن، فلن تكتمل رسالة محمد ما لم يجتمع في نبوته جميع النبوات وما لم يمتلك بيوت الله في الأرض بدءا ببيت المقدس. هي منطلقات أسست لرمزية بديلة، ولدت على عهد محمّد ولم تزدهر وتتنامى سوى على عهد عمر. وإذا بنا نعيش مرحلة ثانية من الإسلام، يمكن تسميتها بـ “الإسلام العمري”.

قد يتحوّل رأينا إلى ما يشبه اليقين ونحن نستحضر جميع تلك الأدبيات التي صيغت ورويت وتخُيّلت لتبني صورة عمر: ذلك الزاهد والقويّ الشديد الذي يتحاشى الرسول مواجهته وتخشاه الشياطين وتهابه الجنّ. بهاتين الصفتين، كان عمر كفئا لسليمان بن داود. وأن نقرأ ما ورد في كتب علوم القرآن من فصول عنوانها قول عمر: وافقت ربي في ثلاث”؛ فالرجل ارتقى إلى رتبة الربوبية، يوجّه الوحي كما يراه مناسبا للظرف الاجتماعي…

شخصية تحمل مثل هذه الصفات، لا يمكن أن يتقبّلها مجتمع مركّب بُني حديثا على أساس هرمي، ساسه حاكم بالدرّة… فكان طبيعيا أن يبرز “مجاهدٌ” في سبيل عقيدة تعتبر أمّ العقائد ليقدّم نفسه شهيدا، وذاك هو أبو لؤلؤة الذي ترحّم عليه أحد الروافض: “رحم الله أبا لؤلؤة… كانت طعنته إسلامه”!!!

أنا على يقين أنّنا قاصرون عن وصف حقيقة ما حصل في الفترة التأسيسية الأولى في وريقات معدودات، وأنّ هذا الموضوع مازال ينتظر عملا جدّيا تصحيحيا… هذا أفق انتظار من حادثة قتل عمر… ولا أعتبر تعليقي ردّا على الكتاب؛ لأنّ الكتاب لم ينتظر قارئا حتى ينقده؛ فقد تجلّى لنا كتابا حائرا يرمي بالحكم وسرعان ما يتراجع عنه. فظلّ متوتّرا لم يهتد إلى الطريق التي عليه أن يسلك، فمن عمر العصبي إلى عمر الحنون الهادئ، ومن عمر الزاهد إلى عمر الجشع، ومن عمر الشرس المحارب إلى عمر المتأخّر في صفّ القتال…

على كلّ، أسهمت أدبيات القدامى بما قدّمته من صورة لعمر، أساسها القوّة والعدل والزهد… فتحوّلت إلى صورة مغرية تجذب إليها كثيرا من الشخصيات سواء في التاريخ القديم أو المعاصر. وحلّت هذه الصورة “العجيبة” في أجسام الكثيرين. والسبب يرجع إلى أن “الذاكرة الجمعية” أطردت الصورة المحاكية للتاريخ لتنسج بديلة لها حتى يحاكيها المؤمنون تغذية لوجدانهم الديني. وحذار، نحن واعون أنّ هذا الكتاب لا يندرج في هذا الصنف من المقاربات، غير أنّه لم يحاول البتّة أن يدفع القارئ إلى قراءة التاريخ والصّبر على كتب الأخبار.

ونحن نتساءل: ما هي الفكرة التي أراد كتاب هالة وردي، اغتيال في مسجد، أن ينقلها إلينا؟ هل أراد النظر في أسباب قتل عمر؟ لكنّه لم يأت بقول راجح. هل أراد أن يجمع أخبارا عن عمر ويعرّف الناس عليها؟ لكنّه لم يكن أمينا في ترجمتها… وما قدّمه إنّما هي روايات يروق للذوق الفرنسي أن يقرأها. فإذا بعمر شخصية روائية حيكت على نمط شخصية دون كيشوت أو هو ملك اختلطت في رسمه صور كثيرة مركّبة تركيبا : فأنت ترى فيه حينا  Henri III، لكنها صورة تتغذّى من Henri II وتختلط هذه الصورة حينا آخر ببعض ملوك فرنسا مثل Louis IV. وإذا بالشبق يتصارع مع الكفر ليهزمهما الطموح السياسي وحبّ السلطان. وما أن تطمئنّ إلى هذه الخلطة العجيبة، حتى تغمرها صورة أخرى جلبتها لك الذاكرة من تاريخ ملوك روما فإذا بعمر يحاكي Jules César .. وإذا بأبي لؤلؤة هو Brutus….

وتتساءل: إلى هذه الدرجة كانت الرواية التاريخية شحيحة في خيالها؟ أو هل يجوز لنا أن نعتبر عمر هو التاريخ مثلما اعتبر المؤرّخون الغربيون Jules César هو التاريخ؟ وكيف لنا أن نرسي هذه المقارنة وعمر يحمل في طبيعته شيئا من نيرون Néron؟

تلك هي صورة عمر كما نقلها لنا كتاب “اغتيال في المسجد“. صورة تتحاشى المواجهة وتتبرّأ من كلّ مسؤولية لتحوّل عمر إلى بطل روائي أرعن مريض يعاني من داء الشيخوخة…

ملاحظة: عدلت عن مواصلة الحديث عن الأخطاء في الترجمة وفي فهم النصوص العربية التي ذهبت في الكتاب إلى نتائج خاطئة علميا: مثل توريث حفصة وحجبها لأخوتها الذكور، بينما تحدث الخبر عن تكليف عمر ابنته بالوقف، أي الصدقات… وهذا مجال عميق ومعقّد. أو الاطمئنان إلى ترجمات لنا نحن المختصين مواقف منها، حتى وإن زكتها دائرة المعارف الإسلامية مثل ترجمة “أهل البيت” إلى gens de la maison  .. أو ترجمة قول عمر”اضرب ابن الألْيَمين”  fils du prince، بينما هي لفظة اكتنزت معاني اللؤم والألم؛ والقائمة طويلة.

فهل من مراجعة جدية لهذا الكتاب؟؟!!

مواضيع قد تهمك:

 

تعليقات

  1. amine gamer

    c’est bien

  2. Merveille

    top

  3. baladi abdelouahed

    موضوع شيق

  4. BALADI

    OK BIEN

  5. صلاح داود

    بنظری ان الباحثە نائلە السلینی انتهجت الموضوعیە التاریخیە فی تحلیلها و بحثها ،و سلکت منهج لبحث العلمی و کتبت بطریقە رائعە مما یحلی القارۍ یتابع و یکمل او تتابع و تکمل قراءە البحث باشتیا ق ،،..اتمنی للباحثە الموفقیە و الاستمرار ببحوثها التاریخیە و المجالات الاخری..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *