×
×

المغرب. دراسة ميدانية حديثة: 50% من المدروسين اعتبروا العلاقات الرضائية خارج الزواج حرية شخصية

تبرز المعطيات الواردة في الدراسة، فيما يتعلّق بحرية الجسد وحرية الضمير، أنّ قوة الثقافة الدينية في توجيه المواطنين المغاربة لازالت تحكمُ تصورات معظمهم حول الحرية الفردية. كما يظهر أيضا أن الوعي الديني لازال ينازع الوعي الحقوقي العقلاني.

بعد سنة كاملة من البحث، تصدر دراسة، أنجِز شقها الميداني ما بين 17 ماي و17 يونيو الماضي. هذه الدراسة اعتمدت آليات البحث الكمي من خلال استمارة تتكون من 103 سؤال… وتمحورت حول مواضيع عن الحُريات الفَردية.

“الحريات الفردية : تمثلات ودراسات”، هو عنوان الدراسة، التي أشرفت عليها مؤسسة منصات للأبحاث والدراسات الاجتماعية.

البحثُ شملَ عيّنة تصل إلى 1320 فرداً مثّلت مُختلف جهات المغرب وجلّ الشّرائح المجتمعية… فما هي، إذن، مُخلصات الدّراسة عن الحريات الفردية فيما يتّصل بالحرية الجنسية وحرية الضّمير؟

عن الحريّة الجنسية… والفردية!

أكدت الدراسة أنّ حوالي 50% من أفراد العينة المدروسة، اعتبروا القيام بعلاقات جنسية قبل الزواج لدى الفتيان كما الفتيات مسألة حرية شخصية؛ في حين توزعت باقي النسب على “نعت تلك العلاقات بالفساد الأخلاقي، الابتعاد عن التعاليم الدينية، وسوء التربية. كما اعتبر 76.3% من المبحوثين، أن العلاقات الما۔ قبل زوجية أصبحت منتشرة في المجتمع المغربي؛ بحيث نجد حوالي 60% منهم قد صرّحوا عن معرفة شخصية بفتى أو فتاة، له أو لها، ممارسات جنسية من هذا النمط”، تضيف الدراسة.

الغريب الذي تسجّله الدّراسة، أنّ 56٪ من هؤلاء الشّبان والشابات يصرّحون أن الهدف هو إشباع الرغبة الجنسية. لم يلتفت لمسألة ممارسة الحرية الفردية في هذه الممارسة الجنسية إلا 15.4% فقط. أما الرافضون بشكل قطعي للعلاقات الرّضائية، فـ77.6% منهم برّروا ذلك بكَونها علاقَاتٌ مُحرّمة دينيًّا.

النسبة الغالبة، إذن، عند الذين مارسُوا علاقات رضائية تركنُ إلى البُعد الغرِيزي البيُولوجي في تفسِير هذه الممارسات الجِنسية. وقد حضَر هذا التفسير عند أفراد العيّنة بشَكل أقوى من البعد الثقافيّ أو الحقوقيّ، كالحرية والحق والإرادة.

فيما يتعلّق بالمثلية الجنسية، فإن الدراسة تذهب إلى أن أكثر من 50% من أفراد العينة، عبروا عن موقف سلبي رافض للعلاقات الجنسية المثلية، بأشكال مختلفة. إذ ثمّة من اعتبرها مرضا نفسيا أو بيولوجيا، انحرافا، علاقات ضد الطبيعة أو تقليدا للغرب.

الخطير والمرعب في هذه العينة، أنّ نسبة 3،5% ينظرون إلى المثليين والمثليات، على أنهم كفار ارتدّوا عن الدين الإسلامي. هناك بالمقابل، نسبة 26،8% عبّرت عن لامبالاتها تجاه اختيارات الآخرين، بما فيها المثلية، كما اختارت 13،7% أن تعتبر الأمر ممارسة لحرّية فردية.

بخصوص الإعلان العلني عن الميولات الجنسية المِثلية في الفضاء العام، “فقد عبر حوالي 60% عن رفضهم لذلك. في حين عبر 23.6 % عن عدم اهتمام ولا مبالاة بالمسألة؛ وهذا يدل على ارتباط بين هذا الموقف والتمثل المطبوع بالسلبية، اتجاه المثلية الجنسية”.

رغم ذلك، فإنّ 30% من أفراد العينة، لم ينكروا كونهم على معرفة شخصية ومباشرة بشخص له ميولات جنسية مثلية. بمعنى أنه، رغم سلبية التمثل والموقف من مسألة المثلية، نسجل تسامحا سلوكيا نسبيا في العلاقات اليومية الاجتماعية.

لذلك، وافق حوالي %60 من أفراد العينة على تدريس التربية الجنسية في المؤسسات التعليمية، أمام رفض 20%.

حتى الموقف من الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، المُجرّم للعَلاقات الجنسية خارج مؤسّسة الزواج، فقد كان ضمن الدراسة، إذ سجّلت الأخيرة أنّ 69،2% من أفراد العينة المبحوثة لم تكن لهم أدنى فكرة عن هذا الفصل.

لكن، بعد اطلاعهم على فحوى الفصل القانوني، وكونه يجرم العلاقات الجنسية خارج الزواج، عبرت نسبة %50.4 منهم عن قبول ما يتضمنه هذا الفصل، مبررين ذلك بكونه وسيلة للحد من “الفساد الأخلاقي”، “الانحراف”، “الدعارة” و”فوضى العلاقات الجنسية”!

من جهة أخرى، عبرت نسبة 27.2% عن رفضها لهذا الفصل “المجحف”، حيث برر 48.3 % منهم موقفه بالدفاع عن الحرية الشخصية. و24.3 % اعتبروا أن وظيفة القانون ليست هي إنتاج الأخلاق. غير أن هناك 15.2 % منهم اعتبرت “هذا الفصل عائقا أمام عيش حياتهم الجنسية وتلبية رغباتهم “اللبيدية (من ليبيدو libido) فقط”.

أيضاً، هناك نسبة 11.6 % من المدافعين عن إلغاء الفصل 490 من القانون الجنائي المغربي، أشاروا إلى كون مضمون الفصل لا يطبق سواسية على المغاربة جميعاً، إنما على الفقراء، أي أنه يطرح مشكلاً طبقياً… باسم القانون.

عن حرّية المعتقد… والضمير!

رصدت الدراسة أن حوالي 50.1% من أفراد العينة المبحوثة، يتعرّفون على أنفسهم هوّياتيا كمسلمين أولا؛ بينما، لا يتعرف إلا 23.6 % منهم على أنفسهم كمغاربة ابتداءً. يدل الأمرُ على كون الشعور بالهوية الوطنية، يأتي لاحقًا على الشّعور بالهوية الدينية الإسلامية.

هكذا، يظهر أن مسألة الهوية الدينية، في العيّنة المدروسة، عابرة للسياقات والشروط الاجتماعية التي تؤطّر العيش المشترك.

للوقوف على ذلك، اعتمدت الدراسة آلية المزج في سؤال واحد بين البعد الديني والبعد المواطناتي la citoyenneté. والغاية من ذلك هي وضع نقطة محددة ودقيقة، مثلاً سؤال المواطنين هل من حق مغربي أن ينعت آخر بالكفر أو الإلحاد. بشكل أدق، هل من صميم المواطنة أن نحكم على المواطنين الأغيار بالكفر، أم أنّ المواطنة تتجاوز الحساسية العقدية والدينية للآخر؟

في هذا السياق، وجد الدارسون أن 72.6% من المستجوبين يرفضون تكفير الآخرين. ولم يوافق بشكل صريح على ذلك إلا نسبة 4.7%. في حين لم يعبر 22.9% منهم عن موقف محدد.

على إثر ذلك، لوحظ توازن وتقارب كبير في المواقف بين الذكور والإناث. لكن التوزيع التفصيلي يبرز تفاوتات جمة، يمكن إجمالها في ارتفاع نسب الرفض لدى فئة العزاب مقارنة بالمتزوجين، ولدى القاطنين بالمدن الكبرى، ولدى فئة الشباب الأكثر نضجا واستقرارا نفسيا ومهنيا (25-34 سنة) مقارنة مع غيرهم.

أما فيما يخصّ أسباب الرفض، فإن الدراسة تكشفُ أن 49.6 % من العينة تعزز موقِفها بكون الأمر متّصلا بقنَاعاتهم بكون الدّين الإسلامي يمنعُ ذلك؛ مما يعني أنه التّعايش على أساس المواطنة بدوره يقتضي البحث عن تبرير ديني.

هذا فيمَا يقعُ التّبرير على أسَاس المواطنة بشَكل واضح وصريح عند 20.8% فقط من المدروسين.

التبريرات الفضفاضة وغير الدقيقة واردة، بدورها، عند حوالي 30% من المدروسين: الانتماء للإنسانية التي لا تفرق بين الأديان، وضرورة التسامح بين البشر.

لكن، بتقدير الحالة العائلية مثلا، تسجّل الدراسة أن “فئة العزاب مقارنة بالمتزوجين، تتجاوز نسبة الرفض بين أفرادها لاتهام مواطن مغربي لآخر بالكفر، وتستند في تبرير موقفها، بنسبة تقارب 20%، لحجة الدين الإسلامي نفسه الذي يمنع ذلك، مع ضعف تقدير قيم التسامح والمواطنة كمصدر للمساواة العقلانية في ممارسة حرية الضمير”.

بل حتى القرى التي ترتفع فيها نسبة الرافضين للتكفير أيضا، تتراوح دوافعها بين وعي ديني عنوانه رفض التكفير وبين رفض الإجابة، وهو أمر يتكرر عموما بتفاوتات ضعيفة عند تقدير كل متغير على حدة.

في النهاية، تبرز كل المعطيات الواردة في الدراسة، فيما يتعلّق بحرية الجسد وحرية الضمير، أنّ قوة الثقافة الدينية في توجيه المواطنين المغاربة لازالت تحكمُ تصورات معظمهم حول الحرية الفردية. كما يظهر أيضا أن الوعي الديني لازال ينازع الوعي الحقوقي العقلاني.

فهل يمكن فضّ النّزاع بتكريسُ مفهوم التّسامح وترجيح كفّة العَلمانية وتعميق أسس الفردانية والتّعددية والعيش المُشترك؟

كثير من الدراسات والبحوث المعاصرة تشير إلى وجوب ذلك.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *