×
×

حسن الحو: بين العلم والإيمان: نحو منهج علمي لنقد النص المقدس

القصد… هو إخضاع النصوص لمنهج علمي، يكون منطلقه الفرضية والسؤال، للوصول الى النتيجة، وليس قلب المنهج العلمي رأسا على عقب، وجعل الآيات والأحاديث سابقة عن البحث والسؤال، بل وموجهة لهما، واتهام كل داع للنظر المتجرد بالانحلال وتقليد المستشرقين وترديد شبههم.
العجيب أن الصحابة المعاصرين لزمن التنزيل، كانوا أكثر حرية وجرأة في التعامل مع النص ونقده من المسلمين المعاصرين.

حسن الحو
حسن الحو

لا توجد أمة بين الأمم تجعل الدين في صلب كل شيء، ومهيمنا على كل شيء كما يوجد عند “الأمة الإسلامية”، فالدين حاضر في البيت والمدرسة، في المسجد والحانة، في السوق والجامعة، والكل يدعي وصلا بالآخرة، ويلبس لبوس الصلاح، ويرفع شعار “الاسلام هو الحل”.

فهل هيمنة الدين على وجدان الناس في هذه الرقعة الجغرافية، لها ما يبررها من تحضر اجتماعي وتقدم تقني كان أساسهما التشبع بالقيم الدينية، أم أن الأمر مجرد دعاوى فضفاضة، وأماني منفصلة عن حتمية واقعية، تم فيها تجاوز الدين كمُعطى مؤسس ومفسر لمختلف مناحي الحياة؟

ثم… إذا سلمنا جدلا بأهمية الدين ومرجعيته المركزية، فهل يمكن فعلا جعل العقائد الدينية والتشريعات الفقهية، قاضية وحاكمة على كل مجالات الحياة لإضفاء الحِل والشرعية؟

الجواب على هذه الأسئلة، يقتضي ابتداءً تعريف الدين والإيمان باعتبارهما مجالا للغيبيات، والجواب البسيط على الأسئلة الكبرى والمعضلات الوجودية، فالإيمان هو التسليم والتفويض، هو اليقين المطلق، هو الكف عن الأسئلة القلقة، إنه الراحة من عناء البحث إلى الاستجمام تحت دوحة التسليم.

إنه الخطوات الأولى للفهم البدائي للذات والمادة، ومحاولة إيجاد تفسيرات للظواهر الطبيعة.

آلهة الأديان ونصوصها المقدسة تطورت بتطور البشر، فتم الانتقال من تعدد الآلهة إلى الإله الواحد، وشُرِّعت أحكام لتنظيم المجتمعات استُلهمت من الحضارات التي جاورها معتنقو الأديان التوحيدية.

غير أن أتباع اليهودية والمسيحية، وبعد مخاض قرون من الزمن، نجحوا في نزع عباءة الدين عن حياة الناس؛ وجعلوا مكانه الطبيعي هو البِيَع والكنائس، وعلاقة صِرفة بين الانسان وخالقه. نجاحٌ لا يمكن المرور عليه مرور الكرام، ولكنه تجربة مريرة، أُزهِقت فيها أرواح بطرق بشعة لعلماء ومفكرين ثاروا في وجه استبداد الكنائس ووقوفها حجر عثرة في مسار التقدم البشري، فاستطاعوا تحرير الفكر والعلوم من سطوة رجال الدين وسلطة النص المقدس، وجعْله نصا خاضعا لمناهج البحث والتحليل بصرف النظر عن قداسته ومصدره الالهي.

النقد النصي للتراث اليهودي والمسيحي، أصبح من العلوم المعترف بها في الجامعات الغربية، سواء لتحقيق المخطوطات أو النظر في فحوى النصوص بكل تجرد وموضوعية، للخروج بخلاصات علمية بعيدة عن الانحياز للمعتقد والطائفة.

إنجاز علمي آخر راكموا فيه الكثير من المعارف، وعلم يُدرس بكل أريحية، دون تشنج أو اتهام بالكفر والخيانة، لازال طرْحه في المنطقة العربية بعيدا ومستحيلا؛ لا يمكن لأي باحث فتح باب النقاش فيه، دون اتهامه مباشرة بالكفر والزندقة، لأن الدين، كما تعلمناه في المدرسة والمسجد والشارع، هو الكمال الذي لا ترقى إليه الشكوك، وهو المقدس الذي لا تناله سهام النقد.

فكيف سيمكن إقناعهم، بعد سنوات من التلقين، أن مجال الدين هو عقائدهم الخاصة، واعتكافهم في المساجد لربط أواصر الفناء في الذات الإلهية، وليس الزج بآياته المطلقة في معترك الحياة المتغير.

لا يمكن مثلا أن تجعل علم البيولوجيا محكوما بقوله تعالى: “لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم” لإيقاف البحث عن أصل الانسان، وتجاهل نظرية التطور بالمرة، وغض الطرف عن العيوب الخلقية الكثيرة كـ:

– الشبه الكبير بين مورفولوجية جسد الانسان والحيوانات، خاصة القردة.
– مجرى البول ودم الطمث، هو نفسه مكان أفضل المتع الحسية عند الجنسين، بل ومجاورته لمخرج الفضلات.
– مجرى الهواء والطعام والكلام واحد، يفصل بينهم لسان المزمار، الذي يسد مجرى الهواء عند البلع، وكم من شخص مات غاصا بأكله أو شَرِقا بمائه.
– دم الطمث، الذي تعاني منه كل نساء الأرض، ستة أيامٍ من الدم والنتانة والتسلخات.
– العرق وصماخ الأذن ومخاط الأنف والنخامة وعمش العين والغائط والبول وأدران الجسم الناتجة عن تجدد الجلد…

– ضرس العقل، الذي ورثناه عن ماضينا التطوري، والذي يشوه تناسق الأسنان بسبب صغر الفك الذي لم يعد بالسعة التي كان عليها أثناء اعتمادنا بشكل كبير على نظام غذائي نباتي.

– خط الحليب الممتد من الحلمتين الى السرة عند الانسان، شأنه في ذلك شأن باقي الثدييات…

عيوب كثيرة في الخلقة البشرية، ليس هذا محل الاستطالة في ذكرها، ولا سبيل للخروج من ورطتها إلا بحلين:

إما التسليم للآية، وإخراس صوت العقل، واعتبار أن الخلقة، على هذا الشكل، هي أحسن تقويم يمكن الوصول إليه، وصرف النظر عن تلك العيوب، بل واعتبارها القمة في الإبداع.

الحل الثاني: هو الفصل بين الايمان الروحي والنظر العلمي، وتلاوة الآية في المساجد وجلسات الذكر، وعدم اصطحابها لمختبرات العلوم.

كما لا يمكن الاعتماد على الآيات التي تتكلم عن الكون كقوله تعالى: “سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض” أو “هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات“، وذلك لمخالفة المعلومات العلمية المؤكِدة أن الكون خُلق قبل الأرض، وأنها ذرة رمل في كون عظيم، وليست بعرض السموات.

كما لا يمكن أن نجعل من آية الشورى معولا لهدم كل إبداعات النظم الديمقراطية.

أو جعل البحث في تاريخ الصحابة محكوما بقوله تعالى: “وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ”؛ وإخضاع كل الاحداث لمنطق طوباوي تبريري، وتجاوز تاريخ مسطر بالدماء والأشلاء.

أمثلة قليلة من معتقدات كثيرة، ليس الهدف منها التبخيس من قدر الدين، ولا الدعوة لنبذه وإقصائه، ولكنه إنزالٌ منطقي للمكانة التي تليق به. ففي بناءٍ مجتمعي وعلمي سليم، لا يمكن أن تجمع بين المتنافرين، فالتسليم لا يلتقي مع الشك، والنسبية نقيض المطلق، والسؤال ضد التفويض، وأي محاولة للجمع بينهما سيكون فيها المنهج العلمي هو الضحية، وستُرسم حدود حمراء للمواضيع العلمية، وستكون النصوص هي الفيصل لصحة النظريات العلمية إن وجدت أصلا.

الدين، بهذا الاعتبار الذي لازال بعيدا جدا عن الوعي الجمعي عند المسلمين، لن يتم الوصول إلى أول عتباته إلا بجعل مناهج “النقد النصي” شُعبا علمية، يتم تدريسها في المدارس والجامعات، والتعامل مع النصوص، سواء كانت قرآنا أوسنة، كما يُتعامل مع أي نص مكتوب، دون انحياز أو اعتبارات عقدية.

…فلا يمكن جعل قوله تعالى: “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون“، سدا منيعا، يحول دون دراسة ظروف نشأة النص المقدس، والملابسات الاجتماعية والتاريخية التي زامنت عهد تدوينه، وطريقة جمعه، والتغاضي عن نصوص وأحداث تاريخية كثيرة تنافي الاعتقاد بكمالية النص المقدس.

إن القصد… هو إخضاع النصوص لمنهج علمي، يكون منطلقه الفرضية والسؤال، للوصول الى النتيجة، وليس قلب المنهج العلمي رأسا على عقب، وجعل الآيات والأحاديث سابقة عن البحث والسؤال، بل وموجهة لهما، واتهام كل داع للنظر المتجرد بالانحلال وتقليد المستشرقين وترديد شبههم.

العجيب أن الصحابة المعاصرين لزمن التنزيل، كانوا أكثر حرية وجرأة في التعامل مع النص ونقده من المسلمين المعاصرين.

روى عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد فِي زِيَادَات الْمُسْنَد وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيق الْأَعْمَش عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد النَّخَعِيِّ قَالَ: كَانَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود يَحُكّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ (سورة الفلق والناس) مِنْ مَصَاحِفه، وَيَقُول: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَاب اللَّه، قَالَ الْأَعْمَش: وَقَدْ حَدَّثَنَا عَاصِم عَنْ زِرّ عَنْ أُبَيِّ بْن كَعْب فَذَكَرَ نَحْو حَدِيث قُتَيْبَة الَّذِي فِي الْبَاب الْمَاضِي، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبَزَّار، وَفِي آخِره يَقُول: إِنَّمَا أُمِرَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَعَوَّذ بِهما”…

ومن الصحابة… من كان يزيد سورتي “الحفد والخلع” على سور القرآن المعروفة، ويقرأ بهما في صلاته، ذكر الإمام السيوطي في الدر المنثور، أنهما كانتا من جملة السور التي أنزلها الله على النبي صلى الله عليه وسلم، وكانتا سورتين ببسملة وفواصل، إحداهما تسمى سورة الخلع، والثانية تسمى سورة الحفد، وقد نسختا، وكتبهما أبي بن كعب رضي الله عنه في مصحفه.

ومنهم أيضا من كان لا يتحرج من الاعتراف باختفاء سورة من القرآن تعادل سورة البقرة، وأخرى تشبه سورة التوبة. روى عبد الله بن الإمام أحمد في “زوائد المسند”، وعبد الرزاق في المصنف، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في السنن، وابن حزم في المحلى من طريق عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: “كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ ” قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً، فَقَالَ: قَطُّ، لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيهَا: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

روى مسلم في صحيحه عن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِي قال: “إِنَّا كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا فِي الطُّولِ وَالشِّدَّةِ بِبَرَاءَةَ (سورة التوبة) فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: (لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى وَادِيًا ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ)، وَكُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ فَأُنْسِيتُهَا غَيْرَ أَنِّي حَفِظْتُ مِنْهَا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

إن هذه الأمثلة المذكورة، لا يمكن الرد عليها بحجة النسخ الواقع في القرآن، كأقصر حل لمن يجعلون النتيجة سابقة على الفرضية، كما أن هذا المقال، لا يهمه مناقشة التفاصيل أو الخوض في نقاشات بيزنطية مع المرقعين، لكنها تنبيهات إلى ضرورة التفكير الجدي في التأسيس لهذا العلم في المنطقة العربية، والتمهيد لمناهج النقد النصي، لدراسة نصوص الوحيين دراسة أكاديمية بعيدة عن العاطفة العقدية والقداسة المعطِلة لملكة النقد.

الكفايات الكبرى من إنشاء شعبة للنقد النصي بالجامعات كثيرة ومستعجلة، منها:

_ مقاربة نصوص الوحيين مقاربة تاريخية – علمية، في جو لا يولي اعتبارا إلا للمنهج العلمي كيفما كانت المخرجات.

_ عدم اعتبار منهج المحدثين، القائم على العنعنة، علما قائما بذاته، لمخالفته المناهج العلمية المعتبرة، والاضطراب الكبير في تجريح وتعديل الرواة، والتناقض بين التصحيح والتضعيف لنفس الروايات وكثرة أحاديث الأحاد والثقة العمياء في الرواة فقط لأن بعض الشيوخ شهد لهم بالصلاح والحفظ والإتقان!!

_ الاستعانة بعلوم مساعدة، كعلم النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والأركيولوجيا… لفهم أدق لملابسات نشأة النص وتطوره.

…إن الطريق لازال طويلا لقبول مثل هذه العلوم في منطقة عربية لازالت تناقش عورات النساء، ويؤمن متدينوها بضرورة تطبيق حد الردة، ويموج موج الخضم على مواقع التواصل الاجتماعي للتكفير والتفسيق… لكنها دعوة للتأمل فقط، ومحاولة للتخلص من الوثوقية ولو لثوانٍ، للنظر المتحرر من الخوف والترهيب.

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *