×
×

الإجهاض السّري في المغرب… لا تحرّكوا “مواجع” النّساء! 1/2

ما هو واقع الإجهاض السّري بالمغرب؟ أينَ تتجلّى خطُورته على النّساء والأطبّاء؟ ما مآل مشرُوع القانُون والحَالات التي سمَح لها بالإيقَاف الإرادي للحمل؟ هل يمكنُ الحديث حقّا عن حقّ الجنين في الحياة؟ وهل من قصصٍ تحكَى لنساء قُمن بالإجهاض؟
… هذه الأسئلة وأخرى نحاول الإجابة عنها … في هذا الملف!

بكثرة تناوله من طرف الإعلام، لم يعد الإجهاض السرّي… سرّيا بالفعل.

لكن… رغم كثرة تناوله إعلاميًّا، ورغم عقود من النّضال النّسائي والمدني والحقوقي، لم يتمّ السماح للإجهاض بأن يمارس بشكل قانونيّ في المغرب.

يشكّل الإجهاض وجعاً حقيقياً لبعض النساء، اللائي لهنّ تجربة في الإيقاف الإراديّ للحمل. وتستمرّ المواجعُ إزاء الأمر الواقع وخطورته.

الإحصائيات الوحيدة المعتمدة منذ عقد من الزمن، والتي أعدتها الجمعية المغربية لمُكافحة الإجهاض السّري، تقول إن الأرقام تتراوح بين 600 إلى 800 حالة إجهاض في اليوم… إجهاض ممنوع وغير قانوني، ولكنه موجود!

المطلب الوحيد المرفوع اليوم، هو تقنين الإجهاض ليكُون في ظروف صحية آمنة. أن يُمارسَ في مصحات وأيضاً في مستشفيات عمومية. وأن يكون مجانياً أو بثمن رمزي، ليكون متاحا أمام الحالات التي تنتمي إلى الفئات الهشّة. السرية ترفع الثّمن، وتجعل بعض “المافيا” تقتاتُ من بؤس هؤلاء النّساء بشَكل غير أخلاقي وغير مشرُوع.

في رصد الواقع…

لا يخفي الدكتور شفيق الشرايبي أنّه، عندما كان رئيساً لمصلحة النّساء والتوليد بمستشفى الولادة بحي الليمون بالرباط، كانت هناك حالات كثيرة تأتي إلى المستشفى. تردن إيقَاف حملهنّ بشَكل إراديّ.

أيضاً، مما يورده البروفيسور الشرايبي لمرايانا، فإنه في زمن اشتغاله في المستعجلات، كانت ثمة حالات وافدة لفتيات أخذن مواداً سامة لإنهاء حياتهن. كان الأمر يبدو للوهلة الأولى على أنّه يتعلق بانتحار. غير أنّ الفحص الطبيّ يوضّح بجلاء أن الفتاة كانت حاملاً.

هذا، طبعاً، في وقت تنصّ فيه المادة 449 من القانون الجنائي المغربي على أنه: “من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى أو يظن أنها كذلك، برضاها أو بدونه سواء كان ذلك بواسطة طعام أو شراب أو عقاقير أو تحاليل أو عنف أو أية وسيلة أخرى، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم. وإذا نتج عن ذلك موتها، فعقوبته السجن من عشر إلى عشرين سنة”.

ثمّ تأتي المادة 453، التي وصفها حقوقيون بـ”اليتيمة”، لتنصّ على أنه: “لا عقاب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على الأم متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزّوج”.

لكنّ البروفيسور شفيق الشرايبي يدفع بأنّ المادّة “قاصرة” عن التعبير عن الواقع، ذلك أنّ الحفاظ على الأم وصحّتها، يستوجب مراعاة الحفاظ على صحتها النفسية والعقلية وكذلك الاجتماعية، والتي كلها ستكون مهدّدة نتيجة حمل غير مرغُوب فيه.

رغم وجود هذا النصّ القانوني، يعدّد الشّرايبي ثلاثة أنواع من الإجهاض.

يتعلق الصّنف الأول بفئة، نادرة في الواقع، لكنّها تشكل عنصر مفارقة، تشمل هذه الفئة الأشخاص الذين لهم الإمكانات المادية ليذهبوا للخارج، ويجرون عملية الإجهاض بشكل قانوني وآمن. هنا، يصبح للمشكل علاقة بالطّبقية وانعدام تكافؤ الفرص بين الأثرياء والطّبقات المجتمعية الأخرى… حتى في باب الإجهاض.

هُناك أيضاً فئة متوسّطة تتوجه نحو أطباء يمارسُون الإجهاض السّري، بثمن مُرتفع أحياناً، يتراوح بين 3000 و15000 درهم.

هذا الإجهاض، وفق البروفيسور الشرايبي، آمن نسبياً، ولكنّه غير قانوني؛ حتى أنه قد يعرض صحة المرأة للخطر، ويعرّض الطّبيب للسجن.

معظم الأطباء الذين يجرون (بشكل سري) عمليات الإيقاف الإرادي للحمل، يضاعفون أسعار عملية الإجهاض كلما أدركوا الخطر واستعجال الحالة. هكذا، فالسّعر يرتفع حسب الحالة وحسب عدد شهور الحمل مثلا.

ثمّ في ذيل الترتيب، يردف الشرايبي، توجد الفئة الفقيرة المُعدّمة، التي تلجأ إلى الإجهاض التّقليدي وغير الطبي. هنا، يقدّمون للمرأة مواداً تقتنيها من عند العشاب، وتدهن بها بطنها أو مهبلها، أو أعشاباً “ساخنة” تجهض الطّفل داخل البطن.

هذا كان يخلق، يقول البروفيسور الشرايبي،”مضاعفات خطيرة وقَفنا عليهَا في عدّة حالات وافدة للمستشفى، كالنّزيف، تمزّق الرحم، تسممات، تعفنات ووفيات…”.

الحقّ في الحياة للجنِين؟

بعض الأصوات الحقوقية بالمغرب، تقول إنها تدافع عن الحق في الحياة فيما يتصل بالظّروف الخاصّة بالمرأة التي ترغبُ في الإجهاض. لكن مع التّشديد على حق الجنين في الحياة أيضاً.

تضعنا هذه الحجة أمام كون الحمل يحيل على حياتين، وليس حياة واحدة.

يتمّ تقديم هذه الحجة على أنها مقاربة حقوقية تحفظّ حق الجنين في الحياة. كما أنها في ذات الوقت مُقاربة عقلانية تحفظُ صحّة الأم والطّفل معاً.

لكنّ السّؤال الذي تطرحُه مرايانا في هذا الباب هو: إلى متى سيتمّ حفظُ الحياتين معاً؟

هذه المقاربة، وفق مدافعين عن الحقّ في الإجهاض، تستثني وجود الإجهاض السري وغير الآمن، الذي يهدّد صحّة الأم البدنية والعقلية والاجتماعية. كما تستثني حقيقة أنّ حياة ذلك الرّضيع، هي نتاج خالص لحمل غير مرغوب فيه، وستكون لها تبعاتها المجتمعية والنفسية. فماذا إذا وُلد وتم التخلي عنه، أو في حالة قتله حتى من طرف أمه، ورميه في الشارع أو في حاويات القمامة؟ وهذه أمور  نتابع تفاصيلها بكثرة.

استجابةً للدفوع المقدّمة من طرف المناضلين لتقنين الإيقاف الإرادي للحمل، تمّ تقديم مشروع قانون جنائي جديد يوسّعُ من الحالات التي يسمح فيها للأطباء بالإجهاض. يحدّد الفصل 453 الحالات التي لا يعاقب عليها القانون في حالة القيام بإجهاض في:

  • إذا كان الحمل ناتجا عن اغتصاب أو زنا المحارم، شريطة أن يقوم طبيب في مستشفى عمومي أو مصحة معتمدة بذلك، وأن يتم قبل اليوم التسعين من الحمل، وأن يتم الإدلاء بشهادة رسمية تفيد فتح مسطرة قضائية يسلمها الوكيل العام للملك المختص بعد تأكده من جدية الشكاية، وأن يُشعِر الطبيب مندوبَ وزارة الصحة بالإقليم أو العمالة، قبل إجراء عملية الإجهاض، وأن تُشعَر المرأة الحامل إلى الإمكانية القانونية المتاحة لها بخصوص كفالة الطفل، وإلى الأخطار الصحية التي يمكن أن تتعرض لها جراء الإجهاض، وتمنح مهلة لا تقل عن ثلاثة أيام للتفكير.
  • لا يعاقب على الإجهاض، إذا كانت المرأة الحامل مختلة عقليا (مع تقييد هذه الحالة كسالفتها بمجموعة من الشروط).
  • في حالة ثبوت إصابة الجنين بأمراض جينية حادة أو تشوهات خلقية خطيرة غير قابلة للعلاج وقت التشخيص.

حدثت تعقيبات كثيرة على القانون. أبرزها أنه، نظرا لكون الحمل الناتج عن علاقة جنسية مع القاصر يدخل في إطار الاغتصاب وفق القانون المغربي، فهذا القانون، الذي لم يصادق عليه بعد، استثنى القاصرات صراحةً من مشروع القانون.

فلماذا لم تتمّ المصادقة على هذا القانون بعد؟

رئيس الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري، البروفسور شفيق الشرايبي، يجيب عن سؤال مرايانا معتقداً أنّ حزب العدالة والتّنمية الإسلامي ظلّ يشكل عرقلة للموضوع طيلة وجوده في الحكومة. الآن، هو خارج دواليب صنع القرار، ولذلك “سنتوجه للتجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، الذين سبق واجتمعت الجمعية معهم، وكانوا يرحبون بالفِكرة”.

البروفيسور الشرايبي، يختم حديثه لمرايانا بالقول:”نأملُ من الأحزاب المشكّلة للأغلبية الحُكومية الجديدة أن تدفع في اتّجاه التّصويت على القانون في البرلمان، رغم أنّ الحالات التي تضمنها القانون غير كافية، ولا تعبر عن كل الحالات المطروحة مجتمعياً. إلاّ أنّها ستكُون حلقة إنقاذ مهمّة للبعض، في أفق استمرار النّضال لتوسيع القانون إلى أن يتمّ حلّ المُشكل نهائياً”.

في الجزء الثاني من هذا الملف، نرصد مدى ازدواجية المجتمع في الحديث عن موضوع الإجهاض، ونقدم بعض القصص لنساء  أوقفن، بشكل إرادي، حملهن غير المرغوب فيه.

الجزء الثاني: الإجهاض السّري في المغرب: علينا أولاً… “إجهاضُ” النفاق! 2/2

مواضيع قد تثير اهتمامك:

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *