×
×

مشرُوع قانون الحالة المدنية… انتصارٌ للخُنثى واعتراف بحقّه في تغيير الاسم 1\2

فئة الخنثى نادرة مجتمعياً. لكن، من المهم أن يلتفت إليها القانون بهذا الشّكل… في السابق، لم يكن هناك نصّ قانوني يتطرق لحالة هذه الشّريحة. لذلك، فهذا المشرُوع القانوني يحَاول أن يُراعي التّطوّرات التي تطال المجتمع، حيث الكثير من المواضيع التي كانت تشكل “طابو” في وقت سابق، أصبحت محطّ ترافع حقوقي…

دخل خنثى مغربِيّ إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فقرأ عن مشروع قانون يتحدّث عن خصوصيته؛ كما لاحظ أن المادة التي تتعلّق به في القانون رائجة في الإعلام كموضوع لنقاش حقوقي ومجتمعي وسياسي.

تناسلت الأسئلة بدايةً :

هل المادة تقضي بحقّ الخنثى بتغيير جنسه بمحض إرادته عندما يكبر أم أنّ الأمر له، فقط، علاقة بالتّريث حتى تكتمل الأعضاء ويتضح أي جنسٍ ينتمي إليه المولود؟ وهل المقصود بالمادة التصحيح والتقويم الجراحيين؟

وجد بعضُ رجال القانون أنّ النّص غير مفهوم بدقة ويستدعي بعض التوضيح لرفع اللّبس وتفادي أيّ سوء فهم ممكن، ذلك أنّ الاستفادة منه بأثر رجعي تبقى معلقة.

المشرع، على ما يبدو، يقصد بالمادّة 28 التّغيير الذي قد يطرأ على جنس الخُنثى حين ينضج ويتكون جسمه وتتضح معالم هوّيته الجندرية الحقيقية، أو حين يقوم بالتصحيح الجراحي.

هناك كذلك من يرى أنّ تمرير هذا القانون ليس أمرا سهل المنال، ذلك أنه سيُطرح على المجلس العلمي الأعلى ليبدي رأيه في مضمونه، بالإضافة إلى البحث عن آليات تجعله مقبولاً دينيا وسط المجتمع، الذي يفكّر جزء مهمّ منه بمنطِق خرافي يتنافى مع العلم والطبّ في موضوع الخُنثى، على وجه الخُصوص.

المادّة 28… أية قراءَة ممكنة؟

المادّة 28 من مشروع القانون رقم 36.21 المتعلق بالحالة المدنية، تنصّ على دعم التّصريح بولادة الخُنثى بشهَادة طبّية تحدّد جنس المولود ويعتمد عليها في تحرير رسم الولادة. إذا حدث تغيير على جنس الخنثى في المستقبل، فيغير بمقتضى حكم صادر عن المحكمة المختصة.

لقراءة هذه المادّة خارج أيّة اعتبارات معينة، يتوجه موقع مرايانا إلى عمرو مزرع، منسّق ماستر الأسرة والتوثيق بكلية الحقوق بفاس، ليحدثنا عن الموضوع من زاوية قانونية.

مزرع يذهبُ إلى كون جنس الخنثى لا يجبُ النظر إليه بكثير من التحفّظ، كما يجري بعد مناقشة المادة 28 من مشروع القانون، ذلك أنّه في النطاق الديني، الذي يتحفظ جزء منه على المادّة، ثمّة فقهاء كثر، سيما المالكيون سعوا إلى طرق كل ما يتعَلق بهذا الجنس النادر.

كلّ الفقهاء خلصُوا في النهاية إلى وجود “الخُنثى المشكّل”، أي الذي يتوفّر خلقياً على جهازين تناسليين، وبالتالي لا يمكن تمييزه. و“الخنثى الواضح”، الذي يتوفّر إمّا على جهاز تناسُلي خاص بالذّكر أو بالأنثى.

كانت هذه المسألة أساسا، تثار أثناء تقسِيم التّركة. أيأخذ حصّة الذّكر أو الأنثى… عندما يكون صغيراً ومن صنف الخنثى المشكل، يعطى له نصيبٌ كذكر ونصيبٌ كأنثى، والفرق بينهما يحتفظ به إلى أن يتبين أمره في المستقبل. أو أنه يعطى حق الذكر والأنثى معاً.

ما يشيرُ إليه مضمون المادّة  ليس تغييراً للصّفة، وإنّما إقراراً لواقع معروف، يساعد الخنثى على تغيير اسمها؛ خصوصا إذ كان موضوع الاسم يطرح مشكلاً حقيقياً في ظل غياب نص قانوني ينظّم ذلك!

على ضوء هذا التأصيل الفقهي، يرى الأستاذ الجامعي، الباحث في قانون الأسرة، أنّ “الخُنثى المشكل”، أي ثنائي الجنس بالمعنى العلمي، هو المقصود بالمادة 28. بمعنى أنّهُ، حينما يتمّ تسجيله في الحالة المدنية، سيسجّلُ إمّا على أسَاس أنّه ذكر أو على أنّه أنثى. لكن، حِينما يكبُر، قد يتبيّن أنه عكس ما سُجل، سيما بعد أن تتّضح معالم أجهزته التناسلية ويصبح قابلاً للتّمييز حينَها. بالتالي هذا ما تحاول المادة أن تلتقطه.

سيُدعم التّسجيل بشهادة طبّية، حسب القانون. غير أنّ هذه الشهادة الطبية ليسَت حاسِمة، لأنّ الطّفل يكُون في بداية تكوينه، وإذا كان “خنثى مشكّل” فإنه من الصّعب جداً تبيّن الأمر بشكل واضِح.

لذلك، إذا ما اتّضح فيما بعد أنّ الذكر سجل على أنه أنثى أو العكس، وتمّ تصحيح الجنس بالجراحة مثلاً وإزالة الزوائد والتشوهات الخلقية على مستوى الأجهزة التّناسلية، فالمادة 28 تتيح له تصحيح الوضعية، ولكن عن طريق حكم قضائي في الموضوع.

موضوع الخنثى موجود في التشريع الإسلامي منذ زمان، وليس بجديد، وتحدث عنه الفقهاء في كثير من المحطات، ومن بينها ما يرتبط بإرثه…

يرى مزرع أنّ ثمّة من حمّل المادّة ما لا تتحمله في الظاهر حتى، عبر الذهاب بها إلى حد كونها تريد السماح للخنثى بتغيير الجنس بحرية وبإرادة من ذكر إلى أنثى أو العكس. لكنّ المشرع، على ما يبدو، يقصد التغيير الذي قد يطرأ على جنس الخنثى حين ينضج ويتكون جسمه وتتضح معالم هوّيته الجندرية الحقيقية، أو حين يقوم بالتصحيح الجراحي.

يتحجّج مزرع بعلّتين: الأولى أنّه لا بدّ أن يشرف القضاء على ذلك، أي ينبغي أن يتبين حقيقة أنه ذكر أم أنثى. والثّانية أن ذلك تثبته الخِبرة الطّبية.

هكذا، يكون ما يشيرُ إليه مضمون المادّة  ليس تغييراً للصّفة، وإنّما إقراراً لواقع معروف، يساعد الخنثى على تغيير اسمها؛ خصوصا إذ كان موضوع الاسم يطرح مشكلاً حقيقياً في ظل غياب نص قانوني ينظّم ذلك!

فئة الخنثى نادرة مجتمعياً. لكن، من المهم أن يلتفت إليها القانون بهذا الشّكل…  في السابق، لم يكن هناك نصّ قانوني يتطرق لحالة هذه الشّريحة. لذلك، فهذا المشرُوع القانوني يحَاول أن يُراعي التّطوّرات التي تطال المجتمع، حيث الكثير من المواضيع التي كانت تشكل “طابو” في وقت سابق، أصبحت محطّ ترافع حقوقي.

ما قول الفقه الإسلامي؟

يجيبُ عبد الوهاب رفيقي، الباحث في الفكر الإسلامي، عن هذا السؤال، معتبراً أن الخطوة المتضمنة في المشروع ليست جديدة، فحتى القانون السابق تضمّن نفس المسألة. لكن، هذه المرّة تمّت مراعاة التّوصيات وتجاوز الإشكالات المطروحة، عبر تناول موضوع الخنثى بنفس حقُوقي. وهذا أمرٌ مرحّب به.

لكن ما يدعو إلى الاستغراب في الأمر، وفق رفيقي، هو وجود أصوات تستنكرُ مضمون المادّة، رغم أنه يضمنُ حقّ فئة موجودة في المجتمع وتُعاني من مُشكل من أصل ولادتها، وليس اختياراً له علاقة بتغيير الجنس. والقانون في كل الأحوال وُجد ليحميها من مشاكل جمّة داخِل المجتمع.

بالنّسبة لرفيقي، فإن موضوع الخنثى موجود في التشريع الإسلامي منذ زمن، وليس بجديد، وتحدث عنه الفقهاء في كثير من المحطات، ومن بينها ما يرتبط بإرثه… لذلك، فمن الصّعب جدا فهم الأساس الذي يدفعُ به المستنكرون للقانون! لو كان الأساس دينياً، فإن الأمر عملياً غير مطروح كإشكال في الشّرع الإسلامي، والفقهاء أقروا بوجود الخنثى، وميزوا بين أصنافه: الخنثى المائل إلى الذكر والخنثى المائل إلى الأنثى، ثمّ الخنثى المشكل الذي يتوفر على العضوين التناسلين للذكر والأنثى!

… لذلك، وبدون مزايدات، يذهب رفيقي إلى أنّ في المادة حماية لهذه الفئة بموجب القانون، وعلينا أن نثمّن هذه المبادرة كثيراً.

في الجزء الثاني من هذا الملف، نُحاول الوقوف على مأساة شريحة الخنثى نفسياً ومجتمعياً.

الجزء الثاني: مشروع قانون الحالة المدنية… فرصة لفهم مأساة جنس الخنثى! 2\2

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *