×
×

مشروع قانون الحالة المدنية… فرصة لفهم مأساة جنس الخنثى! 2\2

الخنثى لها علاقة بالازدواجية الجنسية، وهو طابو مخفي، لا نسمعُ عنه كثيراً، رغم أنه يشكّل انتكاسات حقيقية للعائلة، خصوصاً في الأوساط الفقيرة ذات التعليم المتدني، التي لا تفهم هذه الأمور من زاوية علمية وطبّية…

حاولنا في الجزء الأول قراءة المادة 28 من مشروع قانون الحالة المدنية 36.21، الذي أعدته وزارة الداخلية، وكيف أنها تنتصر لحق جنس الخنثى، في تغيير الاسم في حال اتّضحت معالم جنسه حين البلوغ، أو حين يقوم بالتصحيح والتقويم الجراحي… علما أن التّقويم، حتى لغوياً، لا يعني تغيير الجنس!

في هذا الجزء الثاني من الملف، نحاول فهم مأسَاة هذه الشّريحة وإكراهاتها النّفسية.

عموماً، كانت المادة 28 بمثابة انعكاس لمرايا واقع الخنثى في المغرب. واقع شريحة تعاني كلّ يوم “في صمت”… لأنّها ولدت خُنثى!

أعرف أشخاصا مثلي، لكن مأساتهم متعددة، لأنهم فشلوا في الاندماج داخل نطاق عائلي ومجتمعي لا يرحمان أحداً. الكثيرون لا يفهمون أنّنا لسنا بالضرورة مثليين.

يعوّل الكثيرون على هذه المادة، بقليل من المبالغة، من أجل وضع حدّ لمشكل نفسيّ تعاني منه هذه الشّريحة، وكيف أنها تتعرض للعنف اللفظي وأحيانا الجسدي، فقط لشكلها ببعض المناطق بالمغرب.

في جنس الخنثى...

تحاول سمية نعمان جسوس، الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، تقديم تعريف طبي للخنثى، لكنها في الأخير لم تتجاوز كونه… وجود اختلاط عند مولود جديد، ما بين الأعضاء التناسلية الذكرية والأنثوية الخارجية. إذ يكون عنده مهبل وذكر وخصيتان…

أكثر من ذلك، يمكن أن يكون عنده جسد امرأة وهرمونات رجل أو جسد رجل وهرمونات امرأة… لا أحد اختار أن يكون خنثى.

الخنثى لها علاقة بالازدواجية الجنسية، وهو طابو مخفي، لا نسمعُ عنه كثيراً، رغم أنه يشكّل انتكاسات حقيقية للعائلة، خصوصاً في الأوساط الفقيرة ذات التعليم المتدني، التي لا تفهم هذه الأمور من زاوية علمية وطبّية.

حسب الحالات المطروحة على التداول في المغرب، فإنّ سمية نعمان تقول، في حديثها مع مرايانا، إنّ هناك خنثى تولد مائلة إلى الذكر، لكن الوالدين يختارون لها غصبا صفة الأنثى بسبب الشّكل، أو العكس. ذلك أن المعالم الحقيقية لا تتضحُ إلا خلال سنّ الرّشد، ولكن هم “يسجنون” الخنثى في الجنس الذي اختاروه لها، حتى لا يكون هناك إحراج مجتمعي.

… هي بلا شكّ مأساة حقِيقية حين تُدرك أنّك امرأة، ولكن المجتمع قرر أن يجعلك رجلاً، تقول سمية نعمان.

المتحدّثة تحكي لمرايانا أنّها تعرفُ شخصان قاما بالّلجوء إلى جراحة التقويم، باعتبارها الحل الأكثر نجاعة بامتياز لهذه المشكلة الخلقية… وهما يعيشان حياتهما بشكل طبيعيّ.

تجمل جسوس حديثها لمرايانا، في كون الأمر يطرح مشكلاً طبقياً، لأن الذين لديهم إمكانيات يصحّحون… بينما أبناء الفقراء يعانون على كل الأصعدة: نفسياً ومجتمعياً وحقوقياً… إذ يتعامَل معهم المجتمع بقسوة والقانون وجد ليحميهم، أولاً، لأنهم مواطنون والدولة والاتفاقيات التي وقعت عليها، تحمي حقوق الإنسان. وثانياً، لأن هذه المشكلة تشكل إعاقة ينبغي أن يكون لها حلّ، وليس التنكيل بهؤلاء الأفراد، في أمور أقوى منهم ولم يختاروها بمحض إرادتهم.

في تصريح سابق له لجريدة المساء المغربية، قال الدّكتور عبد الله عباسي المختص في جراحة التّقويم بمستشفى ابن سينا بالرباط، بأنّه، “عند الولادة، يمكن أن تجرى تحاليل طبية ودراسة الحمض النووي لمعرفة ميولات الخنثى، هل هي ذكورية أم أنثوية، وإذا كانت الصبغيات من نوع (xx) فالتوجه يكون نحو الأنثى، وعندما تكبر، يمكن وقتها أن توصف لها أدوية، وعلاجها في حالة عدم توفرها على الثديين أو عدم حدوث الحيض. وإذا كانت الصبغيات من نوع (xy) فالتوجه يكون نحو الذكر”.

“هي بلا شكّ مأساة حقِيقية حين تُدرك أنّك امرأة، ولكن المجتمع قرر أن يجعلك رجلاً”.

في الحالتين السالفتين، يضيفُ عباسي، أنّه “يمكن إجراء عملية جراحية في سن مبكرة، غير أن المشكل الكبير الذي حاّر فيه العلماء هو عندما تكون الصبغيات من نوع (xxy). في هذه الحالة، ينبغي انتظار مرحلة البلوغ. آنذاك، يتم الاتفاق بين أهل العلم وبين المعني بالأمر، على ضوء نتائج التحاليل الطبية، فتجرى عملية تحديد الجنس”.

أكثر من ذلك، فبعد العملية الجراحية الأخيرة، “ينبغي أن يخضع المعني بالأمر أو المعنية بالأمر إلى علاج نفسي لتجاوز كل التأثيرات، وكلما تم حل هذه المشاكل في مرحلة مبكرة كان الأمر أفضل وأنسب”.

أصواتٌ “مبحُوحة”…

يسرى، خنثى من الرّباط،  تكشف لمرايانا كيف أنّها تلقّت صَدمة نفسية لازالت تُعاني من تَبعاتها إلى اليوم.

تقول: عندما بدأتُ أنضج، أصبحتُ أجد أني بميولات ذكر وأحاسيس ذكر، ولكنّي مكبّل في جسد أنثى. بدأت أسأل نفسي من أنا؟ وما الذي يحدثُ؟ بحثتُ كثيراً على الأنترنيت فوجدتُ أنها مسألة تشوه خلقي وخلل في الهرمونات، فدخلتُ في نوع من الاكتئاب الحاد في البداية.

تضيفُ يسرى بحسرة، بأنّ ما يؤلمها هو تنمّر أخيها الصغير الذي يسخر من وضعها، فيضطرّ والدها أن يوبّخه ويعاقبهُ دائماً. لكنها، بالمقابل، لا تعاني من أي مشكل مع والديها، فهما يتقبلانها كما هي ولم يلجآ إلى إحراجها يوماً… “ومع ذلك، أحيانا، أشعر أنني أدفع ثمنا لخطأ لم أقترفه”، تفيد يسرى.

“عند الولادة، يمكن أن تجرى تحاليل طبية ودراسة الحمض النووي لمعرفة ميولات الخنثى، هل هي ذكورية أم أنثوية، وإذا كانت الصبغيات من نوع (xx) فالتوجه يكون نحو الأنثى، وعندما تكبر، يمكن وقتها أن توصف لها أدوية، وعلاجها في حالة عدم توفرها على الثديين أو عدم حدوث الحيض. وإذا كانت الصبغيات من نوع (xy) فالتوجه يكون نحو الذكر”.

عن المادة 28 من القانون الجديد، تعتبر يسرى أنه اعتراف مهم بهذه الفئة التي لطالما كانت تعاني من التّمييز، الذي وصل بالعديدين منهم إلى الانتحار أو محاولات انتحار.

عن سؤال مرايانا بخصوص إمكانية تغيير اسمها لاسم مذكّر لاحقا، عبّرت المتحدثة عن خوفها “النفسي” من ذلك؛ لأن الجميع باتَ يعرفها بذاك الاسم، رغم أن المقربين منها كثيراً ويعرفون حقيقتها، ينادونها بياسر. وهو اسم، تقول، ابتدعه أحد أصدقائها في الإعدادي.

و… “لكني إذا كنتُ سأختار، فسأختار اسم ياسر، لأنني حين أسمعه، تختلط عليّ الأحاسيس، بين تذكّر حقيقة أنني خنثى، أي ذكر في جسد أنثى، وبين أنني أريد أن يراني المجتمع ذكراً في كلّ شيء”، تقول يُسرى.

تختمُ يسرى حديثها مع مرايانا قائلة: “أعرف أشخاصا مثلي، لكن مأساتهم متعددة، لأنهم فشلوا في الاندماج داخل نطاق عائلي ومجتمعي لا يرحمان أحداً. الكثيرون لا يفهمون أنّنا لسنا بالضرورة مثليين. بيننا بالفعل من هو مثلي، لكن هذا لا ينطبق على كل من هو خنثى. أعرف أيضا أن المثليين بيننا يعانون بشكل مضاعف حين يصطدمون بالقانون، سيما الفصل 489 المجرّم للمِثلية والاعتداءات المجتمعية”.

في النّهاية، شكّلت المادة 28 من مشروع القانون المتعلق بالحالة المدنية نقطة ضوء لافتة في طريق البلد نحو “عصرنة” الحالة المدنية، وذلك عبر الانتصار لروح المواثيق الدولية، وشجب التمييز بشتى أشكاله. وهو ما أفرز الاعتراف بحقّ شريحة مجتمعية كائنة ولا يُمكن التعسّف ضدّها.

لكن… ينبغي ألاّ ننسى أن الخُنثى في الأصل بشر… تماماً كالذّكر والأنثى!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *