×
×

عمر التلمساني: محاولة التوفيق بين الشباب والحرس القديم للإخوان المسلمين 3/3

تمكن التلمساني من إقامة جسور التواصل والثقة مع جيل الشباب في تنظيم الإخوان، وتمكين القيادات الشابة من أن تكون صاحبة نفوذ داخل الجماعة، والسماح لـ “جيل الصحوة” بتقديم رؤاه الفكرية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بكيفية العمل السياسي وسط قطاعات الجماهير المختلفة.
لكن… سرعان ما طفت على السطح موجة من الصراعات المكتومة أحياناً، والمتفجرة في أحيان أخرى، بين رؤى هذا التيار الذي مثّله جيل السبعينات، وبين قيادات “الحرس القديم” في الجماعة.

بعد أن تابعنا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الملف كيف تمكنت جماعة الإخوان المسلمين مع عمر التلمساني، من استغلال المناخ المواتي الذي وفره السادات لها؛ وخلق شبكة علاقات متوغلة داخل المجتمع وإحداث تغييرات كبيرة على بنية الجماعة وطرق اشتغالها…

نتابع في هذا الجزء الثالث والأخير، كيف تمكن عمر التلمساني من إعادة تأسيس الجماعة وهندسة تنظيمها بشكل جديد.

يبدو واضحا أن عمر التلمساني يعد، في الحقيقة، بمثابة “مهندس ترميم الإخوان”.

لم تكن الجماعة لتعود للمشهد المصري بذلك الزخم الذي عادت به، لولا النظرة الاستباقية للرجل الذي تولى منصب المرشد العام في ظرفية حساسة، كانت خلالها الجماعة تعيش في لحظة “احتضار” إلى حد ما.

ترك التلمساني الجماعة بعافية، ظاهرياً، إلا أن باطن الإخوان كانت تنخره الصراعات التي خبت وخمدت لفترةٍ من الزمن بسبب سياسة التوازنات التي نهجها المرشد الثالث للجماعة. غير أن هذه الخلافات سرعان ما انفجرت وطفت إلى السطح بعد رحيله

في تلك اللحظة الحاسمة، تمكن التلمساني من إقامة جسور التواصل والثقة مع جيل الشباب في تنظيم الإخوان، وتمكين القيادات الشابة من أن تكون صاحبة نفوذ داخل الجماعة، والسماح لجيل الصحوة بتقديم رؤاه الفكرية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بكيفية العمل السياسي وسط قطاعات الجماهير المختلفة.

بلغ الأمر ببعض تلك القيادات الشابة (عبد المنعم أبو الفتوح، عصام العريان، حلمي الجزار…)، بفضل سياسة دعم التلمساني، إلى الوصول إلى مستويات تنظيمية رفيعة داخل عضوية مكتب الإرشاد.

لكن، التلمساني، والذي ساهم في ترميم الجماعة بعد تفككها، وكان صاحب النظرية والتطبيق، لم يدر في خلده أن هذا التطعيم الشبابي لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين له ما بعده؛ فسرعان ما طفت على السطح موجة من الصراعات المكتومة أحياناً، والمتفجرة في أحيان أخرى، بين رؤى هذا التيار الذي مثّله جيل السبعينات، وبين قيادات “الحرس القديم” في الجماعة.

هذا الصراع عاش، في ظل ما تميز به التلمساني من قدرات ومهارات قيادية، حالة من السبات اللحظي. بيد أن الخلافات سرعان ما أخذت تجدد بين الفينة والأخرى داخل الجماعة؛ بين تيار “الحمائم” من جهة و”الصقور” من جهة أخرى.

عُيِّن التلمساني كمرشد ثالث للجماعة في السبعينات (1973)، خلفاً للمرشد الثاني حسن الهضيبي (1949-1973)، وامتاز هذا التوقيت بقبول نسبي للجماعة، نظراً للمناخ العام الذي سمح بتواجد التيارات الدينية لمواجهة المد اليساري. في خضم ذلك، سعى عمر التلمساني إلى تجديد دماء الإخوان والإستعانة بالشباب؛ لكي تحتوي الجماعة رؤى مغايرة للخطاب المتشدد الذي تم ترويجه على مدار تاريخ الإخوان، في محاولة لإعادة بعث الجماعة المتأزمة.

قصمت المرحلة الناصرية ظهر الإخوان في مرحلة الستينات؛ مما دعا التلمساني إلى الخروج من دوامة الصراع مع النظام إلى مد جسور الود مع الأجهزة الأمنية، بُغية تنفيذ خطته التي أقرتها الهيئة السياسية للإخوان.

سعى عمر التلمساني إلى تجديد دماء الإخوان والإستعانة بالشباب؛ لكي تحتوي الجماعة رؤى مغايرة للخطاب المتشدد الذي تم ترويجه على مدار تاريخ الإخوان، في محاولة لإعادة بعث الجماعة المتأزمة.

على الرغم من كونه لم يحقق أمله في إنشاء حزب “الشورى” الذي ظل حلما يراوده بعد تقدمه به مرتين في 1984 و1986، إلا أن التلمساني ترك جماعة الإخوان المسلمين، بعد وفاته سنة 1986، في موقف قوة؛ مندمجة في المجتمع.

بيد أن “لكل شيء إذا ما تم نقصان”… فلئن ترك التلمساني الجماعة بعافية، ظاهرياً، إلا أن باطن الإخوان كانت تنخره الصراعات التي خبت وخمدت لفترةٍ من الزمن بسبب سياسة التوازنات التي نهجها المرشد الثالث للجماعة. غير أن هذه الخلافات سرعان ما انفجرت وطفت إلى السطح بعد رحيله، عن عمرٍ يناهز 86 عاماً، تاركاً الجماعة خلفه تطوي صفحة قد انتهت، وتبدأ أخرى.

كانت أولى تجليات هذه الصفحة الجديدة، اختيار الحرس القديم لرجل ضعيف (محمد حامد أبو النصر) ليتولى منصب المرشد العام خلفاً للتلمساني، حتى يتسنى لهم العودة إلى صدارة الحدث من جديد.

 

لقراءة الجزء الأول: عمر التلمساني: المؤسس الثاني لجماعة الإخوان المسلمين 1/3

لقراءة الجزء الثاني: عمر التلمساني: في الطريق نحو تحزيب جماعة الإخوان المسلمين 2/3

اقرأ أيضا:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *