×
×

محمد أنور السادات… “رجل الظل” الذي صار رئيسا 1/5

كان كلّما تولى منصبا في الدولة من طرف جمال عبد الناصر، زهد فيه ولم يُعره اهتماما حتّى.
عن ذلك يقول عبد الناصر في حوار مع مصطفى أمين: “لقد حيرني هذا السادات. لقد عينته وزير دولة، لكنّه لا يحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وعينته في المؤتمر الإسلامي ولكنّه لا يذهب إلى مكتبه، وصباح كلّ جمعة يصحب زوجته إلى بورسعيد للنزهة… السادات هذا سينتظر إلى أن نموت جميعًا… ثم يخلفنا هو”.

أحمد المهداوي، باحث في مجال الدراسات الإسلامية

لم يكن محمد أنور السادات يتوقّع أن يلقى نهاية مأساوية بذلك الشكل الدموي على أيدي الجماعة الإسلامية.

لم يدُر في خلد “الرئيس المؤمن”، أن عقال التيار اليميني-الإسلامي سينفلتُ من بين يديه؛ وهو الذي زرع بنفسه بذوره لمناوءة اليسار بعدما قلَّم أظافر هذا الأخير.

لم يكن يمنِّي النَّفس أن يروح ضحية لـ “غول” من صُنع يديه، قام بتربيته في عقر داره حتّى اشتد عوده وعظم أمره، ليرديه قتيلا مدرجا في دمائه في مشهد تراجيدي.

لم يلمح قَبْلَئِذٍ طيف الموت متوشّحا ذاته، ولم يلحظ الروح القدس مُقبِلا وهو يربتُ على كتفيه على حين غرةٍ بطريقة درامية.

لم يرُج في مُخيّلة “رجل الحرب والسّلام” أنه على موعد مع قراءة السطر الأخير من كتاب حياته المتشابك الأحداث.

لم يجُل في خاطره يوما، أن يوم -6 أكتوبر 1981 م- سيكون متمّ أجله، وخاتمة كتابه، ونهاية حقبته.

تدور الدّوائر وتجري الأيّام إلى مستقر لها، ويتولى محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية نيابة عن جمال عبد الناصر في دهشة من الجميع؛ إذ كيف يُعقل أن يتولى مقاليد الحكم؛ وهو الذي لم يُر منه ما ينمّ عن دهاءٍ سياسي، ولم يُلمس فيه أي طموحٍ سلطوي؟

لعل كلّ هذا وقع في روع محمد أنور السادات، الرئيس الثالث لمصر، ولعله، ربما، سبق وأن فكر فيه، ولو على سبيل طيفٍ عابر لمخياله… ولربّما –لا! غير أنّه من المؤكّد أن الفتى المنوفي القادم من قرية ميت أبو الكوم، حدّد سلفا طريقه الذي سيسلُك خلال مسيرته الحياتية؛ وهذا يتضح جليّا من خلال ملامح سيرته الذاتية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في تكوين شخصيته المتّسمة بالوداعة والنأي بالنّفس عن دوائر الصراع، حفاظا على مسافة الحيّاد مع كلّ الأطراف، وتجنّب الاصطفاف في خندق معين حتى لا يتم التعامل معه باحتراز، وخشية أن يقع فريسة في أيدي الخصوم.

هكذا، تمكّن السادات من الحفاظ على صورته نقيّة أمام الجميع حتى في عِزِّ الصراعات والتطاحنات السّياسية التي ألمّت بمجلس قيادة الثورة بُعيد ثورة 23 يوليو 1952؛ والتي أطاحت بالنظام الملكي على أيدي تنظيم (الضباط الأحرار)… كان محمد أنور السادات، القادم من أوساط أسرة تقبع تحت خط الحياة في فقرٍ مدقع، رجلا غامضا، هادئ الطّباع، ومغامرا حذرا.

اقرأ أيضا: كتائب الفنية العسكرية. حكاية انقلاب… على خطى سيد قطب1/2

اتسمت الأيّام الأولى للثورة بالصّراع بين كلٍّ من عبد الناصر ومحمد نجيب؛ صراع كانت تذكيه جماعة الإخوان المسلمين. حينها، خطّ السادات طريقا مغايرا مبتعدا عن دائرة النّزاع مصطفًّا إلى جانب عبد الناصر محافظا في الوقت ذاته على حذره المعهود. كان كلّما احتدم النّقاش داخل صفوف مجلس قيادة الثورة، ينصرف بهدوء لأجل أن يدخن سيجارة في الخارج في لحظة تأمل وتفكّر. حتّى حين كان يتم استدعاؤه للتصويت، لا يجد حرجا في قول: “صوتي عند عبد الناصر”، مسندا بذلك المهمة لذات الشّخص الذي دعاه للتصويت.

بذلك، ظل محمد أنور السادات محافظا على حذره، آخذا الحيطة لنفسه، لا يتفوّه بما قد يضر به وبمصالحه، أو يعرّضه للهلاك في أي لحظة.

ورغم التصاقه بجمال عبد الناصر، إلا أنه لم يتورط في مناوءات هذا الأخير مع باقي الضباط من مجلس قيادة الثورة. في نفس الوقت، لم يصدر منه ما يعكر صفو العلاقة بينه وبين عبد الناصر؛ والذي لم يرَ في السادات منافسا له على مقاليد الأمور، ولم يشكّل له أي تهديد يذكر، عكس باقي الرفاق الذين طالبوا بالحصص الوفيرة من “الكعكة”.

بقيّ السادات حريصا على أن يظل الناصح الأمين لجمال عبد الناصر، لعلمه بأن الأخير الذي كان رفيقه وصديقه لسنواتٍ خلت، يضيق بأي نصيحة أو معارضة في العلن. لهذا، آثر أن يتوارى في ظل عبد الناصر تاركا للآخرين الطّموح دون أن “يتورط” في “ثورة عبد الناصر”، بُغية أن يبقى في الصفوف الخلفية بعيدا عن الأنظار منتظرا في الوقت نفسه فرصته المواتية.

تدور الدّوائر وتجري الأيّام إلى مستقر لها، ويتولى محمد أنور السادات رئاسة الجمهورية نيابة عن جمال عبد الناصر في دهشة من الجميع؛ إذ كيف يُعقل أن يتولى مقاليد الحكم؛ وهو الذي لم يُر منه ما ينمّ عن دهاءٍ سياسي، ولم يُلمس فيه أي طموحٍ سلطوي؟ خاصةً وأنه كان كلّما تولى منصبا في الدولة من طرف جمال عبد الناصر، زهد فيه ولم يُعره اهتماما حتّى.

الرّجل يعلم علم اليقين ما يُريد، ويسير بخطى ثابتة نحو الرئاسة دون أن يتلوث أو يتلطّخ بالصراعات حول المناصب والمكاسب والمغانم. لقد كان يدرك أنّه، في السِّياسة، الانحياز لأحد أطراف الصِّراع، غباء!

عن ذلك يقول عبد الناصر في حوار مع مصطفى أمين: “لقد حيرني هذا السادات. لقد عينته وزير دولة، لكنّه لا يحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وعينته في المؤتمر الإسلامي ولكنّه لا يذهب إلى مكتبه، وصباح كلّ جمعة يصحب زوجته إلى بورسعيد للنزهة… السادات هذا سينتظر إلى أن نموت جميعًا… ثم يخلفنا هو”.

على الرّغم من ذلك، لم تكن للسادات ردّة فعل من كلمات عبد الناصر؛ فقد فوجئ مصطفى أمين برد فعله حين أشار بالقول إلى كون الثورة “ثورة جمال عبد الناصر”، وأنّ الأخير يفعل بها ما يشاء؛ أما عن نفسه فليس له علاقة بالأمر برُمته.

ربّما يبدو الأمر للوهلة الأولى عجزا وخوارا من لدن محمد أنور السادات، وأنه الموصوف ب”كلب عبد الناصر”. غير أنّ الرّجل يعلم علم اليقين ما يُريد، ويسير بخطى ثابتة نحو الرئاسة دون أن يتلوث أو يتلطّخ بالصراعات حول المناصب والمكاسب والمغانم. لقد كان يدرك أنّه، في السِّياسة، الانحياز لأحد أطراف الصِّراع، غباء!

اقرأ أيضا: التطبيع… عودةٌ إلى حالة طبيعية أم تطويع وقسر على الاعتياد؟ 3/1

هذا ما جعل منه “رجُل الظّل” القابع على الحافة منتظرا دوره في أريحيةٍ بالغة بعيدا عن بؤرة النّزاع ودائرة الصراع. لم يصدر منه ما يثير حفيظة عبد الناصر أو يجعله يقلق على ما في يديه منه.

حتّى عندما تراجع عبد الناصر عن تكليفه برئاسة مجلس الأمة، استوعب الموقف دون أن يبدر منه ما يفسر بأنه مُعارض لهذا القرار حتّى. بل ظلّ على حاله في “الظّل”؛ مما جعل منه الرّجل المناسب في أعين جمال عبد الناصر لأجل أن يُعينه نائبا له قبل رحيله بسنة، حيث اعتقد بأن السادات يصلح تماما لفترةٍ إنتقالية كونه بعيداً عن مُناخ الصراعات، ودائرة الضوء…

لقراءة الجزء الثاني: محمد أنور السادات… الخروج من منطقة الظل. تصفية تركة عبد الناصر

لقراءة الجزء الثالث: محمد أنور السادات. استخدام الإسلام السياسي لتحجيم اليسار …. أخطاء “الرئيس المؤمن!”. 5/3

لقراءة الجزء الرابع: محمد أنور السادات… الخطاب الأخير. حين وقع “الرئيس المؤمن” قرار اغتياله! 4/5

لقراءة الجزء الخامس: محمد أنور السادات… في الطريق نحو منصة الاغتيال. حين ينقلب الوحش على مروضه. 5/5

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *