×
×

التطبيع… عودةٌ إلى حالة طبيعية أم تطويع وقسر على الاعتياد؟ 3/1

أثار التطبيع بين الإمارات وإسرائيل مؤخرا جدلا ساخنا في سياق ما يُعرف بالصراع العربي-الإسرائيلي. إثر كشف الجانب الإسرائيلي عن دول عربية أخرى تمضي إلى الاقتداء بالإمارات، عاد المفهوم نفسه إلى دائرة الضوء.

التطبيع، على جِدّته كمفهوم، أحد أعقد المفاهيم التي يمكن تناولها في بعدها السياسي-الاجتماعي.

مفهومٌ تشحَنُه العاطفة قبل السياسة، فيترنّح في أهواء المواقفِ المختلفة منه، دونما اتفاقٍ على تعريفٍ شاملٍ يُحدّده.

اللفظُ ترجمةٌ عن الإنجليزية (Normalization). ويورد قاموس أوكسفورد في معناه أنه عملية تروم إرجاع شيء ما إلى حالته العادية أو الطبيعية.

أنْ تُطبّعَ، بهذا المعنى، أي أنْ تجعل أمرا ما طبيعيا. وإلى ذلك يؤول القصد في اللغة العربية حاليا.

المفهوم حديثٌ في الفكر السياسي الإسرائيلي، ولا غرابة في ذلك طالما أن إسرائيل نفسها حديثة الوجود.

أمّا إنْ عدنا إلى ابن منظور، في لسان العرب، فالطّبعُ والطبيعة يُقصد بهما الخليقة والسجية التي جُبِل عليها الإنسان.

… والطّبعُ، جمع طِباع؛ ما طُبع عليه الإنسان في مأكله ومشربه وسهولة أخلاقه وحزونتها وعُسرها ويُسرها وشدّته ورخاوته وبُخله وسخائه، يتابع ابن منظور.

نفهم إذن أنّ التطبيعَ عمليةٌ تستهدف تغيير حالة ليست بطبيعية، لإعادتها إلى حالتها الأولى؛ أي الطبيعية.

ينبغي ألّا نغفل هنا أن الحالة الأولى هذه قد تكون أيضا غير طبيعية.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: فلسطين… بين تجارة الوهم والحقيقة

هذه العملية من حيث كونها ممارسة، قطعاً، ليست وليدة اليوم. إنّما تعود جذورها التاريخية إلى أي فترة كانت تشهد علاقات تجاذب قوة بفعل وجود ترتيب سياسي واجتماعي هَرَمي.

غير أنها، كمفهوم، دخلت القاموس السياسي حديثا، للتعبير عن عودة العلاقات الطبيعية بين بلدين أو أكثر بعد الانتهاء من حالة صراع… كما حدث بين ألمانيا والدول الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية[1].

التطبيع في ظل واقع استعماري، غير التطبيع بين طرفين أنهيا صراعا بينهما.

لكن، في حالة أخرى، يعني أيضا عملية تحويل السلوك الطارئ، كان ذهنيا، نفسيا، سياسيا أو اجتماعيا، إلى عادة وطبيعة، بحيث يظهر وكأنه جزءٌ لا يتجزأ من الحياة الاعتيادية العامة والخاصة للإنسان[2].

التطبيع في علم الاجتماع يخدم ذات المعنى بالمناسبة؛ أي أن يقبلَ الناس سلوكا ضمن منظومتهم الاجتماعية/القيمية بعدما كان في السابق سلوكا مُستهجناً[3].

هنا… يلتبس المفهوم! فمن حيث كونه ممارسة واقعية، سياسيا، يعود أشبه بالدفع إلى الاعتياد أو التطويع أو الهيمنة وما ماثلها من أفعال.

اقرأ أيضا: إدوارد سعيد: أشحذ أصوات القضية الفلسطينية… المثقف الذي فك أزرار الاستشراق!

التطبيع في ظل واقع استعماري[4]، غير التطبيع بين طرفين أنهيا صراعا بينهما.

مِن ثمّ، لا يجدُ الكثيرون بُداًّ من التحفظ على اللفظ في حد ذاته. ذلك أنه يعني أن علاقات طبيعية كانت تسود بين طرفي الصراع، ثم انقطعت، ويراد لها أن تعود وتصير طبيعية مرة أخرى.

هذه الحالة لا يوجد لها مثال أبلغ مِمّا يتخلّل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي… حتى إن لفظ التطبيع يكاد يكون لصيقا به.

يرجع البعض ظهور لفظ التطبيع أول مرة للإشارة إلى “يهود المنفى” من قبل الصهيونية. فقد كانت في بداياتها تُقدّم نفسَها حركةً سياسية واجتماعية وُلدت لتقوم بتطبيع اليهود؛ أي إعادة صياغتهم ليصبحوا شعبا مثل كل الشعوب

المفهوم حديثٌ في الفكر السياسي الإسرائيلي، ولا غرابة في ذلك طالما أن إسرائيل نفسها حديثة الوجود.

بعض الباحثين هناك ينسب صيّاغته، أول مرة، إلى الدبلوماسي الإسرائيلي أبا إيبان في خطاب له بالأمم المتحدة عام [5]1968.

إلا أن آخرين يرجعون ظهوره أول مرة للإشارة إلى “يهود المنفى” من قبل الصهيونية. فقد كانت في بداياتها تُقدّم نفسَها حركةً سياسية واجتماعية وُلدت لتقوم بتطبيع اليهود؛ أي إعادة صياغتهم ليصبحوا شعبا مثل كل الشعوب[6].

المفهوم اختفى تقريبا بعد ذلك، قبل أن يبرز مجددا في لحظة كانت فارقة على مسار هذا الصراع، الذي كان فيه العرب، منذ بدايته، إلى جانب فلسطين.

اقرأ أيضا: من فلسطين، عامر أبو شباب يكتب: عام الحقيقة في فلسطين والوضوح عالمياً

هذه اللحظة مثلت انتقالا من مرحلة المقاومة إلى مرحلة الاعتراف بوجود واقعي وقانوني لإسرائيل[7].

دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط عدّت إسرائيل دولةً عدوّةً لعقود عديدة، رافضة أي شكل من أشكال التطبيع معها قبل التوصل إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية[8].

إلا أن مصر غرّدت وحدها خارج السرب عام 1978، وافتتحت مسار التطبيع هذا عبر اتفاقيتي الإطار، كامب ديفيد، اللتين أفضتا برعاية أمريكية إلى إبرام معاهدة سلام بينها وإسرائيل عام 1979.

هذه العملية من حيث كونها ممارسة، قطعاً، ليست وليدة اليوم. إنّما تعود جذورها التاريخية إلى أي فترة كانت تشهد علاقات تجاذب قوة بفعل وجود ترتيب سياسي واجتماعي هَرَمي.

تقول هذه المعاهدة:

“يتّفق الطرفان على أن العلاقات الطبيعية التي ستقام بينهما ستضمن الاعتراف الكامل والعلاقات الديبلوماسية والاقتصادية والثقافية، وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والحواجز ذات الطابع المتميز المفروضة ضد حرية انتقال الأفراد والسلع”.

تبعا لنصّ هذه المعاهدة، جرت محاولة استئناف العلاقات بين الطرفين بجميع أشكالها؛ سياسية كانت أو اقتصادية، ثقافية، سياحية…

اقرأ أيضا: اليهود قادمون: مسلسل إسرائيلي يثير الجدل بعد انتقاده عنصرية اليهود وتاريخهم

أدى ذلك إلى ظهور مباشر لحركة “مناهضة التطبيع”، التي اقتصرت لفترة على الأوساط المصرية؛ الشعبية والثقافية وكذا الحزبية المعارضة.

… ولما صار التطبيع أمرا واقعا بعدما رعاه الرؤساء المصريون اللاحقون ودخول أنظمة عربية أخرى غماره، انتشرت مناهضته عربيا وصارت جزءا من مفردات المقاومة والنضال ضد إسرائيل.

في الجزء الثاني نتعرف إلى مستويات التطبيع ولِما يُعدّ الثقافي منها الأخطر.

لقراءة الجزء الثاني: التطبيع مستوياتٌ… أخطرها الثقافيّ! 3/2

لقراءة الجزء الثالث: التطبيع… إذعان، خنوع أم مصلحة؟ 3/3


[1]  مي البزور. عن مقالها: “التطبيع ما بين ثنائية الرفض والقبول”.
[2]  بشير محمد النجاب. عن كتابه: “الإستراتيجية الإسرائيلية تجاه الأمن الإقليمي وأثرها على الاستقرار الإقليمي”.
[3]  هشام البستاني. عن مقاله: “مقاومة التطبيع: ورقة مفاهيمية”.
[4]  مي البزور. المقال نفسه.
[5]  رفعت السيد أحمد. عن مقاله: “معنى التطبيع ومخاطره”.
[6]  محمد أبو سعدة. عن مقاله “التطبيع العربي الصهيوني في آسيا: دول الخليج نموذجا”.
[7]  سمية عبد المحسن. عن مقالها “التطبيع والمقاومة عبر مائة عام من وعد بلفور”.
[8]  المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. عن مقاله: “التطبيع العربي مع إسرائيل: مظاهره ودوافعه”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *