×
×

محمد أنور السادات… الخطاب الأخير. حين وقع “الرئيس المؤمن” قرار اغتياله! 4/5

تمكنت الجماعات الإسلامية خلال السنوات الذهبية التي تميّزت بسياسة “الاحتواء والتحالف”، من تأسيس شبكة علاقات ومصالح واسعة وبنية تحتية قوية قادرة على إرهاب النظام. ثم…
قررت في نهاية المطاف أن تعلن عن وجودها بالتصدي للعدو القريب وبدأت فكرة إقامة دوَّيلة إسلامية أولى خطواتها التخلص من الرئيس؛ وكانت أبرز إرهاصاتها التفكير الجدي للتوجه للعمل المسلح.

ليس بعد الذِّروة إلا السّقوط”…

لم يكن لأنور السادات أن يحيد عن هذه القاعدة، غير أنّ لحظة سقوط “الرئيس المؤمن” و”رجل الحرب والسّلام” في منصة العرض العسكري يوم 6 أكتوبر 1981 كانت أشبه ما يكون بنهاية مأساوية.

في شهر شتنبر/أيلول 1981، كانت كل القوى السياسية والوطنية والإجتماعية والدينية في مصر في حالة خصومة مع السادات، الذي ارتأى لنفسه أن يسلُك مسلك “الطاغية المستنير” الذي يتمتع وِفق التصور المكيافيلي بالذكاء والدهاء والحنكة والقسوة حتى، إذا ما اقتضى الأمر ذلك؛ ويمكنه أن يسوغ لنفسه كل الأدوات الممكنة لتعزيز حكمه وتثبيت سلطانه؛ أو كما وصفه محمد حسنين هيكل في كتابه “خريف الغضب”: “لقد كان أول فرعون في تاريخ مصر جاء إلى شعبه مسلّحا بكاميرا”[1].

في 25 شتنبر 1981، ألقى الرئيس السادات خطابا عنيف اللهجة صب فيه جامّ غضبه على كل مَن حوله. لم يخل خطابه من السخرية والتهديد وأحياناً زلات اللسان، مما جعل البعض يقول إن الرئيس السادات في هذا اليوم قد وَقَّع بيده شهادة وفاته.

لكن السادات، وعلى الرغم من معاصرته للكاميرا، إلا أن كان مُقِلا في إطلاق الشعارات التعبوية بسبب إيمانه بالخطوات العملية؛ مما حال دون تحوله إلى قائد جماهيري عكس سلفه عبد الناصر. بيد أنّ السادات لم يوفر جهدا في الالتحام بالجماهير، محاولا بذلك تسويق عهده بطريقة مغايرة عن الحقبة الناصرية؛ على عكس ما روّج له في أول عهده من تقديم نفسه في صورة الوريث المخلص لقائده الراحل؛ ولا أدلّ على ذلك من خطابه المُلقى في مجلس الأمة إبّان ترشيحه لمنصب الرئيس:

“لقد جئت إليكم على طريق عبد الناصر، وأعتبر ترشيحكم لي بتولي رئاسة الجمهورية؛ هو توجيها بالسير على طريق عبد الناصر. وإذا أدت جماهير شعبنا رأيها في الاستفتاء العام بـ “نعم”، فإنّني سوف أعتبر ذلك أمرا بالسير على طريق جمال عبد الناصر، الذي أعلن أمامكم بشرف أنّني سأواصل السير فيه على أية حال ومن أي موقع”[2].

اقرأ أيضا: التطبيع… إذعان، خنوع أم مصلحة؟ 3/3

لم يكن من الغريب حصول السادات على 90.04% من أصوات الناخبين بعد خطاب سياسي تميّز بتكرار للكلمات والجُمل من باب التأكيد على محتوى الخطاب، والتعزيز من دورهِ في تحقيق الهدف الخاصّ به؛ الذي تجلّى بالأساس في كسب ثقة “النّاصريين” لعلمه بمكانة عبد الناصر لدى الشارع المصري، وكذا لخطب وِد مراكز القوى الناصرية التي كانت للسادات بالمرصاد.

لكن الأمر لم يدُم، فسرعان ما تحوّل السادات المعروف بوداعته، والنأي بنفسه عن دوائر الصراع إلى رجلٍ يتخذ خطوات دراماتيكية تشير إلى حالة من جنون العظمة، يحارب في كلّ الجبهات حتى لم يعد في مقدوره التصدي لكل تلك الخصومات المتزايدة؛ والتي ألَّبت عليه الشارع المصري.

في بدايات عمل نظامه الجديد، قام بمغازلة واحتواء قوى الإسلام السياسي، وفتح الباب على مصراعيه أمام الحركات الإسلاموية لأجل الإستفادة من هامش الحرية المُعطى من لدن النِّظام بغية التصدي للحركات اليسارية/الناصرية. لكن، سرعان ما خاب الظن بعدما انهارت العلاقة الحميمية بين النظام وقوى الإسلام السياسي وآلت الأمور إلى مواجهات دموية عنيفة.

وكما جرت العادة مع كل سلطة جديدة، يقع انفراج ومحاولة احتواء التيار الديني ليكون “حليفاً للنظام”؛ إذ إنّ علاقة الإسلام السياسي بالسلطة في مصر شهدت بين أواخر الأربعينات وبداية الثمانينات تطورات متشابهة إلى حد ما. في “العهد الساداتي”، تمكنت الجماعات الإسلامية خلال السنوات الذهبية التي تميّزت بسياسة “الاحتواء والتحالف”، من تأسيس شبكة علاقات ومصالح واسعة وبنية تحتية قوية قادرة على إرهاب النظام. ثم قررت في نهاية المطاف أن تعلن عن وجودها بالتصدي للعدو القريب وبدأت فكرة إقامة دوَّيلة إسلامية أولى خطواتها التخلص من الرئيس؛ وكانت أبرز إرهاصاتها التفكير الجدي للتوجه للعمل المسلح.

في 25 سبتمبر 1981 بدأ العد التنازلي في حياة الرئيس السادات، الذي اتّصف بـ “الرئيس المؤمن” بُغية خطب وِد القوى الإسلامية التي ما فتئت أن تحوّلت إلى بُعبع يُقلق راحته ويقض مضجعه. وقتئذ، وصل التوتر في مصر إلى درجة الغليان.

بقدر ما أرخى السادات الحبل للتيار الإسلامي بقدر ما استأسد هذا الأخير، وقرَّر التخلُّص من “مُربيه”. ديموقراطية السادات التي لطالما تباهى بأن لها “أنيابا” تستطيع أن تفرم المعارضين بـ”القانون” وتؤدبهم وتقطع ألسنتهم، لم تكن كفيلةً بوضع نهاية لتلك الحالة من التمرد والعصيان التي باتت تحاصره من كل جانب

ألقى الرئيس السادات خطابا عنيف اللهجة صب فيه جامّ غضبه على كل مَن حوله. لم يخل خطابه من السخرية والتهديد وأحياناً زلات اللسان، مما جعل البعض يقول إن الرئيس السادات في هذا اليوم قد وَقَّع بيده شهادة وفاته. بل إنّ أغلب مَن شاهد هذا الخطاب شعر بأن شمس السادات قد أوشكت على المغيب، وأنَّه على موعدٍ مع النهاية؛ وربّما من سوء طالعه أن كان من بين من شاهدوه شاب “متدين” عمره أربعة وعشرون عاماً يعمل ضابطا في الجيش المصري إسمه خالد أحمد شوقي الإسلامبولي.

أشعلت كلمات السادات في قلب هذا الشاب جذوة الغضب بسبب ما اعتبره تطاولاً على “العلماء”؛ خاصة بعد توعُّده للداعية المصري أحمد المحلاوي، وتوصيفه بالكلب مع ما خالط ذلك من تهكّم على “الجماعة الإسلامية” كما جاء في نص خطاب 1981: “….بيهاجم المعاهدة وانها تعتبر سيناء في حكم المحتلة لأنها ستكون منزوعة السلاح وأنه من البنود السرية للمعاهدة يعني أي كذب.. إجرام… سفالة… بذاءة. كل ده ميوفيش لأنه لما يقف رجل معمم ومن الأزهر الشريف علشان يقول بنود سرية وهي مش موجودة والله ما هرحمه بالقانون، وديه ايه بقي من ضمن الجماعات الإسلامية يقولوله قول ومتخفش وهنقعدك ع المنبر ولا توقفك الحكومة أهو مرمي في السجن زي الكلب” [3].

ناهيك على أنّ السادات أثخن في تقريع وتجريح كل القوى السياسية والوطنية والإجتماعية والدينية (الإسلام السياسي، القساوسة، رجال الدين)؛ وقد صرّح في ذات الخطاب، والذي وُصف بأنه الأخطر في تاريخ الرّجل، أنه تم اعتقال 1563 من رموز المعارضة السياسية، والمحرضين على الفتنة الطائفية في البلاد.

ربّما أراد السادات تسويق خطابه كـ “ثورةٍ جديدة”، على حد وصف الصحف القومية، أو كـ”حرب ضد الفتنة” كما عبّرت عن ذلك أخرى. لكن، يبقى أن الخطاب بما يحمل في طياته من قرارات كان على رأس أسباب اغتيال السادات، بعد أن نهج فيه سياسة معاداة الجميع.

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: فلسطين… بين تجارة الوهم والحقيقة

في حقيقة الأمر، لم تكن حادثة الاغتيال في “المنصة” خلال العرض العسكري المُقام يوم 6 أكتوبر 1981 سوى تتويجاً لسلسلةٍ من الهفوات التي تخلّلت “العهد الساداتي” الذي لم يحسِب حساب اليوم الذي سينقلب فيه السِّحر على الساحر.

في الواقع، بقدر ما أرخى السادات الحبل للتيار الإسلامي بقدر ما استأسد هذا الأخير، وقرَّر التخلُّص من “مُربيه”. ديموقراطية السادات التي لطالما تباهى بأن لها “أنيابا” تستطيع أن تفرم المعارضين بـ”القانون” وتؤدبهم وتقطع ألسنتهم، لم تكن كفيلةً بوضع نهاية لتلك الحالة من التمرد والعصيان التي باتت تحاصره من كل جانب، ولم تكن قادرةً على ردع “البُعبع الإسلامي” الذي تربّى وكبُر في كنف “الرئيس المؤمن” الذي أمسى بين ليلة وضحاها ضحية لسياساته؛ التي أفضت إلى تأجيج الصراع بينه وبين كل التيارات السياسية والقوى الدينية، وانتهت بمواجهات دامية أدت في نهاية المطاف إلى مقتله؛ فـ “كان أوّل فرعونٍ يقتله شعبه”[4].

[1] محمد حسنين هيكل، خريف الغضب، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1988.
[2] ياسر ثابت، صناعة الطاغية: سقوط النخب وبذور الإستبداد، دار الكتب للنشر والتوزيع، ص: 55
[3] مقتطف من خطاب الرئيس المصري أنور السادات، 1981.
[4] محمد حسنين هيكل، خريف الغضب، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة، 1988.

 

لقراءة الجزء الأول: محمد أنور السادات… “رجل الظل” الذي صار رئيسا

لقراءة الجزء الثاني: محمد أنور السادات… الخروج من منطقة الظل. تصفية تركة عبد الناصر

لقراءة الجزء الثالث: محمد أنور السادات. استخدام الإسلام السياسي لتحجيم اليسار …. أخطاء “الرئيس المؤمن!”. 5/3

لقراءة الجزء الخامس: محمد أنور السادات… في الطريق نحو منصة الاغتيال. حين ينقلب الوحش على مروضه. 5/5

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *