×
×

المغاربة السود، أين هم؟ في حديث مع مبارك بوحشيشي حول الفن والعرق وأهمية التفكيك الإيديولوجي 1/3

المغاربة السود لا يزالون يعانون من “الخفاء”، من غياب الحضور في الفضاء والنقاش العام. لكن هذا الخفاء، ليس بصريا، بل هو خفاء يجردهم من ذواتهم، ويجعلهم عرضة للعنصرية…
فمثلا، من جهة، ظهور شخص أسود على شاشة التلفزيون المغربي، يتعلق عامة بتجسيد لأدوار تعزز دلالات عنصرية، ومن جهة أخرى، نادرا ما نشاهد المغاربة السود في الأوساط السياسية، مما يجعل من هذا الخفاء خفاءً تركيبيا وليس “طبيعيا”، بل هو نتيجة لتاريخ طويل أصبح فيه المجتمع مساحة تمييز بين الأجساد.

استجوبته: أمينة العلوي السليماني

مبارك من مواليد مدينة أقا بالمغرب، وهو فنان تشكيلي تمركزت آخر أعماله حول تاريخ الأمازيغ السود في جنوب المغرب، إلى جانب أعمال أخرى يسلط بها الضوء على وقائع اجتماعية لإبراز المفاوضات القائمة بين الوضع المكاني ووضع العمال في المغرب.

قابلت مبارك لأول مرة في معرض كولت في شهر يوليو 2019 بالرباط على مائدة مستديرة ترأّسها مع المؤرخة غيثة عواد حول “الأعراق ومسألة الهوية في المغرب”.

كانت مداخلة مبارك صادقة تهدف إلى كشف حقائق وتجارب عاشها، وذكر في مداخلته مراراً وتكراراً أن المغاربة السود لا يزالون يعانون من “الخفاء”، من غياب الحضور في الفضاء والنقاش العام. لكن هذا الخفاء، ليس بخفاء بصري، بل هو خفاء يجردهم من ذواتهم، ويجعلهم عرضة للعنصرية؛ فمثلا، من جهة، ظهور شخص أسود على شاشة التلفزيون المغربي يتعلق عامة بتجسيد لأدوار تعزز دلالات عنصرية، ومن جهة أخرى، نادرا ما نشاهد المغاربة السود في الأوساط السياسية، مما يجعل من هذا الخفاء خفاءً تركيبيا وليس “طبيعيا”، بل هو نتيجة لتاريخ طويل أصبح فيه المجتمع مساحة تمييز بين الأجساد.

هذه المقابلة ليست إلا امتدادا لموضوع لم يجد حيزا من الاهتمام من طرف العديد. وهو حديث مهمش ينكر الجميع أهميته، ويسكته الجميع. وهذه المقابلة هي رسالة ودعوة للجهر بواقع تم إسكاته، سألت فيها مبارك عن أعماله الفنية وعن إلهاماته، كما سألته أيضا عن كيفية ربطه بين ذاك الذي يُرى ولا يسمع، وذاك الذي يحوم في السكون والهوامش.

 . ​​لقد استمتعت كثيرا بالاستماع إليك في معرض كولت Kulte. وبمجرد عودتي إلى البيت، وجدتُ نفسي أفكر في  تداعيات الحرمان من الهوية: كيف يمكن للمرء أن يعيش محروما من تقبل الآخرين له؟ وقد فكرت في تجربتي الخاصة في جامعتي السابقة، وهي مكان كانت فيه الهوية الأفريقية مرادفا للبشرة السوداء، غير أننا في المغرب وفي شمال إفريقيا بشكل عام، نعيش في أوساط لا تعترف بانتماء البشرة السوداء إليها. لقد أعددت بعض الأسئلة، ولكنني أولاً أود أن أشكرك على وقتك.

مبارك بوحشيشي: هذا جزء من عملي الذي يرتكز حول ثلاث مبادئ.  أولا، أسير على خطى التعاون، وقد يجدني المرء إما منهمكا في عمل تعاوني أستطيع من خلاله طرح تساؤلات مهمة عن وضع الفنان في سياق  مغربي، أو  جزءً من مجموعة عمل، أو ببساطة أستخرج نفسي من المجموعة وأعمل منفردا مع أفكاري. غير أن هويتي كشخص تبقى ملتزمة بمجموعة قام “الآخر” بتعريفي من خلالها، وهذا بالذات من الأسباب التي تجعلني أؤمن أنه من الضروري التواصل حول هذه التلفيقات والبنيات الفكرية، وإعادة تحويلها من خلال الفن وأيضاً من خلال الجرأة في الحديث والتفكيك الإيديولوجي.

.  ​​أشعر بالفضول لمعرفتك أكثر، وقد قضيت وقتًا طويلاً في قراءة العديد من المقالات عنك وعن أعمالك الفنية، وأود بداية سماع تعرفيك الشخصي عن من هو مبارك.

مبارك بوحشيشي: حسنًا، لا أعرف ماذا أقول. أنا مبارك.  رجل ولد في سياق غير معروف لدى المغاربة، أو بالأحرى سياق لم يعط المغاربة اسمًا له. غالبًا ما يشيرون إلى هذا المكان باسم “الصحراء”، وبلفظة الصحراء هذه يشيرون إلى “الخلا” بالدارجة المغربية، ويصبح هذا الفراغ منطقة غير معروفة، ولا يستطيع الكثير من المغاربة التعريف بارتباطهم بهذا المكان إلى حد ما، فيصبح مجهولا ويفضلون عدم ذكر اسمه.

اقرأ أيضا: مقتل فلويد والنضال ضد العنصرية: محاكمة التاريخ والبديهيات!

مجازاً، يمكننا أن نشبه هذه المسألة بظاهرة التمثيل في اللوحات الغربية. في بعض الأحيان، قد تصادفك لوحة لدوق مع بطاقة تحمل اسم ذلك الدوق، وبجواره مباشرة نجد صورة رجل أسود، ويشار إليه ببساطة على أنه “un nègre”، ولا يعطى له اسم … هل فهمت ما أعنيه؟ الصحراء موجودة وغير موجودة في الآن ذاته. هي مكان يتميز بالبعد والمسافة. غير أن هذه المسافة تركيبية وليست جغرافية، وغالبًا لا يعرّف الفرد المغربي نفسه بها أو من خلالها، وهكذا.

أنا شخص ولد في خضم هذا الهامش الجغرافي والتاريخي، ولدتُ في مدينة أقا، وقد كان لهذه الأخيرة تأثير كبير على السلالات المغربية الحاكمة مثل سلالة السعديين والمرابطين والموحدين، لأنها كانت مركزا للتجارة عبر الصحراء الإفريقية.

أنا من هناك لكنني اليوم مهاجرٌ، لأن والداي غادرا أقا عندما كان عمري حوالي ثلاثة أشهر. وتولدّ داخلي شعور الهجرة حين وجدتُ نفسي وعائلتي في سياق جديد، بعيدًا عن أقا، عن مسقط رأسي. ثم كبرتُ لأشعر أنني عشتُ هجرة داخلية ولو في سياق وطني: أي داخل منطقة جغرافية محددة.

. ​​سؤالي التالي يتعلق بلقائك مع الفن، كيف تحقق هذا المسار ولم اخترته؟ وإلى أي حد استمر هذا السياق الذي نشأت فيه بالتأثير على عملك الفني؟ ربما يبدو هذا سؤالا بلاغيا، لأننا غالبًا ما نردد أن ركيزة الإبداع هي نتيجة التجارب التي عبرنا بها وعبرت بنا عبر الحياة، وأشعر بالفضول لمعرفة المزيد عن مسيرتك، وعن رحلتك هذه التي لازلت تعيش في صوبها. متى بدأ كل هذا؟

مبارك بوحشيشي:  تلقيت العديد من اللكمات التي دفعتني إلى التساؤل عن هويتي ومن حيث أتيت. غالبا ما وجدتُ نفسي أتعرض للخفاء \ الإبعاد عن مجال الضوء والحضور في بعض المواقف، ومرات أخرى تعرضت فيها للإعتداء إلى حد حرم عليّ فيه الإنتماء.

اتبعت منهجا فكريا يدعو إلى فهم الواقع الذي أعيش فيه. بدأت أولاً بالقراءة والمطالعة حول الهوية الأفريقية الأمريكية، وخصوصا قراءة الأعمال الأدبية التي نشأت نتيجة هذه الحركة الثورية لأنني استطعت الوصول إليها بسهولة ولأنها عبرت علنًا عن تجربة السود، وعن التاريخ والأوساط التي عاش بها الشخص الأسود ولا يزال يعيشها.

اقرأ أيضا: هــل الــمغـــــــاربة عنــصــريــون؟

هذه التجربة الأفريقية الأمريكية، على الرغم من كونها تتمحور في سياق الولايات المتحدة، فقد تم تصديرها إلى بقية العالم، وأمست تتحدث نيابة عن العديد من التجارب الأخرى.

في الحقيقة، لقد فتنت بها وبحثت كثيرا وأغرقتُ نفسي في القراءة أكثر وأكثر، ثم  تساءلت عن إمكانية إنشاء شيء ما أيضًا يتعلق بهذ الواقع الذي أعيشه أنا أيضا.

قادتني هذه البحوث إلى التساؤل عن التاريخ مثلا. أذكر أنني كنت أقرأ عن تحرير العبيد في الولايات المتحدة وعن أبراهام لنكولن، وأدركتُ أن كل ذلك كان مجرد هراء، واعتبرتها نقطة مثيرة للاهتمام لإزعاج التاريخ وتفكيكه. إنني أؤمن أن جوهر الإنسان هو التفكيك، فبدأت بتفكيك الأسطورة وأنشأتُ أول عمل فني أسمتيه  “L’invention de la  machine liberal homme noir” (اختراع آلة الإنسان الأسود الليبرالي)، لأنني أدركتُ أن تحرير العبيد في ذاك السياق التاريخي جاء ليخدم واقعا اقتصاديا.

ثم إنني أؤمن كثيرا بأهمية الصحبة الفكرية والرفقة في الحياة، وعليّ فعلا أن أذكر عمر برادة الذي لعب دورا مهما في تحرير صوتي وعمل على خلق مساحة فنية لي حتى أستطيع من خلالها التعبير جهرا عن هذا الموضوع.

إنني اليوم أعيش في مرحلة يسيطر علي فيها الشك أحيانًا. أتأرجح بين الإيمان والشك لأنني أتلقى ردودا مثل “آه، لكن هذا غير موجود!” أو “لا يوجد شيء اسمه “المغربي الأسود”. كلنا مغاربة”، كلما عرضتُ أعمالي في المغرب، مما يجعلني أغوص في ازدواجية محبطة.

كنت في تونس مؤخرا و قد وجدت العديد من أوجه التشابه بين واقعنا والسياق التونسي فيما يتعلق بالعنصرية ضد التونسيين السود.

سمعتُ هناك ألفاظا مثل “جبانة الوصفان” في جربة، جزيرة في الجنوب التونسي، أو “الوصيف”، كنعت يستعمله التونسيون للشخص الأسود، والوصيف بمعنى الثاني تراتبيا. بل إن هذا العنف اللفظي ضد التونسيين السود أسوأ من المغرب، حيث أن هناك أفراد لا يزالون يحملون أسماء العائلات التي انتمى إليها أجدادهم كعبيد والتي كانوا في ملكها. يمكن للمرء مثلا اليوم أن يلقى شخصا يعرف ب”محمد عتيق دالي”، بمعنى محمد “عتيقُ” دالي، وهذه هوية وتسمية متواجدة في الأوراق الرسمية وبطاقات التعريف.

أرغب حقًا في إزعاج هذه الجغرافيا الإيديولوجية، والتشكيك في أنواع اللامساواة التي لازالت تعاش من خلال الفن وفي سياق أوسع، وأود أن أذهب إلى موريتانيا ومصر وليبيا لأراقب ما يحدث في هذه المنطقة التي نسميها “شمال إفريقيا”.

لقراءة الجزء الثاني. مبارك بوحشيشي: هكذا تم “تبييض” المغرب وتجريده من إفريقيته

لقراءة الجزء الثالث: مبارك بوحشيشي: المغرب أسود… ولن ينجح في تجسيد البياض اليوناني

تعليقات

  1. كريم سعدون

    قضية شائكة للاسف الشديد نعاينها ونحن في الالفية الثالثة ، حضرت ايضا على قناة فرانس 24 حلقة عن نفس الموضوع ، كنت مستغربا ، فنحن بهذه الايام مشغولون بتفقد الهويات واثارتها ولم نعتقد بوجود
    مشكلة اللون والنصرية بالنظر اليه ، شكرا لهذا الموضوع المهم ، شكرا لامينة العلوي وشكرا للفنان مبارك
    بوحشيشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *