×
×

مبارك بوحشيشي: المغرب أسود… ولن ينجح في تجسيد البياض اليوناني 3\3

لا أحب كلمة “أقلية”. كما ذكرت، إنني أبدأ من فكرة أن المغرب أسود وأن أي شخص يتسابق ليصبح أبيضا، لن ينال سعيه في تجسيد البياض اليوناني.
إن البيانات الديموغرافية تشير أن عدد السكان المغاربة السود هو 10٪. أحب أن أكون متطرفا بقولي وفكري وأن أعكس هذا.

 

استجوبته: أمينة العلوي السليماني

تابعنا في الجزء الأول والثاني من هذا الاستجواب، بعض تفاصيل حكاية المغاربة السود، وحكايات الخفاء والظهور، من خلال اشتغال الفنان التشكيلي مبارك بوحشيشي.

في هذا الجزء الثالث والأخير، نتابع مع مبارك بوحشيشي النبش في حكاية المغاربة السود، وسؤال الأقليات

. في القرى القريبة من شفشاون، هناك مناطق يسكنها أفراد تحمل بطاقاتهم عناوين في مدن أخرى في شمال المغرب، مثل طنجة وتطوان، وكأن قراهم بدورها “خفية”، غائبة! أثرت فيّ هذه النقطة كثيرا، وأتسائل كيف ألهم هذا الاكتشاف أيًا من أعمالك الأخيرة؟

مبارك بوحشيشي: في المشروع الذي أعمل عليه حاليًا، أفكر في أماكن الذكرى وعمليات التذكر. أتساءل عن فضاءات الذاكرة، وعن طقوس التذكر. هل يمكن للذكرى أن تكون مساحة عاطفية للحداد في الوقت ذاته؟ هل تسعى فضاءات التذكر والذاكرة إلى فرض شرعيتها من خلال الخطابات السياسية؟ هل يستوجب على عمليات التذكر أن ترتبط بتاريخ معين، وبمواقع جغرافية محددة، أم أن على الفرد التصالح مع مواقع التذكر بدون استلزام ما ذكرتُ؟ إنني أتحدث عن الأمكنة المعلقة في الزمن والتي تحمل في طياتها عنفا صامتا. على سبيل المثال، ذكرت التجمعات التي أغلب أناسها سودٌ ولا يمكن العثور عليهم في الخريطة، يعيشون في خفاء بغير إرادتهم. القرى التي يعيشون فيها لا تظهر على بطاقات هويتهم، فيحملون عنوانين ابن عم أو قريب يعيش في المدينة. هؤلاء ناسٌ لا يتم تسجيلهم في القوائم الانتخابية، ولا يصوتون، وهذا النوع من الخفاء لا يتحدث عنه أحد.

أتذكر قرية قرب مرزوكة تدعى خملية، هي مكان شبه مأكول بالرمال. يمكنك العثور على مجموعة من الشباب مجتمعين في منزل يغنون كناوة للسياح العابرين، ويجمعون منهم القليل من المال. وقرية خملية هذه تسترزق بأكملها من خلال هذه المدخول الصغير.

لكنني حقا أتمنى أن أتمكن يوما ما، أو قريبا، من أتعاون مع بعض سكان هذه القرى في الشمال.

.  ​​وإذا عدنا إلى فنك، هل تعتقد أنه يجد جمهورًا أكثر تقديرًا خارج المغرب مقارنة بداخله؟

مبارك بوحشيشي: إن العمل الفني بالنسبة لي يشبه كتابة مجموعة من الرسائل وإرسالها إلى أقصى عدد ممكن من الناس، فلا يهمني معرفة مكان هؤلاء الأشخاص، مادامت رسائلي قد وصلت. وأنا لا أهدف إلى الوصول إلى منطقة معينة. عملي الفني ليس به عنف. حسنًا… هناك عنف، ولكنني أعبر عنه بشكل مختلف لأنه يحمل بداخله جمالية تختبئ خلفها طبقة أخرى من العنف ترتبط بمواضيع لا تزال تعتبر كطابوهات. في الحقيقة، إن أوسع جمهور أود الوصول إليه هو الأشخاص الذين أعمل معهم بالذات، هم الناس الذين التقيت في القرى.

اقرأ أيضا: من مونتريال ــ كندا. عمرلبشريت يكتب: سكيزوفرينا… “المهاجرون إلى الله”

تواصلت مؤخرا مع تعاونية من النساء السود في قرية في جنوب المغرب تقمن باسترجاع تقاليد النسيج. وبما أنني أحضرت معي عددًا من الأصبغة الطبيعية من رحلتي الأخيرة إلى تونس، وددتُ أن أحقق عملا فنيا معهن. وبطريقة ما، قد أستطيع خلق رابط بين شكل فني سائر نحو النسيان وبين هؤلاء النساء، ليصبح هذا الرابط نوعا من المراسلة بين جمهورين، بين مجتمعين بعيدين عن بعضهما البعض.

. من هي هذه المجتمعات التي تعمل معها؟

مبارك بوحشيشي

مبارك بوحشيشي: لقد عملت مع خزافين في تماكروت، ومع الحرفيين الذين يعملون على المعادن في أمزرو، في نواحي منطقة زاكورة. لقد عملت مع حرفيين آخرين في مراكش ينحدرون من قلعة مكونة، وسأعمل مع مجموعة من الحرفيين من هناك قريبًا. هناك بعض المشاريع الفنية التي لا يمكنني العمل عليها مباشرة مع الحرفيين المحليين. على سبيل المثال، قمتُ بمشروع مع فنان فرنسي يعيش في المغرب؛ وكانت هذه تجربة مثيرة للاهتمام بالنسبة لي لأننا عملنا على تيمة الاستيلاء على الأراضي، وبطريقة ما كانت محاولة لطرح تساؤلات عن السياق الزمني والمكاني الذي استدرج هذه العمليات والتمزقات.

. ​​في حديثك عن العِرق، وعن فنك وعن المغاربة السود، هل تعتبر أنك تعطي صوتًا لأقلية؟ لست متأكدة تماما مما إذا كان يمكن للمرء إجراء مقارنة موازية، لكنني فكرتُ أيضًا في الأعمال الفنية المنتجة عن  الإيرانيين السود وهناك تركيز كبير على تجربتهم كأقلية.

مبارك بوحشيشي: في الحقيقة أنا لا أحب كلمة “أقلية”. كما ذكرت، إنني أبدأ من فكرة أن المغرب أسود وأن أي شخص يتسابق ليصبح أبيضا، لن ينال سعيه في تجسيد البياض اليوناني.

إن البيانات الديموغرافية تشير أن عدد السكان المغاربة السود هو 10٪. أحب أن أكون متطرفا بقولي وفكري وأن أعكس هذا. أرى كل شخص أسود. في طفولتي، لم أكن أميز كثيرا، ولكنني عندما كبرت أدركتُ أنني أبدو مختلفا عن البقية من خلال تجاربي في المدرسة وفي الشارع أيضا. سأخبرك بنكتة. إنها في الحقيقة ليست بنكتة بل هي حقيقة.

عند وصولي إلى السنغال في رحلة أولى،  فوجئت وبدأت أنظر يمينا ويسارا. رأيتُ نفسي. نعم، لم أشعر بأنني موضوع مختلف، وأنني أمتلك جسدا مختلفا. كانت المرة الأولى في حياتي التي شعرت فيها بأنني أنتمي إلى مجموعة كبيرة من الناس، وكان هذا هو نفس الشعور الذي كان يتملكني في القرية التي ولدت فيها. هناك، كان الجميع ذا بشرة سوداء إلا عائلتين أو ثلاث. ولطالما شعرتُ بالسلام داخلي وبالراحة  في مثل هذه الأجواء، لم أكن “الغريب”.

اقرأ أيضا: Green Book: حين تجمع السينما بين نقاش القضايا الإنسانية وبين الفرجة الحقيقية

هناك حالات أخرى تعيد إليّ شعور الانتماء هذا، مثلا عندما أقابل شخصًا يشبهني حين أسير في الشارع. غالبا ما نتبادل نظرة بأعيننا، وهذا نوع من التعاطف يتسلل إلى كلينا في تلك اللحظة، لأننا نحمل شعور الاختلاف، ولأن كلانا جسمان غريبان على المكان الذي نحن فيه. وفجأة، أشعر أنني قد تم الترحيب بي في عالم شخص آخر يشبهني.

لقد عايشتُ هذا في إطار رحلة إلى قرية تونسية  مع مجموعة كبيرة، وحصل فيها أن الأشخاص البيض الذين كانوا معي حرموا من أن يكونوا جزءً من الإطار المكاني الذي زرناه، حيث طلب السكان المحليين من الأشخاص البيض أن يرحلوا وطُلب مني ومن تونسيين سود آخرين بالبقاء. في تلك اللحظة، نظر إلي أحد السكان المحليين وقال: “توا نقدو ندوو”، أي “الآن يمكننا التحدث”. وتلك كانت دلالة تعبيرية عن نوع من التضامن الذي يكشف الكثير. لا أعرف تسميته بعد، لكنه موجودٌ.

تمت المقابلة والنسخ والترجمة من الفرنسية من قبل أمينة العلوي السليماني. وقد تم نشر هذه المقابلة لأول مرة بالأنجليزية على موقع المتريك في شهر يناير.

لقراءة الجزء الأول: المغاربة السود، أين هم؟ في حديث مع مبارك بوحشيشي حول الفن والعرق وأهمية التفكيك الإيديولوجي 1/3

لقراءة الجزء الثاني: مبارك بوحشيشي: هكذا تم “تبييض” المغرب وتجريده من إفريقيته 2/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *