×
×

مبارك بوحشيشي: هكذا تم “تبييض” المغرب وتجريده من إفريقيته 2/3

المغرب أسود! أريد أن أقول ذلك مرارا وتكرارا… إن المغرب أسود والقضية التي نواجهها هي أن أي شخص أسود يعيش في المغرب، يقال إنه جاء من أفريقيا ومن جنوب الصحراء؛ وهنا الخطأ. أنا من هنا. أنا هنا. وهذا شيء يجب إصلاحه، فربما يكون الآخر هو من هاجر وجاء إلى هذه البلاد. أي حق يمتلك الآخر ليقول لي إنني مهاجر وأنني جئت من مكان آخر؟ عملية التبييض هذه بالنسبة لي هي مشروع لإنشاء “جنوب البحر الأبيض المتوسط” لأن البحر الأبيض المتوسط ​​يحتاج أن يبقى أبيضا…

 

استجوبته: أمينة العلوي السليماني

تابعنا في الجزء الأول من هذا الاستجواب، كيف بدأ مبارك بوحشيشي انشغاله، واشتغاله على تيمة المغاربة السود، وعلى محاولة النبش في سؤال الهوية…

في هذا الجزء الثاني، نتابع مع الفنان التشكيلي المغربي، اقتفاء خيوط حكاية أسئلة الظهور والاختفاء في سيرة مغاربة لا يراهم الكثيرون، وأثر البعد الإفريقي في الذات المغربية، من خلال تفاعل المغاربة مع المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء، وحكايات العنصرية التي أرختها كثير من التفاصيل والأحداث المعروفة، إضافة إلى عملية تبييض المغرب وتجريده من إفريقيته.

. ​​أشعر بالفضول حيال الكتاب الذي ساهمت فيه مؤخرًا “الأفارقة”. كيف يمكن لهذا الكتاب أن يزيد من الوعي في المغرب وشمال إفريقيا حول التفرقة العرقية وعن اللامساواة التي يواجهها الأفراد ذوي البشرة السوداء؟

مبارك بوحشيشي: أولا، أريد حقًا أن أشدد على أن كتاب “الأفارقة” نشر قبل إعادة اندماج المغرب في الاتحاد الأفريقي، وقبل جميع الخطابات السياسية التي حدثت في عام 2017، لأن الكتاب صدر في فبراير 2016.

كان مشروع كتاب “الأفارقة” محاولة لتوثيق وفرض أفريقيتنا، وأنا لست الوحيد في الكتاب، فهناك أيضا عمر برادة وعلي الصافي وإيمانويل إيدوما ووستيفانيا باندولفو. لقد كان هذا المشروع يتعلق بإعادة تخيل إفريقيا أخرى بشكل أكثر إنسانية إلى حد ما.

اللحظة التي برز فيها الكتاب ونشأ فيها هي لحظة مثيرة للإهتمام. لقد كانت فترة نقاش واسع حول مهاجري جنوب الصحراء، وهي مرحلة رأى فيها المغرب نفسه يلعب دور حارس الحدود الأوروبية، ويعمل على ضمان بقاء جنوب البحر الأبيض المتوسط ​​أبيضا، وهي أيضا فترة  شهد فيها المغرب تحولاً، حيث أنه أمسى وجهة نهائية بدل جسر عبور للمهاجرين.

اقرأ أيضا: من مصر، سارة أحمد فؤاد تكتب: ما بين ربيع العرب، وخريف مينابوليس

أي أننا بدأنا نشهد سكيزوفرينا وانفصامات بالغة الخطورة في المجتمع على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الشوارع. كانت هناك جرائم عنيفة ترتكب بشكل واضح ضد مهاجري جنوب الصحراء، وأصبح الناس يرفضون تأجير منازلهم لـ “الأفارقة”. بل حتى، برزت رسائل مكتوبة في أبواب العديد من المنازل تشير بذلك. وكانت هذه الإزدواجية مضحكة بعض الشيء، لأنها كانت لحظة نسي فيها المغاربة فجأة أنهم أفارقة. لقد كانت بالنسبة لنا لحظة حاسمة وجب علينا أن نكشف ونتحدث جهرا عن هذا الواقع من خلال الكتاب.

إن هذا المغربي يجد نفسه مشوشا في هويته، لا يعرف إن كان عربيا أو أمازيغيا أو أفريقيا أو أوروبيا. إنه مفتون بالبياض: بياض الأفكار وبياض البشرة. البياض من حيث التسلسل الهرمي للأعراق، والبياض كتفوق على الآخرين أي محاولة  لتموضع الذات. ومنه، فالكتاب يعبّر عن لحظة أدركنا فيها أن على إفريقيا أن تُعرف تاريخيا لأننا بحاجة ملحة لفهم دورنا في بناء هذه القارة، وفي إدراك دورنا الحالي، وأيضا ما يمكننا تقديمه مستقبلا.

إن الكتاب يتحدث أيضا عن الخفاء\ عن تغييب الحضور! لقد سعينا من خلاله أن نعلن أن الهوية الإفريقية لا تتمحور فقط حول لون البشرة بل تتجاوز هذا التعريف الشكلي وأن علينا أن نعمل جميعا، ومعاً، على إعادة تحديد وتعريف هذه الهوية.

. هل يمكنك التوضيح بأمثلة محددة، حول الطريقة التي تم بها “تبييض” المغرب وتجريده من إفريقيته؟

مبارك بوحشيشي: لقد صادفتُ مؤخرًا أمثلة عززت إدراكي بإساءة الفن الغربي لنا. عندما كان يتم رسم موريتاني أو موروس، كان دائما يمثل أسودا. يمكنك العثور على هذه التمثيلات في لوحات بييرو ديلا فرانشيسكا مثلا، أو في علم كورسيكا اليوم، ذاك  الرأس الأسود المقطوع.

لكن السلطان مولاي إسماعيل، على سبيل المثال، كان ملكا أسودا. ويوسف بن تاشفين كان أسودا. المغرب أسود!  أريد أن أقول ذلك مرارا وتكرارا… إن المغرب أسود والقضية التي نواجهها هي أن أي شخص أسود يعيش في المغرب، يقال إنه جاء من أفريقيا ومن جنوب الصحراء؛ وهنا الخطأ. أنا من هنا. أنا هنا. وهذا شيء يجب إصلاحه، فربما يكون الآخر هو من هاجر وجاء إلى هذه البلاد. أي حق يمتلك الآخر ليقول لي إنني مهاجر وأنني جئت من مكان آخر؟ عملية التبييض هذه بالنسبة لي هي مشروع لإنشاء “جنوب البحر الأبيض المتوسط” لأن البحر الأبيض المتوسط ​​يحتاج أن يبقى أبيضا…

الفنان التشكيلي: مبارك بوحشيشي

إنني أعتبر أن التماثيل اليونانية الأولى كانت كلها مطلية بظلال من الذهب، لكن صباغتها تحولت اليوم وبدأ استعمال رخام أبيض يدعي بالدالتيل daltile لتبييضها. لقد أدت هذه المسألة إلى إشكالية العرق في الغرب. ثم منه، أرادوا إنشاء جزيرة في إفريقيا، تدعى “شمال إفريقيا” وأن تكون هذه الجزيرة أيضا ذات لون أبيض، لضمان إيديولوجية استعمارية… لتأكيد أن البحر الأبيض المتوسط ​​ينتمي إلى أوروبا، هذه القارة الصغيرة التي لا تزال تحكم تاريخ القارات الأخرى.

يمكن ملاحظة مشروع التبييض هذا أيضًا في الحياة اليومية للمغربي، فمثلا رغبة الزواج من فتاة شقراء تجسيد لهذه الإشكالية، تصبح فيها الفتاة الشقراء بشكل افتراضي جميلة لمجرد أن لون بشرتها أفتح وأكثر بياضًا.

. ​​تذكرني هذه النقطة بكتاب الجلود السوداء والأقنعة البيضاء Black Skins White Masks لفرانز فانون، ومن ضمن الأفكار التي يحيل إليها هي قضية الزواج هذه، على كونها محاولة إنتماء لعالم أبيض يعمل على تحسين الوضع الطبقي للشخص في الوسط أو المجتمع الذي هو جزء منه.

مبارك بوحشيشي: بالضبط. أقوم حاليًا ببعض الكتابات من أجل مشروع أعمل عليه وأبدأ بفقرة تقول: كونك أبيض هو وضع اجتماعي، لأنه، فعلا، هناك انبهار ورغبة في جعل كل شيء أبيض. مثلا، إذا فكرنا في الإعلانات على التلفزيون المغربي، فهي غالبًا ما تلتقط أسرة بيضاء اللون بسيمات قوقازية، وبذلك تقوم بعملية توجيه الخيال نحو مغرب افتراضي يستوطن فيه البياض لب الخيال الاجتماعي.

. أتذكر أنك ركزت بشدة على فكرة التفكيك خلال حديثك في كولت، كيف برأيك يستطيع المواطن/ة المغربي/ة  بدأ رحلة تفكيك مفهوم العرق هذا؟

مبارك بوحشيشي: جوهر الإنسان على الأرض هو التفكيك وليس البناء. أحب كثيرا الكلمات التي تبدأ بـ “إعادة” مثل إعادة التعريف وإعادة البناء، ولكن من خلال عملية التفكيك. سأعطيك مثالاً خارجا بعض الشيء عن السياق. كانت رحلتي الأولى إلى إيطاليا مدفوعة بالرغبة في معاينة التعايش بروما بين المباني الحديثة والآثار التاريخية. كنت مبهورا بقدرة الناس على حفر حدائقهم والعثور على حفريات من عصر آخر. لكنني هذه الأيام حين أسترجع هذا المشهد، أشعر بأنه أمر خطير لأنه عمل يستطيع عرقلة رحلة الإنسان، أي أنني أمسيتُ أفكر في نوع العلاقة التي يمكن للمرء أن يحملها أو يطورها مع التاريخ الذي تحمله تلك الحفريات، لأن التاريخ يثقل كاهل المرء.

اقرأ أيضا: فاروق سلوم من السويد يكتب: أوهام الهجرة والاندماج. بداوة عربية في أرض المهجر

أفكر أحيانًا في آيسلندا ، ذاك البلد الذي لا يزال يتحرك جغرافيًا وجيولوجيًا. هو مكان به العديد من البراكين المنفجرة، ومكان لازلت الأرض تتحرك فيه باستمرار من خلال الصفائح التكتونية. فهل من الممكن التفكير في التراث؟ وماذا يمكن للمرء أن ينقله في مكان مثل هذا؟ إنني هنا أشير للعوالم المادية. في المغرب ، أعتقد أنه من المهم أن نبدأ بتفكيك النظرة نحو الآخر، وتفكيك الصور النمطية، واللغة، والعادات، والاختيارات، فهي أمور تقيدنا بشدة وتحجب عنا رؤية ذاك الذي يتجسد أمامنا بوضوح.

يمكننا أيضا أن نبدأ بتفكيك الهوس السائد برباط الدم. لدي انطباع بأننا (كمغاربة) لازلنا نعيش في موقع بناء يحاول أن يجعل من الدم والقبيلة الطرق الشرعية الوحيدة التي يستطيع المرء أن يرمز من خلالها للإنتماء داخل المجتمع. فمثلا; هناك عائلات لا تسمح لأفرادها بالزواج من أجانب، أو الأسوأ من ذلك، لا تسمح لأفرادها بالزواج من شخص أسود البشرة. لكن، وفي نفس الوقت، يمكنك العثور على تناقضات داخل نفس العائلة. هؤلاء الأفراد الذين يدّعون أنهم يريدون الحفاظ على نقاء دماء عائلاتهم، لديهم أجداد وجدات سود أو كان في قبيلتهم أفراد سودٌ. فلهذا نحن حقا بحاجة لهذا التفكيك الإيديولوجي اليوم.

شخصيا، أمارس عملية التفكيك من خلال طرق عديدة كما ذكرت. سُئلت ذات مرة عن رأيي بمعرض قمت به.  بالنسبة لي كانت أهمية ذاك المعرض تكمن في إطار العمل المشترك الذي ولد من خلاله هذا الأخير.

لدي ميل لجمع الأشياء. أحب جمع الأشياء. أحب اكتشافها وحفرها وتقليب الأرض للسماح لها بالتعبير والحديث عما لم يستطع الأفراد التعبير عنه. أحب أن أمزج بين العناصر التاريخية والتجارب الإنسانية، وأن أجمع بين ما يمكن للأفراد صنعه بأيديهم، وبين الأشياء الموروثة، وأحيانا تشكل هذه المواد الموروثة نوعًا من الخطر لأننا طوال تاريخنا في المغرب، قمنا ببناء صور بدلاً من إنشائها بأنفسنا.

إننا حاليا ننتج صورًا خضعت لنظرة الغرب، سواء كانت لوحة أو مشروعا فوتوغرافيا أو فيلما، وهذه الصور المركبة التي يتم إعادة إنتاجها في المغرب، غالبًا ما تفقد وظيفتها الأساسية فتصبح ثابتة، تتأرجح بين روعتها وبين كونها أداة تزيين، لا غير.

اقرأ أيضا: أحمد الخمسي يكتب ـ حزن الظن: باب الجياف… باب اليهود!

أبدأ في رحلة التفكيك هذه من الماهيات غير الثابتة ومن العيوب لتتبع وطرح تساؤلات حول إمكانية التفكيك الإيديولوجي. ثم إنني لا أعتبر تطبيق هذا التفكيك عملا عنيفا أو عموديا. إنني أؤمن بتفكيك إديولجي أفقي جماعي نستطيع تحقيقه من خلال العودة إلى أشكال التعاون المتبادل التي اعتدنا عليها في مجتمعنا، والتي فقدناها بسبب الاستعمار. أعمال التويزة مثلا، والعمل التعاوني في الحقول ومواسم الاحتفالات، وكذا داخل القرى، تلك الأماكن التي لم تكن تنتمي إلى شخص معين بل كانت ملكاً جماعياً. وتبقى هذه العناصر الجماعية مهمة. أود حقا أن أسير في هذه الرحلة الفكرية والجسدية مع الناس وأن أقوم بتفكيك العديد من الأشياء التي لا تزال معلقة في الخيال، تعيق العقل وتعيق  قدرة الإبصار والملاحظة، بل وحتى التفكير.

لقراءة الجزء الثالث: مبارك بوحشيشي: المغرب أسود… ولن ينجح في تجسيد البياض اليوناني

لقراءة الجزء الأول: المغاربة السود، أين هم؟ في حديث مع مبارك بوحشيشي حول الفن والعرق وأهمية التفكيك الإيديولوجي

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *